مطلقة 3

قبضتُ على كارت الميموري بقوة حتى كادت أطرافه تخترق راحة يدي. لم تكن مجرد قطعة بلاستيكية صغيرة، بل كانت طوق النجاة الذي ألقاه الله لي من وسط أمواج الظلم والعواصف التي كادت تعصف بي وببناتي. نظرتُ لهبة والدموع تغمر وجهي، خنقتني العبرة وأنا أقول لها: “مش هنسالك الجميل ده طول عمري يا هبة.. ربنا يجعله في ميزان حسناتك ويحميكي زي ما حميتيني.”

ردت هبة وهي بتبص حواليها برعب: “امشي من هنا بسرعة يا أستاذة نورا.. لو حد شافنا سوا هيركبونا الجريمة إحنا الاثنين، وبلاش تروحي الشركة لوحدك، شريف ممكن يعمل أي حاجة لو حسوا إن معاكي دليل!”

هززت رأسي بالإيجاب، وودعتها بسرعة وأنا بأسرع خطاي ناحية المترو، وألف سؤال وسؤال يدور في عقلي: كيف سأثبت صحة هذا التسجيل؟ وهل المهندس توفيق سيعطيني فرصة للاستماع، أم أنه سيطرُدني من الباب بمجرد رؤيتي؟

لم يكن هناك وقت للتردد؛ توجهت فوراً إلى مكتب المحامي الأستاذ عبد الرؤوف، وهو رجل مسن يُعرف بتقواه وخبرته الطويلة. جلست أمامه والارتجاف لا يفارق جسدي، وقصصت عليه كل ما حدث ووضعت الكارت الميموري أمامه على المكتب.

استمع الأستاذ عبد الرؤوف بكل هدوء، ثم قام بتوصيل كارت الميموري بجهازه. انساب صوت مصطفى واضحاً حاداً وهو يصرخ في شريف: “أنا شهدت زور على البت الغلبانة وفبركتلها الصور عشان الفلوس، ولو مدفعتش باقي الـ 5000 جنيه هروح لتوفيق بيه وأقوله على كل حاجة!”

تنهد المحامي وابتسم ابتسامة هادئة، ثم رفع بصره إليّ وقال: “الحمد لله.. ربنا ما بيسيبش مظلوم. بالتسجيل ده إحنا نقدر نرفع قضية رد اعتبار وتشوية سمعة وتزوير. بس القضية هتاخد وقت في المحاكم.. هل أنتِ عاوزة المحاكم الأول، ولا عاوزة حَقك يرجع في الشركة وقُدام الناس اللي اتكلموا في عرضك؟”

قلت بصوت قاطع لم أعهده في نفسي من قبل: “عاوزة حقي يرجع جوة الشركة الأول.. بناتي مش هيستنوا شهور عشان يشوفوا أمهم بريئة، والألسنة اللي نهشت في شرفي لازم تتلجم في نفس المكان اللي اتظلمت فيه!”

قام الأستاذ عبد الرؤوف وسحب حقيبته قائلاً: “على بركة الله.. اعتبري حقك رجع. قومي معايا.”

الساعة كانت تشير إلى الواحدة ظهراً عندما وقفت سيارة الأستاذ عبد الرؤوف أمام مبنى الشركة. كان قلبي يدق كالطبول، لكن هذه المرة لم يكن دقات خوف، بل كانت دقات غضب مكتوم ورغبة عارمة في المواجهة.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *