أنا عروسة جديدة بقالي شهرين متجوزة. عملت تيست حمل في البيت وعرفت إني حامل، بس الصدمة كانت لما روحت لدكتور النسا عشان أتابع الحمل؛ أول ما عمل السونار قالي: "أنتِي حامل في خمس شهور!".... قولتله: "أكيد حضرتك غلطان، أنا متجوزة من شهرين بس!". قالي: "جهاز السونار لا يمكن يغلط في حجم وتكوين ونوع البيبي اللي واضح قدامي". كنت لوحدي، وقفت مصدومة وكأني في حلم بس اللي حصل بعد كدا كان الصدمة الاكبر.... أنا نهى، عندي 26 سنة، اتجوزت جوزي عن حب بقالنا شهرين. يوم دخلتنا مر زي أي يوم بيمر على كل العرسان، وعيلتي وعيلته اطمنوا إن عريسي عمل اللي كل العرسان بيفتخروا بيه في ليلتهم. عدت الأيام، وبعد شهرين عملت تيست حمل وظهر إني حامل. فرحت إني هكون أم، ومرضتش أقول لجوزي وقلت هعملها له مفاجأة لما أروح للدكتور وأتأكد أكتر؛ لأني مليش خبرة في الموضوع ده، وكنت ماشية على التعليمات اللي قرأتها على علبة التيست، فقلت لازم أروح أكشف وأتأكد. حجزت وروحت في ميعادي، دخلت العيادة والممرضة قالتلي إن لسه قدامي اتنين. قعدت وأنا مبسوطة وبتفرج على كل الحوامل وبقول في نفسي: "هو أنا شكلي هيكون كدا لما بطني تكبر؟". كنت عمالة أتخيل نفسي، وفرحانة وبتمنى الأيام تعدي بسرعة لحد ما سمعت صوت الممرضة بينده على اسمي. قومت ودخلت أوضة الكشف، وبدل ما كنت داخلة عشان أطمن إن الحمل حقيقي، لقيت الدكتور بيقولي وهو بيعمل السونار إن البيبي صحته كويسة وإن لازم آخد بالي من نفسي لأني في الشهر الخامس، وإني عديت الشهور الأولى وداخلة على الشهور الصعبة اللي ممنوع أعمل فيها مجهود.... انجي_الخطبب أنا اتصدمت وقولت للدكتور: "حامل في الشهر الخامس إزاي؟ ده أنا لسه متجوزة من شهرين، وعملت التيست امبارح وظهر إيجابي!". الدكتور بصلي وكأني مجنونة وقالي: "تيست إيه يا مدام؟ البيبي مكتمل ونوعه واضح، والمفروض يكون بيتحرك وأنتِ حاسة بالحركة بتاعته، حتى بصي على الشاشة". بصيت فعلاً على الشاشة، لقيت صورة بيبي بيتحرك، ليه إيدين ورجلين وملامح باينة. بقيت هتجنن.. هو الطفل ده في بطني أنا؟ هو السونار ده بجد ولا أنا بحلم؟ إزاي لسه عاملة تيست حمل وأطلع حامل في الشهر الخامس؟ طيب بطني إزاي مش كبيرة؟ كنت عايشة حالة غريبة وبتمنى اللي أنا فيه ده يطلع حلم، بس للأسف ده حقيقي وأنا شايفة بعيني. وفي وسط الذهول اللي أنا فيه من اللي بسمعه وشايفاه، الدكتور وهو بيكمل السونار بص باستغراب وقالي إن السونار فيه حاجة غريبة، وفضل يدقق في الشاشة شمال ويمين، وفجأة قالي... فجأة قالي الدكتور وهو مبرق وعينه مش نازلة من على الشاشة: "استني كده.. في حاجة مش طبيعية، النبض ده.. والجهاز مش قاري نبض واحد، دول نبضين! بس مش لتوأم.. ده فيه كيسين حمل فوق بعض! واحد لبيبي مكتمل في الشهر الخامس، والتاني كيس حمل لسه بيتكون في أول أسابيع، وده اللي خلى تيست الحمل المنزلي يلقط معاكي امبارح بس!". وقفت مصدومة، مش مستوعبة الكلام. كيسين حمل؟ شهر خامس وشهر أول؟ إزاي ده يحصل طبياً وعقلياً؟ الدكتور ساب جهاز السونار وقعد على مكتبه وهو بيفرك إيده بذهول وقالي: "يا مدام نهى، الحالة دي نادرة جداً في الطب وتكاد تكون مستحيلة، اسمها 'الحمل على الحمل'، يعني حصل إخصاب جديد فوق الحمل القديم.. بس المعضلة مش هنا، المعضلة إن البيبي الأولاني حجمه ونموه بيقولوا إنه بقاله خمس شهور في بطنك، يعني من قبل جوازك بثلاث شهور!". الدنيا لفت بيا، العيادة كلها كأنها بتدور، وحسيت بنغزة في قلبي خلتني مش قادرة أتنفس. قولتله بصوت مرعوش وبيترعش: "أنت بتقول إيه يا دكتور؟ أنا بنت بنوت لحد يوم دخلتي من شهرين، وأهلي وأهله شهدوا على ده! أنت كده بتطعن في شرفي!". الدكتور هدا صوته وقالي: "أنا بتكلم بلغة العلم والسونار اللي قدامي، أنا لا دخل لي بالبيوت. أنا واجبي أقولك الحقيقة الطبية عشان تصرفي نفسك.. البيبي ده لازم ينزل أو تشوفي هتعملي إيه، لأن استمرار الحملين مع بعض فيه خطورة على حياتك، وفيه لغز لازم يتحل". خرجت من العيادة والدموع مغرقة وشي، رجليا مش شايلاني. مشيت في الشوارع مش عارفة أروح فين. أروح لجوزي اللي بيحبني ومستنيني في البيت؟ هقوله إيه؟ أقوله أنا حامل في الشهر الخامس وأنا معاك من شهرين بس؟ طب أروح لأهلي؟ هيصدقوني إزاي والطب نفسه واقف ضدي؟ طول الطريق ودموعي نازلة، وبدأت أفتكر الأيام اللي سبقت جوازي.. أفتكرت الفترة اللي كنت بروح فيها بيت حماتي عشان نوضب الشقة، وأفتكرت يوم لما دخت هناك وحماتي سقتني عصير ودخلت نمت في الأوضة لوحدي ولما صحيت لقيت جوزي (اللي كان خطيبي وقتها) قاعد جمبي ومخضوض، ويومها قالي إن ضغطي وطي ونامت ومرديش يصحيي.. هل ممكن يكون حصل حاجة وأنا غايبة عن الوعي؟ ولا في سر تاني عيلته مخبياه عني؟ وصلت البيت، وفتحت الباب براحة وأنا بترعش. لقيت جوزي قاعد في الصالة، وأول ما شاف وشي المخطوف وعيني الحمرا من العياط، قام وقف بسرعة وجري عليا ومسك إيدي وقالي بخوف: "مالك يا نهى؟ فيكِ إيه؟ كنتِ فين كل ده وتلفونك مقفول ليه؟". بصيت في عينه وأنا شايفة فيهم حب وخوف حقيقي، الحب اللي خلاني أوافق أتجوزة وأتحدى الدنيا عشانه.. وفي نفس الوقت، كنت شايفة حبل المشنقة بيلف حوالين رقبتي. بلعت ريقي بصعوبة وكنت لسه هفتح بوقي وأتكلم، لقيت الباب بيخبط خبط قوي وورا بعضه كأن البيت بيقع. جوزي ساب إيدي وراح فتح الباب بذهول، ولقيت حماتي داخلة وشها أصفر وبتنهج، وبمجرد ما شافتني، بصتلي بنظرة رعب وقالت لجوزي بصوت عالي: "الحق يا ابني.. المصيبة اللي كنا خايفين منها حصلت.. سرنا اتكشف والطب الشرعي باعت ورقة!". وقع الكلم على وداني كأنه صاعقة نزلت من السما شقت الأرض نصين. "سرنا اتكشف والطب الشرعي باعت ورقة!".. الكلمة لفت في دماغي مية مرة. طب شرعي إيه؟ وسر إيه اللي بيتكلموا عنه؟ وجوزي ماله ومال الموضوع ده؟ بصيت لجوزي لقيت ملامحه اتقلبت في ثانية، الوش الحنين الخايف اللي كان باصصلي بيه اتمحى تماماً، وحل محله وش غريب أول مرة أشوفه.. وش مليان رعب وزهول وعينيه كانت بتتحرك بسرعة بيني وبين أمه. جوزي مسك أمه من دراعها وقالها بصوت واطي ومكتوم وهو بيلتفت يبصلي: "أقعدي يا أمي اتنفصي وفهميني بالراحة.. طب شرعي إيه وجواب إيه اللي جالك؟ إحنا مالنا ومال الكلام ده؟". حماتي قعدت على الكنبة وهي بتنهج، وطلعت من شنطتها ورقة مطبقة، إيدها كانت بترتعش لدرجة إن الورقة كانت بتعمل صوت. بصتلي وقالت بصوت مجروح ومليان غل وخوف في نفس الوقت: "مالنا إزاي يا ابني؟ القضية القديمة اتفتحت.. المحامي كلمني وقالي إن النيابة أمرت بإعادة تشريح جثة المرحوم أخوك 'أحمد'.. والتقرير طلع وفيه مصيبة هتحط حبل المشنقة حوالين رقبتنا كلنا!". في اللحظة دي، أنا كنت واقفة في نص الصالة زي الصنم، حاسة إن في خيوط كتير بتتربط حوالين رقبتي وأنا مش فاهمة منها حاجة. أحمد أخو جوزي مات من حوالي خمس شهور.. يعني قبل فرحنا بـثلاث شهور بالضبط! مات في حادثة عربية وهو راجع من السفر، وده اللي كان مأجل فرحنا لفترة، ولما اتجوزنا، اتجوزنا من غير مظاهر فرح احتراماً لذكراه. جوزي شد الورقة من إيد أمه وبدأ يقرأها، وعينيه كانت بتوسع مع كل سطر بيقرأه، لحد ما الورقة وقعت من إيده على الأرض. بص لأمه وقال بذهول: "أخويا مات مسموم؟ التقرير بيقول شبهة جنائية ومادة سامة في دمه؟ طيب وإحنا مالنا؟ إحنا إيه علاقتنا بـ ده؟". حماتي لوت بوزها وبصتلي بنظرة خلت جسمي كله يقشعر، وقالت بصوت فحيح زي التعبان: "علاقتنا واقفة قدامك أهيه يا ابني.. الهانم مرتك! المحامي قالي إن النيابة بتستدعي كل اللي كان لهم علاقة بأحمد في آخر أيام حياته، وأنت عارف إن الهانم كانت بتنزل شقتنا وتطبخ له وتهتم بأكله لما كنت أنت بتبقى في الشغل!". هنا أنا مقدرتش أسكت، صرخت فيهم وأنا بنهار: "أنتم بتقولوا إيه؟ أحمد الله يرحمه كان زي أخويا! أنا مسممتش حد ولا ليا دعوة بحاجة! وبعدين أنتم مخبيين عليا إيه؟ أنتم بتتكلموا في قضية قتل وأنا لسه راجعة من عند الدكتور بيقولي...".. سكتت فجأة، وبلعت باقي الكلمة في حنجرتي. تذكرت المصيبة اللي في بطني، تذكرت كلام الدكتور إن البيبي عمره خمس شهور.. يعني من نفس الفترة اللي مات فيها أحمد! جوزي لمح ملامحي اللي ا ت خطفت، وجري عليا ومسكني من كتافي وهزني بعنف وقال: "بيقولك إيه؟ أنطقي! كنتِ عند الدكتور بتعملي إيه؟ وأنتِ مالك وشك أصفر كدا ليه من أول ما دخلتِ؟". كنت بنهج، حاسة إن النفس بيموت جوة صدري. لو قولت الحقيقة، هبقى في نظرهم ونظر القانون متهمة بالخيانة، وكمان فوقها متهمة بالقتل! ولو سكت، الحمل هيكبر وبطني هتظهر والسر هيتعرف كدا كدا. حماتي وقفت وقربت مني، وعينها الضيقة كانت بتفحصني من فوق لتحت، وفجأة عينيها نزلت على بطني، وقالت بشك مخيف: "أنتِ كنتِ عند دكتور نسا يا نهى؟ مالك فيكِ إيه؟ سقطتِ؟ ولا في مصيبة تانية أنتِ مخبياها؟". جوزي ساب كتافي وبص لأمه، وبعدين بصلي وهو مستني إجابة. الدموع جفت في عيني وحل محلها رعب حقيقي. قولت بصوت متحشرج: "أنا.. أنا كنت تعبانة شوية، وروحت كشفت.. الدكتور قالي.. قالي إني حامل". جوزي وشه نور للحظة، الفرحة ظهرت في عينه وقال: "حامل؟ بجد يا نهى؟ طب وبتعيطي ليه يا هبلة؟ ده أحلى خبر في وسط النكد ده كله!". لكن حماتي مفر حتش، فضلت باصة لوشي اللي كان خالي من أي فرحة، وقالت ببرود قاتل: "حامل في قد إيه يا نهى؟". السؤال نزل عليا زي السكينة. بصيت في الأرض وكنت بترعش، وقولت بصوت مش مسموع: "في.. في الشهر.. الخامس". الكلمة قطعت النفس في الصالة. الصمت بقاله صوت مرعب، كأن الساعة وقفت. جوزي رجع خطوتين لورا، ملامح الفرحة اتمحت تماماً واتحولت لذهول ملوش آخر، وبدأ يحسبها في دماغه: "الشهر الخامس؟ إزاي؟ إحنا متجوزين من شهرين بس!". حماتي صقفت بإيدها وصوت ضحكتها الرنانة المليانة شماتة وهستيريا ملا المكان، وقالت: "الشهر الخامس! يا ألف نهار مبروك يا ابن ابني! عرفت بقى يا غافل لك الله؟ عرفت أخوك مات مسموم ليه؟ وعرفت الهانم كانت بتنزل تخدمه في غيابك ليه؟". جوزي بصلها وعينه بقت حمرا زي الدم، وفجأة دار وشه ليا وبصلي بنظرة عمري ما هنساها، نظرة ذبح قاطعة. قرب مني خطوة خطوة وهو بيقفل إيده بقوة لدرجة إن عروق دراعه ظهرت، وقال بصوت فحيح مرعب: "الكلام ده صح؟ السونار قال إنك في الخامس؟ يعني البيبي ده ابن أحمد؟". صرخت بأعلى صوتي والدموع نازلة شلالات: "والله العظيم ما حصل! أنا ملمستش حد ولا حد لمسني غيرك يوم دخلتنا! أنا كنت بنت بنوت وأنت عارف وشهدت لأهلك! الدكتور قالي إن في حاجة غلط.. قالي إن ده حمل على حمل!". حماتي زعقت: "بلا حمل على حمل بلا كلام فارغ! الطب بيقول إنك في الخامس، يعني من خمس شهور، يعني وأخوك عايش في البيت! أنتِ كنتِ بتخوني ابني مع أخوه، ولما خفتِ تتفضحي سممتيه عشان تموتي السر معاه!". جوزي مسمعش باقي كلام أمه، رفع إيده وبكل عزم فيه ضربني قلم نزلت بسببه على الأرض، دماغي خبطت في رجيل الترابيزة وبدأ الدم ينزل من جبهتي. مسكني من شعري ورفعني لفوق وهو بيزعق في وشي وعينه طالع منها شرار: "أنا سكتلك كتير، وكنت بقول طيبة وغلبانة! تقتلوا أخويا وتخونوني في شرفي؟! أنطقي.. مين اللي ساعدك؟ وأخويا مات إزاي؟". وأنا على الأرض، بدموعي ودمي، بصيت لحماتي لقيت في عينيها نظرة غريبة جداً.. مش نظرة وحدة بتنتقم لأبنها الميت، دي نظرة وحدة كان عندها سر وانزاح من عليها واترمى على كتف حد تاني! في اللحظة دي، افتكرت اليوم اللي دخت فيه في شقة حماتي قبل الجواز بثلاث شهور.. لما سقتني العصير ونمت.. واكتشفت فجأة إن في تفصيلة صغيرة حماتي نسيتها وهي بتتكلم. بصيت لجوزي وأنا ماسكة شعري في إيده وبصرخ من الألم، وقولتله: "أسمعني.. لو أنا اللي قتلت أحمد، ليه أمك جالها جواب الطب الشرعي على بيتها هي، والمحامي كلمها هي بالذات قبل ما يكلم أي حد فينا؟ وليه أمك كانت مجهزة شنطتها ودخلت علينا وهي بتقول 'المصيبة اللي كنا خايفين منها حصلت'؟ هي كانت خايفة من إيه من خمس شهور لو هي متفاجئة زينا؟". جوزي إيده ارخت من على شعري وبص لأمه ببطء، وملامحه بدأت تتغير تاني لما بدأ يربط الكلام ببعضه.. وحماتي أول ما سمعت كلمتي، وشها اتقلب ألوان، والشنطة وقعت من إيدها، وبصت للباب وكأنها عايزة تهرب.. وفجأة، الباب خبط تاني، بس المرة دي الخبط كان برجلين وصوت عالي وزعيق: "افتح يا قاسم.. معانا أمر من النيابة بضبط وإحضار نهى وقاسم وفايزة!".. وقع الكلم على وداني كأنه صاعقة نزلت من السما شقت الأرض نصين. "سرنا اتكشف والطب الشرعي باعت ورقة!".. الكلمة لفت في دماغي مية مرة. طب شرعي إيه؟ وسر إيه اللي بيتكلموا عنه؟ وجوزي ماله ومال الموضوع ده؟ بصيت لجوزي لقيت ملامحه اتقلبت في ثانية، الوش الحنين الخايف اللي كان باصصلي بيه اتمحى تماماً، وحل محله وش غريب أول مرة أشوفه.. وش مليان رعب وزهول وعينيه كانت بتتحرك بسرعة بيني وبين أمه. جوزي مسك أمه من دراعها وقالها بصوت واطي ومكتوم وهو بيلتفت يبصلي: "أقعدي يا أمي اتنفصي وفهميني بالراحة.. طب شرعي إيه وجواب إيه اللي جالك؟ إحنا مالنا ومال الكلام ده؟". حماتي قعدت على الكنبة وهي بتنهج، وطلعت من شنطتها ورقة مطبقة، إيدها كانت بترتعش لدرجة إن الورقة كانت بتعمل صوت. بصتلي وقالت بصوت مجروح ومليان غل وخوف في نفس الوقت: "مالنا إزاي يا ابني؟ القضية القديمة اتفتحت.. المحامي كلمني وقالي إن النيابة أمرت بإعادة تشريح جثة المرحوم أخوك 'أحمد'.. والتقرير طلع وفيه مصيبة هتحط حبل المشنقة حوالين رقبتنا كلنا!". في اللحظة دي، أنا كنت واقفة في نص الصالة زي الصنم، حاسة إن في خيوط كتير بتتربط حوالين رقبتي وأنا مش فاهمة منها حاجة. أحمد أخو جوزي مات من حوالي خمس شهور.. يعني قبل فرحنا بـثلاث شهور بالضبط! مات في حادثة عربية وهو راجع من السفر، وده اللي كان مأجل فرحنا لفترة، ولما اتجوزنا، اتجوزنا من غير مظاهر فرح احتراماً لذكراه. جوزي شد الورقة من إيد أمه وبدأ يقرأها، وعينيه كانت بتوسع مع كل سطر بيقرأه، لحد ما الورقة وقعت من إيده على الأرض. بص لأمه وقال بذهول: "أخويا مات مسموم؟ التقرير بيقول شبهة جنائية ومادة سامة في دمه؟ طيب وإحنا مالنا؟ إحنا إيه علاقتنا بـ ده؟". حماتي لوت بوزها وبصتلي بنظرة خلت جسمي كله يقشعر، وقالت بصوت فحيح زي التعبان: "علاقتنا واقفة قدامك أهيه يا ابني.. الهانم مرتك! المحامي قالي إن النيابة بتستدعي كل اللي كان لهم علاقة بأحمد في آخر أيام حياته، وأنت عارف إن الهانم كانت بتنزل شقتنا وتطبخ له وتهتم بأكله لما كنت أنت بتبقى في الشغل!". هنا أنا مقدرتش أسكت، صرخت فيهم وأنا بنهار: "أنتم بتقولوا إيه؟ أحمد الله يرحمه كان زي أخويا! أنا مسممتش حد ولا ليا دعوة بحاجة! وبعدين أنتم مخبيين عليا إيه؟ أنتم بتتكلموا في قضية قتل وأنا لسه راجعة من عند الدكتور بيقولي...".. سكتت فجأة، وبلعت باقي الكلمة في حنجرتي. تذكرت المصيبة اللي في بطني، تذكرت كلام الدكتور إن البيبي عمره خمس شهور.. يعني من نفس الفترة اللي مات فيها أحمد! جوزي لمح ملامحي اللي ا ت خطفت، وجري عليا ومسكني من كتافي وهزني بعنف وقال: "بيقولك إيه؟ أنطقي! كنتِ عند الدكتور بتعملي إيه؟ وأنتِ مالك وشك أصفر كدا ليه من أول ما دخلتِ؟". كنت بنهج، حاسة إن النفس بيموت جوة صدري. لو قولت الحقيقة، هبقى في نظرهم ونظر القانون متهمة بالخيانة، وكمان فوقها متهمة بالقتل! ولو سكت، الحمل هيكبر وبطني هتظهر والسر هيتعرف كدا كدا. حماتي وقفت وقربت مني، وعينها الضيقة كانت بتفحصني من فوق لتحت، وفجأة عينيها نزلت على بطني، وقالت بشك مخيف: "أنتِ كنتِ عند دكتور نسا يا نهى؟ مالك فيكِ إيه؟ سقطتِ؟ ولا في مصيبة تانية أنتِ مخبياها؟". جوزي ساب كتافي وبص لأمه، وبعدين بصلي وهو مستني إجابة. الدموع جفت في عيني وحل محلها رعب حقيقي. قولت بصوت متحشرج: "أنا.. أنا كنت تعبانة شوية، وروحت كشفت.. الدكتور قالي.. قالي إني حامل". جوزي وشه نور للحظة، الفرحة ظهرت في عينه وقال: "حامل؟ بجد يا نهى؟ طب وبتعيطي ليه يا هبلة؟ ده أحلى خبر في وسط النكد ده كله!". لكن حماتي مفر حتش، فضلت باصة لوشي اللي كان خالي من أي فرحة، وقالت ببرود قاتل: "حامل في قد إيه يا نهى؟". السؤال نزل عليا زي السكينة. بصيت في الأرض وكنت بترعش، وقولت بصوت مش مسموع: "في.. في الشهر.. الخامس". الكلمة قطعت النفس في الصالة. الصمت بقاله صوت مرعب، كأن الساعة وقفت. جوزي رجع خطوتين لورا، ملامح الفرحة اتمحت تماماً واتحولت لذهول ملوش آخر، وبدأ يحسبها في دماغه: "الشهر الخامس؟ إزاي؟ إحنا متجوزين من شهرين بس!". حماتي صقفت بإيدها وصوت ضحكتها الرنانة المليانة شماتة وهستيريا ملا المكان، وقالت: "الشهر الخامس! يا ألف نهار مبروك يا ابن ابني! عرفت بقى يا غافل لك الله؟ عرفت أخوك مات مسموم ليه؟ وعرفت الهانم كانت بتنزل تخدمه في غيابك ليه؟". جوزي بصلها وعينه بقت حمرا زي الدم، وفجأة دار وشه ليا وبصلي بنظرة عمري ما هنساها، نظرة ذبح قاطعة. قرب مني خطوة خطوة وهو بيقفل إيده بقوة لدرجة إن عروق دراعه ظهرت، وقال بصوت فحيح مرعب: "الكلام ده صح؟ السونار قال إنك في الخامس؟ يعني البيبي ده ابن أحمد؟". صرخت بأعلى صوتي والدموع نازلة شلالات: "والله العظيم ما حصل! أنا ملمستش حد ولا حد لمسني غيرك يوم دخلتنا! أنا كنت بنت بنوت وأنت عارف وشهدت لأهلك! الدكتور قالي إن في حاجة غلط.. قالي إن ده حمل على حمل!". حماتي زعقت: "بلا حمل على حمل بلا كلام فارغ! الطب بيقول إنك في الخامس، يعني من خمس شهور، يعني وأخوك عايش في البيت! أنتِ كنتِ بتخوني ابني مع أخوه، ولما خفتِ تتفضحي سممتيه عشان تموتي السر معاه!". جوزي مسمعش باقي كلام أمه، رفع إيده وبكل عزم فيه ضربني قلم نزلت بسببه على الأرض، دماغي خبطت في رجيل الترابيزة وبدأ الدم ينزل من جبهتي. مسكني من شعري ورفعني لفوق وهو بيزعق في وشي وعينه طالع منها شرار: "أنا سكتلك كتير، وكنت بقول طيبة وغلبانة! تقتلوا أخويا وتخونوني في شرفي؟! أنطقي.. مين اللي ساعدك؟ وأخويا مات إزاي؟". وأنا على الأرض، بدموعي ودمي، بصيت لحماتي لقيت في عينيها نظرة غريبة جداً.. مش نظرة وحدة بتنتقم لأبنها الميت، دي نظرة وحدة كان عندها سر وانزاح من عليها واترمى على كتف حد تاني! في اللحظة دي، افتكرت اليوم اللي دخت فيه في شقة حماتي قبل الجواز بثلاث شهور.. لما سقتني العصير ونمت.. واكتشفت فجأة إن في تفصيلة صغيرة حماتي نسيتها وهي بتتكلم. بصيت لجوزي وأنا ماسكة شعري في إيده وبصرخ من الألم، وقولتله: "أسمعني.. لو أنا اللي قتلت أحمد، ليه أمك جالها جواب الطب الشرعي على بيتها هي، والمحامي كلمها هي بالذات قبل ما يكلم أي حد فينا؟ وليه أمك كانت مجهزة شنطتها ودخلت علينا وهي بتقول 'المصيبة اللي كنا خايفين منها حصلت'؟ هي كانت خايفة من إيه من خمس شهور لو هي متفاجئة زينا؟". جوزي إيده ارخت من على شعري وبص لأمه ببطء، وملامحه بدأت تتغير تاني لما بدأ يربط الكلام ببعضه.. وحماتي أول ما سمعت كلمتي، وشها اتقلب ألوان، والشنطة وقعت من إيدها، وبصت للباب وكأنها عايزة تهرب.. وفجأة، الباب خبط تاني، بس المرة دي الخبط كان برجلين وصوت عالي وزعيق: "افتح يا قاسم.. معانا أمر من النيابة بضبط وإحضار نهى وقاسم وفايزة!"..تابعو صفحه رومانى مكرم تجمدت الدماء في عروقنا كلنا، الخبط على الباب كان بيهز الحوائط، وصوت عسكري الشرطة وهو بينده على أسامينا الثلاثة خلّى الرعب ينهش في قلوبنا. قاسم جوزي سابني ووقف مكانه كأنه مشلول، وبص لأمه اللي كانت بتترعش زي الفرخة المبلولة، وشها ابيض تماماً وضاع منه كل الجبروت والشماتة اللي كانت في عينيها من دقيقة واحدة. قاسم مشي بخطوات تقيلة وفتح الباب، ودخل ضابط ومعه اثنين أمناء شرطة. الضابط بص في صالة الشقة، وعينه جت عليا وأنا واقعة على الأرض وجبهتي بتنزف دم، وبص لحماتي "فايزة" ولجوزي "قاسم"، وقال ببرود وثقة: "أنتم لسه هترغوا وتتخانقوا؟ اتفضلوا معانا على القسم، النيابة طالباكم أنتم الثلاثة حالا في قضية قتل أحمد عبد الرحمن". حماتي جريت على الضابط وقالت وهي بتعيط بهستيريا وتتمسح في هدومه: "يا باشا أنا ماليش دعوة! أنا اللي بلغت المحامي يدور ورا الموضوع، الخاينة أهيه واقعة على الأرض! خانت ابني مع أخوه الميت وسممته عشان تداري فضيحتها! أنا بريئة يا باشا!". الضابط بص لها بقرف وقال: "الكلام ده تقوله قدام وكيل النيابة يا مدام فايزة، يلا قدامي من غير شوشرة". قاسم طلب من الضابط ثانية واحدة عشان يجيبلي طرحة وعباية أستر بيهم نفسي. لبستهم وأنا مش حاسة بجسمي، الدم كان نشف على جبهتي بس وجع قلبي وروحي كان مغطي على أي وجع تاني. نزلنا وسط نظرات الجيران اللي كانوا واقفين في البلكونات وعلى السلالم بيتفرجوا علينا ويتهامسوا.. "عروسة بقالها شهرين نازلة في الكلبشات!". ركبنا بوكس الشرطة، قاسم كان قاعد في ركن باصص للأرض ودموعه نازلة من غير صوت، وحماتي عمالة تستغفر وتدعي عليا بصوت واطي، وأنا في عالم تاني.. كنت حاطة إيدي على بطني وبفكر في الطفلين اللي جوايا.. الطفل اللي في الشهر الخامس، والجنين الصغير اللي لسه بيتكون في الشهر الأول.. يا ترى إيه ذنبهم في الكابوس ده؟ وصلنا القسم، ودخلنا على مكتب وكيل النيابة مباشرة، كان مكتب واسع ومليان ملفات، وقاعد وراه راجل ثلاثيني ملامحه حادة وجادة جداً. الضابط قدم له المحضر والورق، وكيل النيابة بص في الورق شوية وبعدين رفع عينه وبص لنا واحد واحد. بدأ التحقيق مع قاسم، وسأله عن علاقة أحمد بيا قبل الجواز وعن يوم وفاته. قاسم اتكلم بصوت مخنوق وقال: "يا فندم أنا كنت واثق في مراتي وواثق في أخويا، بس الهانم طلعت حامل في الشهر الخامس واحنا متجوزين من شهرين! السونار والطب بيقولوا إنها خانتني مع أخويا، وأكيد هي اللي حطت له السم عشان تخلص منه قبل ما يتفضحوا!". وكيل النيابة ملامحه متأثرتش بكلام قاسم، وبص في التقرير الطبي اللي على مكتبه وقال له: "تقرير الطب الشرعي للجثة بيقول إن أحمد اتوفى نتيجة جرعة مركزة من مادة 'الزرنيخ' اتعطت له في عصير أو أكل قبل وفاته بست ساعات.. وفي نفس اليوم ده، أحمد مخرجش من البيت، ومكنش فيه في البيت غير والدتك.. وخطيبته اللي هي زوجتك الحالية 'نهى'". التفت وكيل النيابة لحماتي فايزة وقال لها: "أنتِ في أقوالك الأولى من خمس شهور قلتي إن أحمد مات موتة ربنا بعد ما رجع من السفر وتعب فجأة.. ليه غيرتي أقوالك دلوقتي وطلبتي إعادة التشريح عن طريق المحامي بتاعك؟". حماتي بدأت تعرق وتتلعجلج في الكلام وقالت: "يا باشا.. أنا.. أنا شكيت لما لقيت نهى بطنها مش طبيعية، وقلت يمكن تكون عاملة عملة مع ابني أحمد قبل ما يموت، ولما المحامي قالي إن في شكوك، قلت لازم أظهر الحقيقة عشان أحمي شرف ابني قاسم!". هنا وكيل النيابة ابتسم ابتسامة ساخرة ومرعبة، وطلع ورقة تانية من ملف تاني خالص وقال: "بس التحريات اللي جاتلي من مباحث الأموال العامة بتقول كلام تاني خالص يا مدام فايزة.. بتقول إن أحمد الله يرحمه قبل وفاته بأسبوع، سحب كل رصيده من البنك اللي كان شقا عمره في السفر، وكانوا حوالي ٢ مليون جنيه، والفلوس دي اختفت تماماً بعد وفاته.. ودلوقتي، من يومين بالظبط، اتفتح حساب جديد باسمك في بنك تاني ومحطوط فيه نفس المبلغ! تقدري تقوليلي الفلوس دي جاتلك منين؟". قاسم رفع راسه فجأة وبص لأمه بصدمة وزهول، وقال: "أمي؟ فلوس أحمد؟ أنتِ كنتِ بتقولي إن أحمد مات ومعندوش مليم في البنك وإنه صرفهم على تجهيز شقتي!". حماتي لسانها عجز، وشها بقى زي الجثة، وبدأت تفرك في إيدها ودموع الخوف نزلت من عينيها. في اللحظة دي، وكيل النيابة بصلي أنا وقال: "أنتِ بقى يا مدام نهى.. تقرير دكتور النسا اللي كشفتي عنده النهاردة جالي منه نسخة بناءً على طلب المستشفى لما عرفوا إن في قضية.. التقرير بيقول إنك حامل في الشهر الخامس من حالة نادرة اسمها 'الحمل على الحمل'.. بس التقرير فيه تفصيلة طبية تانية.. بيقول إن غشاء البكارة عندك كان سليم وتم فضه من شهرين بس يوم دخلتك على قاسم.. وده معناه طبيعياً إن الحمل الأول اللي في الشهر الخامس حصل بدون 'إيلاج كامل'.. يعني حصل نتيجة اعتداء أو حاجة تانية وأنتِ غايبة عن الوعي!". كلام وكيل النيابة فتح في دماغي طاقة نور.. صرخت ودموعي نازلة: "العصير! العصير يا فندم!". وكيل النيابة انتبه ليا وقال: "عصير إيه؟ أنطقي يا نهى". قولت وأنا بترعش وبشاور على حماتي: "من خمس شهور، قبل فرحنا بثلاث شهور، نزلت شقة حماتي عشان أنظفها وأرتب مع أحمد الله يرحمه.. يومها حماتي سقتني عصير مانجا، وبمجرد ما شربته حسيت بدوخة غريبة ومقدرتش أقاوم ونمت في أوضة النوم.. ولما صحيت بعد كام ساعة، لقيت نفسي دايخة وجسمي مهدود، وحماتي وقاسم كانوا جمبي وقالولي إن ضغطي وطي.. يومها أحمد مكنش في الشقة، بس لما صحيت شوفت قميص لأحمد مرمي على الأرض في الصالة!". بصيت لحماتي وصرخت فيها: "أنتِ عملتي فيا إيه؟ أنتِ شربتيني إيه يومها؟ وأحمد عمل فيا إيه وأنا نايمة مش حاسة بالدنيا؟". وكيل النيابة ضرب المكتب بإيده وقال بصوت جهوري: "أنا هقولكم السيناريو اللي التحريات والطب الشرعي أثبتوه.. أحمد رجع من السفر ومعاه الفلوس، ورفض يديهم لأمه فايزة عشان يشتري بيهم أرض باسمه.. الأم قررت تخلص منه، وفي نفس الوقت كانت عايزة تذله وتكسر مناخيره.. فاستغلت وجود خطيبة أخوه 'نهى' في البيت، حطت لنهى مخدر في العصير، وسابت أحمد يدخل الأوضة عليها.. وأحمد استغل غياب نهى عن الوعي واعتدى عليها بدون فض كامل للبكارة.. وبعد ما أحمد عمل عملته وصورها عشان يذل أخوه، الأم حطت لأحمد الزرنيخ في أكله عشان تموته وتاخد الفلوس وتلبس الجريمة لنهى لما الحمل يظهر!". قاسم وقف على حيله وصوته رج الشقة كلها وهو بيبص لأمه: "أنتِ؟ أنتِ تعملي كده؟ تبيعي شرفي وتقتلي أخويا عشان الفلوس؟". حماتي فجأة وقعت على ركبها وهي بتصرخ وتلطم على وشها وتصيح بهستيريا: "مكانش قصدي أموته! أنا كنت عايزة الفلوس بس! هو اللي كان بخيل وعايز يحجمني! والبت دي كانت هي الضحية اللي هغطي بيها على كل حاجة!". وكيل النيابة بص لحماتي وقال ببرود: "أمرنا بحبس المتهمة فايزة عبد الرحمن 4 أيام على ذمة التحقيق بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد.. وحبس المتهمة نهى..." قبل ما يكمل كلمته، حسيت بنغزة ووجع رهيب في بطني، وصرخت صرخة مكتومة، ولقيت دم مغرق رجليا، والدنيا اسودت في عيني ووقعت من طول الصدمة والخوف على عيالي.. فتحت عيني ببطء، لقيت نفسي في أوضة بيضا، ريحة البنج والمطهرات مالي المكان، وفي إيدي خراطيم ومحاليل متعلقة. حاولت أتحرك بس حسيت بوجع رهيب في أسفل بطني كأن في سكاكين بتقطع فيا. صرخت بصوت ضعيف ومكتوم: "ابني.. ولادي فين؟". الباب اتفتح بسرعة ودخل قاسم، وشه كان دبلان وعينيه منفوخة من كتر العياط، وجري عليا مسك إيدي وبدأ يبوسها وهو بيعيط بحرقة ويقول: "سامحيني يا نهى.. أنا ظلمتك، أنا كنت هضيعك بأيدي.. سامحيني يا حبيبتي". بصيت له ودموعي نزلت، ومسكت في قميصه بقوة وقولتله: "ولادي يا قاسم.. الجنينين حصلهم إيه؟ النزيف اللي كان نازل مني ده إيه؟". قاسم بلع ريقه وبص في الأرض، وفي اللحظة دي دخل الدكتور اللي كان متابع حالتي في المستشفى، وقال بنبرة هادية بس مليانة أسى: "الحمد لله على سلامتك يا مدام نهى.. الوجع والنزيف اللي حصلوا لك كانوا نتيجة صدمة عصبية شديدة أدت لإجهاض كيس الحمل الصغير اللي كان في الشهر الأول.. الجنين ده مكنش ليه نصيب يعيش وسط الضغط ده كله ونزل.. لكن الحمد لله، قدرنا ننقذ الجنين الأولاني اللي في الشهر الخامس، النبض بتاعه استقر وحالته ثبتت، بس لازم تفضلي تحت الملاحظة وممنوع الحركة تماماً". غمضت عيني وأنا حاسة بكسرة قلب؛ خسرت طفل كان ممكن يكون ابن قاسم وحبنا، وفضل في بطني طفل تاني شايل ذنب جريمة ووجع ملوش آخر.. طفل جه للدنيا نتيجة غدر من أخ وخسة من جدة. بصيت لقاسم وقولتله بصوت مخنوق: "أنت لسه هنا ليه؟ مش أنا في نظركم خاينة؟ مش أمك قالت إني..." قاسم حط إيده على بوقي وهو بيبكي: "أرجوكِ متكمليش.. أمي اعترفت بكل حاجة في النيابة يا نهى. الست اللي كنت فاكرها أمي وبتحميني، طلعت شيطانة.. اعترفت إنها هي اللي خططت لكل حاجة؛ حطتلك المخدر وسابت أحمد يدخل عليكِ عشان تثبت عليه جناية وتكسر عينه وتخليه تحت طوعها، ولما رفض يديها الفلوس برضه، سممته بالزرنيخ ولما مات خافت الجريمة تتكشف، فاستنت لحد ما بطنك تبدأ تظهر وتلبسك القضيتين مع بعض.. الخيانة والقتل! النيابة أفرجت عنك بضمان محل إقامتك وطلعتِ بريئة تماماً من قضايا القتل والخيانة". سكت شوية وعينيه مليانة انكسار وكمل: "أنا طلبت من المحامي يرفع قضية إنكار نسب للطفل اللي في بطنك.. أنا عارف إنك مالكيش ذنب وإنك ضحية، بس أنا مش هقدر أبص في وش الطفل ده وأفتكر أخويا اللي خانني وأمي اللي دمرت حياتنا.. أنا بحبك يا نهى، ومستعد أعيش معاكِ لآخر العمر، بس لازم نتخلص من الذكرى دي". كلام قاسم نزل عليا زي الصدمة الجديدة.. إنكار نسب؟ يعني ابني اللي ملوش أي ذنب في الدنيا هيتولد من غير اسم؟ هيعيش منبوذ كأنه ابن حرام وهو ابن ضحية اتغدر بيها وهي غايبة عن الوعي؟ بصيت لقاسم بقوة، والضعف اللي كان فيا اتمحى وحل محله غضب أم عايزة تحمي ابنها، وقولتله: "تتخلص من الذكرى دي؟ يعني عايزني أنزل ابني اللي في الشهر الخامس؟ ولا عايزني أولده وأرميه في ملجأ؟ ده ابن أخوك يا قاسم! ودمه من دمك! والطب الشرعي أثبت إني كنت مغيبة، يعني أنا ضحية وأنت كمان ضحية، والطفل ده هو الضحية الأكبر!". قاسم وقف وبدأ يتحرك في الأوضة بعصبية: "أفهميني يا نهى! أنا راجل، والناس مش هترحمني.. لما الولد يكبر ويطلع شبه أحمد، والكل يسأل إزاي اتولد بعد فرحنا بسبع شهور وحجمه كامل؟ هقولهم إيه؟ هقولهم أمي خدرت مراتي وأخويا اعتدى عليها؟ فضيحتنا هتبقى على كل لسان!". قبل ما أرد عليه، الباب خبط ودخل ضابط المباحث اللي كان ماسك القضية، ومعاه المحامي بتاعي. الضابط بص لقاسم وقال بلهجة حازمة: "استاذ قاسم.. المحضر اتقفل على إدانة والدتك فايزة، وجلسة محاكمتها اتحددت الأسبوع الجاي.. بس في حاجة جديدة ظهرت في التحقيقات تخص المرحوم أحمد ووالدتك، ولازم زوجتك تعرفها". المحامي طلع تليفون وحط عليه فلاشة، وقال: "يا مدام نهى.. النيابة وهي بتفتش شقة حماتك، لقت تليفون أحمد القديم مخفي جوة برواز صورة، ولما فتحناه لقينا عليه فيديو أحمد كان مصوره لنفسه قبل ما يموت بيوم واحد.. الفيديو ده بيقلب الموازين كلها!". قلبي بدأ يدق بسرعة، وبصيت للمحامي وقولتله: "فيديو إيه؟ أحمد قال إيه؟". المحامي شغل الفيديو، وظهر صوت أحمد وهو تعبان وبيكح وبيتكلم بصعوبة وكأنه حاسس بموته، وقال في الفيديو: "أنا عارف إن أمي بتسممني.. بقالي يومين بحس بنار في بطني بعد كل أكل بتهولي، وأنا شوفت علبة الزرنيخ في اوضتها.. أنا بستاهل اللي بيحصلّي ده عشان أنا آذيت قاسم أخويا في خطيبته نهى.. بس أنا والله العظيم ما لمست نهى! أمي هي اللي خدرتها وجمعتني معاها في الأوضة ولما رفضت ألمسها، أمي هددتني إنها هتبلغ قاسم إني حاولت اعتدي عليها لو مديتهاش الفلوس.. أنا صورت فيديو لنهى وهي نايمة بهدومها كاملة عشان أثبت إن مفيش حاجة حصلت، والفيديو ده مشفر على تليفوني التاني اللي أمي متقدارش توصله.. نهى شريفة ومفيش راجل لمسها، والطفل اللي في بطنها ده..." فجأة الفيديو قطع، والشاشة اسودت لأن أحمد في الفيديو تعب ومقدرش يكمل كلامه.. أنا وقفت في السرير بذهول، الدموع نازلة من عيني بس المرة دي دموع صدمة من نوع آخر. أحمد بيقول إنه ملمسنيش! وإن الفيديو اللي صوروه كنت فيه بهدومي كاملة! طيب لو أحمد ملمسنيش.. الطفل اللي في بطني ده، اللي في الشهر الخامس ومكتمل النمو ونبضه واضح... ابن مين؟! وإزاي السونار مطلع حجمه وتكوينه في الشهر الخامس وأنا وقاسم متجوزين من شهرين بس والطب الشرعي أثبت إني كنت بنت بنوت لحد يوم دخلتي؟! بصيت للدكتور اللي كان واقف ومبرق عينه بذهول، وقولتله بصراخ وهستيريا: "لو أحمد ملمسنيش، وأنا كنت بنت لحد من شهرين.. الطفل ده جه إزاي؟ السونار ده كدب؟ الجهاز فيه إيه؟ أنطق يا دكتور!". الدكتور قرب من السرير وهو بيترعش، وطلع الأشعة القديمة والجديدة وبدأ يبص فيهم، ووشه اتقلب تماماً وقال بصوت مرعوب: "مش ممكن.. إزاي ده فات علينا؟!". الدكتور كان واقف والورق بيترعش في إيده، عينيه كانت بتتحرك بسرعة بين صور السونار القديمة والجديدة، والملامح اللي على وشه كانت ملامح راجل شاف معجزة أو كارثة مش قادر يستوعبها. قاسم قرب منه بسرعة ومسكه من بالطو الدكتورة وزعق فيه: "في إيه يا دكتور؟ أنطق! إزاي فات عليكم إيه؟ إيه اللي في الأشعة ده؟". الدكتور بلع ريقه وصوته طلع متحشرج وهو بيبصلي: "يا مدام نهى.. إحنا لما عملنا السونار أول مرة، وبسبب الضغط النفسي والمشاحنات اللي حصلت في العيادة، أنا قريت اللي على الشاشة بناءً على المقاييس الطبية المعتادة لحجم الجنين وتكوينه.. والكمبيوتر بتاع الجهاز طلع عمر الجنين بناءً على طول العضم وحجم الجمجمة، وبما إن المقاييس دي مطابقة للي بنشوفه في الشهر الخامس، أنا جزمت بـ ده!". سكت الدكتور شوية وهو بياخد نفسه وصوت ضربات قلبه كان مسموع، وكمل: "لكن لما رجعت أدقق في تفاصيل التكوين دلوقتي بعد ما النزيف وقف.. واكتشفنا إن في جنين نزل وجنين لسه ثابت.. اكتشفت إن الجنين اللي فاضل في بطنك مش في الشهر الخامس! الجنين ده عمره شهرين بالظبط.. يعني ابنك أنت وقاسم، وجوه في ميعاده الطبيعي من يوم دخلتكم!". أنا وقفت في السرير وكأني رجعتلي الروح، الدموع نزلت من عيني بس المرة دي كانت دموع فرحة وذهول: "ابن قاسم؟ في الشهر التاني؟ طب إزاي يا دكتور الجهاز طلع حجمه في الخامس؟ إزاي عضم وجمجمة طفل في الخامس يكونوا في بطن واحدة متجوزة من شهرين؟!". الدكتور قعد على الكرسي وهو بيمسح عرق من على جبهته وقال: "دي حالة طبية نادرة جداً ومسجلة في المراجع العالمية باسم 'النمو الجنيني المتسارع الناتج عن طفرة جينية'، أو الأغرب من كده.. إن الجنين ده مصاب بمتلازمة بتخليه ينمو داخل الرحم بمعدل أسرع بمرتين أو ثلاثة من المعدل الطبيعي! يعني الطفل ده عمره الزمني شهرين، بس عمره البيولوجي وتكوينه الجسدي سابق سنه بـثلاث شهور! عشان كده السونار قراه على إنه في الشهر الخامس!". قاسم ساب بالطو الدكتور ووقع على ركبه جمب السرير، مسك إيديه والدموع مغرقة وشه وبدأ يصرخ من الفرحة والندم: "ابني.. يعني ده ابني أنا يا نهى؟ شرفك نضيف وأنا اللي شكيت فيكِ؟ أنا أسف.. أنا غبي.. سامحيني يا حبيبتي، سامحيني!". أنا كنت لسه مش مصدقة، حطيت إيدي على بطني وبقيت أعيط.. الجنين اللي كنت مفكراه وصمة عار ونتيجة غدر، طلع حتة مني ومن الراجل اللي حبيته.. طلع طفل طبيعي بس نموه سريع! في وسط الفرحة دي والدموع، ضابط المباحث اللي كان واقف ومتابع الموقف ببرود اتنحنح وقرب من الدكتور وقال بنبرة جادة ومريبة: "كلامك ده يا دكتور يحل لغز الحمل وشرف المدام.. بس ده بيفتح مصيبة تانية في قضية القتل!". كلنا التفتنا للضابط بذهول، وقاسم وقف وهو مستغرب: "مصيبة إيه يا فندم؟ ما خلاص.. أحمد ملمسش نهى وأمي هي اللي سممته عشان الفلوس، والولد ابني!". الضابط طلع أجندة صغيرة من جيبه وقال: "استاذ قاسم.. المحامي بتاعكم قال إن تليفون أحمد كان عليه فيديو مشفر أثبت فيه إن نهى شريفة، تمام؟ وأحمد مات مسموم بالزرنيخ، تمام؟.. بس إحنا لما فحصنا تليفون أحمد التاني والرسائل اللي فيه، لقينا رسالة مبعوتة من أحمد لوالدتك 'فايزة' قبل وفاته بساعتين بالظبط.. الرسالة دي بتقول: (أنا عرفت إنك بتسمميني يا أمي، وعشان أحرق قلبك على الفلوس اللي قتلتي عشانها، أنا دفنت الـ ٢ مليون جنيه في مكان مفيش مخلوق يعرفه غير واحد بس.. والواحد ده هو اللي هيستلم الفلوس لو أنا جرا لي حاجة!)". الضابط بص لحماتي فايزة اللي كانت قاعدة في ركن الأوضة مع أمين الشرطة ووشها بقى زي التراب بعد ما سمعت الرسالة، وبعدين الضابط دار وشه وبصلي أنا! وقال بصوت حاد: "التحريات بتقول إن أحمد قبل ما يموت بكام ساعة، زار نهى في بيت أهلها بحجة إنه بيسلم عليها قبل ما يسافر.. يعني الشخص الوحيد اللي أحمد قعد معاه لوحده قبل ما يموت هو أنتِ يا مدام نهى! أحمد قالك الفلوس فين؟". أنا اتصدمت وقولت: "والله العظيم ما قالي حاجة! هو فعلاً جالي البيت بس قعد خمس دقائق وأعطاني مصحف صغير قالي خليه معاكِ عشان يباركلك في جوازك.. ومقاليش أي سيرة عن فلوس!". المحامي بتاعي صرخ فجأة: "المصحف! المصحف يا نهى!". في اللحظة دي، حماتي "فايزة" لما سمعت سيرة المصحف، اتقلب حالها تماماً.. الجبروت رجع لعينيها في ثانية، وزقت أمين الشرطة وقامت جريت عليا وهي بتصرخ زي المجنونة وضوافرها موجهة لوشي: "المصحف فييييين؟ الفلوس فييييين؟ مش هسيبكم تاخدوا شقا ابني! الفلوس دي بتاعتي أنا!". أمين الشرطة والضابط جريوا عليها ومسكوها بالعافية وهي بتصرخ وتلطم وتتف بلعابها في كل مكان وكأن الشياطين ركبتها.. وفجأة، وهي بتتخانق مع العساكر، وقعت من جيب عبايتها ورقة صغيرة مطبقة ومكتوب عليها بخط إيد أحمد! الضابط وطى بسرعة ورفع الورقة وفتحها، وأول ما قرا اللي فيها، وشه اتخطف وبص لقاسم وقالي بصوت مليان رعب: "الحقوا.. المصيبة مش في الفلوس.. أحمد كاتب في الورقة دي سر تاني خالص عن عيلتكم.. سر لو اتعرف، الجنين اللي في بطنك ده يا نهى مش هينفع يتولد!". الضابط كان واقف في مكانة، عينيه مبرقة والورقة بتتفلت من بين صوابعه من كتر الصدمة. الأوضة كلها اتقلبت لسرادق من الصمت، مفيش غير صوت أنفاس حماتي "فايزة" وهي بتنهج زي ذئب جريح ومربوط في الكلبشات، وعينيها بتطق شرار وجنون وهي بتبص للورقة. قاسم خطى خطوة واسعة ناحية الضابط، ملامح الفرحة اللي كانت على وشه من دقيقتين اتبخرت، وحل محلها رعب حقيقي: "سر إيه يا فندم؟ كاتب إيه أحمد؟ أنطق أرجوك، إحنا مبقاش فينا حيل لصدمات تانية!". الضابط بلع ريقه وصوته طلع واطي، بس كان حاد زي الموس: "أحمد كاتب.. (يا أمي، لو فاكرة إنك هتكوشي على كل حاجة بعد ما تموتيني وتبيدي عيالي، تبقي غبية.. الفلوس دي مش شقايا، دي فلوس قاسم.. فلوس قاسم اللي أنتِ وهمتيه طول عمره إنه ملوش ورث من أبوه، وفهمتيه إن أبويا ساب كل حاجة ليا أنا عشان أنا الكبير.. قاسم مش أخويا من أبويا يا فايزة!)". الكلمة نزلت في الأوضة زي القنبلة. قاسم رجع لورا خطوتين وكأنه اتضرب برصاصة في صدره، وبص لأمه بذهول قاتل: "أنا مش أخوه؟ يعني إيه؟ يعني إنتِ مش أمي؟ ولا أنا مش ابن أبويا؟". هنا فايزة ضحكت ضحكة هستيرية، ضحكة مرعبة هزت حيطان الأوضة، وقالت وهي بتفلّت سنانها: "لأ يا حبيبي.. أنا أمك، وأبوك هو اللي مات.. بس أحمد مش ابن الراجل اللي ربّاك! أحمد يبقى ابن..." وبترت كلامها لما الضابط صرخ فيها: "اسكتي خالص!". الضابط بص لقاسم ونهى وعينيه مليانة أسى وقال: "الورقة فيها كلام أخطر يا قاسم.. أحمد كاتب إن فايزة كانت متجوزة من عمك 'عمران' في السر قبل ما تتجوز أبوك، وأحمد اتولد في أول شهور جوازها من أبوك وكتبته باسمه عشان تداري الفضيحة.. يعني أحمد وقاسم أخوات من الأم.. بس أحمد ابن عمك عمران!". نهى حطت إيدها على بوقها وهي مش قادرة تستوعب، لكن الصدمة الأكبر كانت في السطور الأخيرة اللي الضابط قراها بصوت بيترعش: "(والأهم من ده يا فايزة.. إن قاسم مش ابن أبويا برضه! قاسم يبقى ابن الراجل اللي أنتِ اتجوزتيه عرفي بعد وفاة أبويا.. 'صلاح المنشاوي'.. صلاح المنشاوي اللي يبقى... أبو نهى!)". الأوضة لفت بـ نهى، والدنيا اسودت في عينيها. صرخة مكتومة طلعت من حنجرتها وهي بتبص لقاسم اللي ملامحه اتجمدت تماماً وكأنه اتحول لتمثال من تلج. المحامي صرخ بذهول: "يا نهار أسود! يعني قاسم ونهى.. إخوات من الأب؟!". الدكتور أخد خطوة لورا وهو بيبص للأشعة اللي في إيده وركبه بتخبط في بعضها: "مش ممكن.. لو الكلام ده صح.. يبقى الجنين اللي في بطن مدام نهى مش طفرة جينية عادية! التشوه والنمو المتسارع ده نتيجة.. زواج محارم!". فايزة بدأت تضحك وتصرخ بجنون: "شربتوا من نفس الكاس! ضيعتوا ابني أحمد وعايزين تاخدوا فلوسه؟ أهو ابنكم هيتولد مسخ.. مسخ ملوش ملامح ويموت في أول يوم! انتقام ربنا جه يا قاسم.. يا ابن صلاح المنشاوي!". قاسم مبقاش سامع حاجة، وبص لنهى بنظرة مكسورة، نظرة وداع وخوف وضياع، وفجأة وقع على الأرض مغمى عليه، والدموع لسه منشفتش من على خدوده. وفي نفس اللحظة، نهى حست بوجع شديد تاني في بطنها، وجع أقوى من الأول بكتير، والنزيف بدأ يرجع تاني بغزارة.. والدكتور صرخ: "بسرعة.. جهزوا أوضة العمليات.. المريضة بتنزف والجنين في خطر!". السرير كان بيتحرك بسرعة جنونية في طرقة المستشفى، الممرضات بيجروا وحواليهم دكاترة التخدير، وصوت كعب السرير وهو بيخبط في الحيطان كان بيعمل صدى مرعب في ودن نهى. هي مش سامعة غير صوت ضربات قلبها، والرؤية بدأت تشوش قدامها.. صورت قاسم وهو واقع على الأرض، وصوت الكلمة البشعة "إخوات" كان بيلف في عقلها زي الإعصار. دخلوا بيها أوضة العمليات، الإضاءة البيضاء الشديدة عمت عينيها، ودكتور التخدير قرب منها وهو بيقول بنبرة سريعة: "خدي نفس عميق يا مدام نهى.. اهدئي خالص". نهى مسكت في بالطو الدكتور وهي بتعيط بهستيريا وتصرخ: "ابني يا دكتور.. نزلوا ابني.. أنا مش عايزة مسخ.. مش عايزة ابن حرام!" الدكتور بص للممرضة بنظرة قلق وقال: "المريضة دخلت في صدمة عصبية حادة، المؤشرات الحيوية بتقع، نيميها بسرعة!" في نفس الوقت برة الأوضة، قاسم بدأ يفوق في أوضة تانية، لقى المحامي وضابط المباحث واقفين فوق رأسه. قاسم قعد على السرير بذهول، حط إيديه على رأسه وبدأ يصرخ بصوت شرخ جدران المستشفى: "لأ.. لأ يا رب! أنا ونهى؟ نهى اللي حبيتها وصنتها تطلع أختي؟ طب إزاي؟ عم صلاح المنشاوي أبوها؟ أنا مش فاهم حاجة.. أمي دي إيه؟ شيطان؟!". الضابط قرب منه وحط إيده على كتفه بهدوء حذر: "استاذ قاسم.. اهدى عشان نعرف نتصرف.. الكلام اللي في الورقة ده اعتراف من أحمد، بس إحنا لازم نتأكد. أنا كلمت النيابة فوراً، وفي قوة اتقطعت دلوقتي ورايحة على بيت صلاح المنشاوي أبو نهى عشان يجي يمثل للتحقيق.. وفي حاجة تانية لازم تعرفها". قاسم بص له بعينين حمرا من كتر الدموع: "حاجة إيه تاني؟ هو لسه في مصايب؟". الضابط طلع الفلاشة اللي كان المحامي مشغلها من شوية، وقال: "أحمد قال في الفيديو إنه مشفر ملفات تانية على تليفونه، وبما إننا لقينا الورقة، فالمحامي الفني بتاعنا قدر يفك تشفير باقي الفيديو اللي قطع.. أحمد مكنش تعبان بس في الفيديو.. أحمد كمل كلام، والنيابة لسه بعتالي تفريغ الجزء الأخير من دقيقة واحدة". قاسم اتنفض من على السرير: "قال إيه؟ أنطق يا فندم!". الضابط قرا من الشاشة: "(يا قاسم.. لو الورقة دي وقعت في إيدك وعرفت سر أمي.. ف لازم تعرف إن أمي كدابة.. هي فهمتني إنك ابن صلاح المنشاوي عشان تخليني أكرهك وأوافق أأذيك في نهى.. بس أنا قبل ما أموت، دخلت أوضتها وسرقت ورق الجواز العرفي القديم بتاعها.. أمي مكانتش متجوزة صلاح المنشاوي.. أمي كانت متجوزة واحد تاني خالص اسمه صلاح برضه، بس صلاح...)" وفجأة، الباب اتقفل بعنف ودخل الدكتور اللي كان بيشرف على عملية نهى، وشه كان أصفر زي الليمونة، وهدومه عليها آثار دم.. بص لقاسم وقال بصوت بيترعش: "استاذ قاسم.. إحنا وقفنا النزيف بالعافية.. بس الجنين... الجنين لازم تشوفه بنفسك في كبسولة الملاحظة.. دي مش طفرة، ودي مش حالة طبيعية.. إحنا سحبنا عينة DNA فوراً عشان نحدد الهوية الجينية للطفل ده، لأن الملامح اللي بدأت تظهر عليه في السونار الرباعي دلوقتي... مش ملامح بشرية طبيعية!". قاسم وقف مكانه مذهول، والضابط تليفونه رن في نفس اللحظة.. رد الضابط، ووشه اتخطف وهو بيسمع العسكري على الخط التاني بيقول: "يا فندم.. وصلنا بيت صلاح المنشاوي أبو المدام نهى.. لقيناه مشنوق في صالة بيته، وجنبه رسالة مكتوبة بدمه!". الضابط وقف متسمر في مكانه، التليفون كان هيقع من إيده، وعينيه بتتحرك في الأوضة برعب حقيقي وكأنه بيحاول يربط الخيوط اللي بتتقطع كل ثانية. قاسم صرخ فيه وهو بيمسكه من كتافه: "الرسالة مكتوب فيها إيه؟ أنطق يا فندم! عم صلاح مات مشنوق؟!" الضابط بلع ريقه وبص لقاسم بنظرة كلها غموض وقال: "العسكري بيقول إن الرسالة كلمة واحدة بس ومكتوبة بالدم على الحيطة.. مكتوب: (اللعنة حلت بالكل.. والسر في المصحف)". المحامي ضرب كف على كف وبص لقاسم: "المصحف! المصحف الصغير اللي أحمد سابه لنهى قبل ما يموت وقالها يباركلك في جوازك! المصحف ده مع مين دلوقتي؟". قاسم افتكر فجأة وقال بصوت بيترعش: "شنطة نهى.. شنطة نهى اللي كانت معاها لما النزيف جيلها.. الشنطة في الأمانات برة!". الضابط صرخ في أمين الشرطة: "هات الشنطة دي فوراً!". في ثواني كانت الشنطة قدامهم، قاسم فتح السوستة بإيدين بترتعش، وقلب محتوياتها لحد ما طلع مصحف صغير جداً بغلاف قطيفة أخضر.. مسكه وبدأ يقلب في صفحاته بلهفة وجنون، لحد ما وصل للصفحة الأخيرة.. لقى ورقة مطوية بعناية ومخفية ورا الجلد المبطن للمصحف. قاسم شد الورقة وفتحها.. كانت شهادة ميلاد قديمة جداً، ومكتوب فيها اسم الأب: "صلاح عبد الرحمن المنشاوي".. واسم الأم: "فايزة السيد الديب"! قاسم صرخ: "يعني إيه؟ يعني أمي كانت متجوزة أبو نهى فعلاً؟ يعني الكلام اللي في الفيديو كان غلط والورقة دي بتثبت الفضيحة؟!". لكن المحامي خطف الورقة من إيد قاسم، وبص في تاريخ الميلاد المكتوب، وعينيه وسعت من الذهول: "لأ يا قاسم.. بص للتاريخ! شهادة الميلاد دي مش بتاعتك.. ولا بتاعة أحمد.. شهادة الميلاد دي بتاعة طفلة اتولدت وماتت من 25 سنة.. الطفلة دي كانت اخت نهى من الأب.. وأمها فايزة!". الضابط حس إن في حلقة مفقودة، وبص للدكتور اللي واقف مرعوب وقال: "طب والجنين؟ إيه اللي بيحصل في أوضة العمليات يا دكتور؟". الدكتور شاورلهم بإيده وهو مش قادر يتكلم: "تعالوا معايا.. لازم تشوفوا بنفسكم.. التحليل المبدئي للـ DNA طلع دلوقتي من المعمل الطارئ!". مشوا كلهم ورا الدكتور في طرقة العمليات المعقمة، لحد ما وصلوا لغرفة زجاجية، جوة الكبسولة كان في جهاز السونار ثلاثي الأبعاد شغال وموجه على شاشة كبيرة.. نهى كانت نايمة تحت تأثير البنج التام، ودموعها لسه ناشفة على خدها. الدكتور شاور على الشاشة وقال بصوت مخنوق: "بصوا هنا.. الجنين ده مفيش فيه أي تشوه ناتج عن زواج المحارم.. الكروموسومات بتاعته كاملة وسليمة 100%.. بس المصيبة في حاجة تانية خالص.. الجنين ده مش طفل واحد!". قاسم قرب من الشاشة ومش فاهم: "يعني إيه؟ توأم؟". الدكتور: "لأ.. مش توأم.. ده جنين طفيلى (Foetus in foetu).. حالة طبية بتظهر مرة كل نصف مليون حالة.. الجنين اللي نزل في الشهر الأول مكنش إجهاض كامل.. الجنين ده نموه سريع لأنه كان بيتغذى على الجنين التاني اللي معاه في نفس الكيس! والتحليل أثبت إن الجنينين... واحد منهم ابنك أنت ونهى.. والتاني اللي كان بيموت وبيتلاشى جواه... هو بقايا جينية من أحمد!". الكل وقف مذهول، مفيش أي حد قادر يستوعب التداخل الطبي المرعب ده.. وفي وسط الصدمة دي، جهاز المؤشرات الحيوية بتاع نهى بدأ يصدر صوت إنذار سريع ومستمر. الدكتور صرخ: "النبض بيقع! المريضة بتدخل في غيبوبة كاملة.. القلب هيقف!". الضابط اتلفت لقاسم والمحامي وقال بصوت حاسم: "إحنا لازم نروح بيت صلاح المنشاوي فوراً.. السر مش بس في شهادة الميلاد، في حاجة في البيت هناك هي اللي دفعته للانتحار، وهي اللي هتفك لغز الجنين ده قبل ما نهى تموت والسر يندفن معاها!". عجلات السيارة كانت بتصرخ وهي بتلف بأقصى سرعة في شوارع القاهرة الفاضية، قاسم والضابط والمحامي كانوا في سباق مع الزمن.. سرعة النبض اللي بيقع لنهى في المستشفى، كانت نفس سرعة العداد اللي بيعد تنازلي لحياة العيلة دي كلها. وصلوا بيت "صلاح المنشاوي"، الباب كان مفتوح، والشريط الأصفر بتاع الشرطة محاوط المكان. قاسم دخل وركبه مش شايلاه، لقى عم صلاح، الراجل اللي كان بيعتبره زي أبوه، مشنوق في الصالة، وعينيه مفتوحة بذهول وكأنه شاف شيطان قبل ما يموت، وجنبه على الحيطة الكلمة المكتوبة بالدم: **(اللعنة حلت بالكل.. والسر في المصحف)**. الضابط زعق في العساكر: "فتشوا الأوضة دي فوراً.. في حاجة ناقصة!". المحامي قعد على ركبه يبص في الأرض، وفجأة صرخ: "يا فندم.. بص تحت السرير هنا!". قاسم وطى بسرعة، ولقى صندوق حديد قديم مصدي، فتحه بقوة.. وجوا الصندوق كانت الصدمة الأخيرة والنهائية اللي فكت كل الخيوط. كان في مذكرات قديمة بخط إيد صلاح المنشاوي، ومعاها تقرير طبي من مستشفى أمراض نساء وتوليد يرجع لـ 26 سنة فاتوا. قاسم مسك المذكرات وقرا بصوت مخنوق ودموعه بتنزل: > *(أنا بكتب السطور دي وأنا عارف إن نهايتي قربت.. فايزة دمرت كل حاجة.. فايزة زمان لما كانت متجوزة أبو أحمد وقاسم، حملت مني أنا.. أنا صلاح المنشاوي.. ولما ولدت البنت، خافت من الفضيحة، فاتفقت مع دكتور يكتب البنت باسم جوهرها الأصلي ويموتها في المستشفى رسمي، بس الحقيقة إن البنت دي مامتتش! فايزة خدت الطفلة دي وربتها في ملجأ بعيد عشان تبتزني بيها طول العمر.. الطفلة دي كبرت، ولما فايزة عرفت إن ابني "قاسم" حب "نهى" وبقت مراته، الشيطانة قررت تلعب اللعبة الكبرى.. نهى مش بنتي! نهى الطفلة اللي أنا تبنيتها وربيتها بعد ما مراتي ماتت، لكن بنتي الحقيقية من فايزة هي...)* > قاسم وقف مذهول، والضابط خطف الورقة الطبية وقرا الاسم المكتوب في تقرير المستشفى القديم.. اسم البنت الحقيقية لفايزة وصلاح.. وعينيه وسعت برعب: "مش ممكن! البنت الحقيقية هي الممرضة اللي مع نهى في الأوضة دلوقتي! 'شيرين'!". في نفس اللحظة.. تليفون الضابط رن، وكان دكتور المستشفى بيصرخ بهستيريا: "الحقنا يا فندم! الممرضة شيرين حاولت تحقن نهى بمادة سامة في المحلول عشان تموتها! إحنا مسكناها بالعافية وهي بتصرخ وتقول إنها لازم تنتقم لأمها فايزة وتنهي النسل ده كله!". الضابط صرخ في التليفون: "اقبضوا عليها فوراً.. نهى سليمة؟". الدكتور: "الحمد لله.. لحقناها في آخر ثانية، ونبضها استقر.. والجنين الطفيلي اللي في بطنها بدأ يتلاشى جراحياً، والطفل الحقيقي، ابن قاسم ونهى، نبضه رجع طبيعي 100%.. الجنين سليم يا فندم!". قاسم وقع على الأرض وسجد سجدة شكر طويلة، ودموعه غسلت كل الوجع والخوف اللي عاشه. الغمامة اتمحت، والشرف بان، والطفل اللي في بطن مراته طلع ابنه وحلاله، ومفيش أي صلة قرابة بينه وبين نهى.. نهى كانت مجرد بنت بالتبني لصلاح، وقاسم كان ضحية مؤامرة شيطانية من أمه فايزة اللي اتقبض عليها وعلى بنتها شيرين، ليواجهوا حبل المشنقة بتهم القتل والتزوير والشروع في القتل. ### ## الحكمة المستفادة من هذه القصة: بعد كل هذا الظلام والدمار، تنجلي الحقيقة لتترك لنا دروساً وعِبراً تحفر في القلوب: * **عاقبة الظلم والغل:** فايزة التي نسجت المؤامرات، وسممت ابنها، ودمرت عائلتها من أجل المال والانتقام، انتهى بها المطاف خلف القضبان، وخسرت كل شيء، حتى أبنائها. الظلم كالجمرة، يحرق صاحبه قبل أن يصل إلى الآخرين. * **الوهم وسوء الظن يدمّران الحياة:** قاسم كاد أن يضيع حبه وشرفه وحياته بسبب الشك وسوء الظن والانسياق وراء كلام الفتن، لولا أن تداركته رحمة الله بالحقيقة. الثقة والتبين هما جدار الحماية لأي علاقة إنسانية. * **العدالة الإلهية خفية ولكنها نافذة:** مهما بلغت قوة الشر والتخطيط (فيديو مشفر، سم مخفي، أوراق مزورة)، فإن الله سبحانه وتعالى يظهر الحق من حيث لا يحتسب البشر، ويجعل من التدبير الطبي والمعجزات سبباً لتبرئة المظلوم وحفظ الأنفس البريئة. * **الطفل البريء لا ذنب له:** الجنين الذي كان يُنظر إليه كوصمة عار وضحيّة غدر، ثبت في النهاية أنه ثمرة الحب الحلال والنقي، ليكون درساً بأن لا نحكم على الأقدار بعواطفنا الثائرة، بل ننتظر حكمة الله وتدبيره.