باسورد الفيزا 2

رديت بصوت حازم: “أظن فهمتي كل حاجة يا سارة؟”
قلت له بحدة: “إنت بني آدم أحقر مليارات المرات مما اتصورت.. فاكر إنك هتفلت بفلوس الشركة وتدبسني؟”
ضحك ضحكته الرخيصة الباردة: “تدبيسك؟ هههه.. يا حلوة إنتي متدبسة جاهزة! الورق اللي اتوقع الشهر اللي فات من تحت إيد أستاذ صبري فيه توقيعك إنتي بصفتك مراجعة.. يعني لو أنا ما أخدتش الباسورد والفلوس بالرضا.. هتوصل للنيابة بالاشتراك مع صبري.. وأنا أطلع منها زي الشعرة من العجين لأن ماليش أي صفة رسمية!”
أنفاسي اتسرعت، لكنه كمل بأسلوب أشد قسوة:
“أنا قدام شركتك حاليًا.. طالعلك المكتب عشان ننهي الموضوع ده بنفسنا.. يا تسلميني الفيزا والباسورد والتوكيل المحضور.. يا إما هطلع للجميل مدير الشركة دلوقتي بالورق المضروب وأبلغ عنك رسمي!”
سمعت صوت أسانسير الشركة وهو بيفتح في دورنا.. وصوت خطوات رجليه المقيتة جاية ناحية مكتبي!
صوت خطوات كعبه الرزينة المنتظمة كانت بتهز الممر الرخامي بتا بتاب الشركة. كل خطوة كانت بتعدّ في ودني زي دقات ساعة الإعدام.
مسكت طرف المكتب بإيدي الاتنين عشان أمنع جسمي إنه يترعش. بصيت حواليا؛ زمايلي في المكتب كانوا مشغولين بين الأوراق وشاشات الكمبيوتر، محدش فاهم ولا حاسس بالورطة والجهنم اللي بتتفتح تحت رجلي.
باب المكتب الزجاجي اتفتح.
دخل حازم. كان لابس بدلته الكحلي، شعره متسرح بدقة، وابتسامته الهادية الرزينة على وشه.. نفس الابتسامة اللي خمت أمي، وخمتني شهور طويلة. مسك شنطة جلدي سوداء في إيده، وبصلي بنظرة كلها تحدي واستعلاء.
قرب من مكتبي بثقة، وحط إيده في جيبه: “مساء الخير يا سارة.. أستاذ صبري جوه؟”
صوته كان طبيعي جدًا، خالي من أي أثر للتصريح أو التهديد اللي كان بيقوله من دقيقتين في التليفون. الثبات المريض ده خلى قشعريرة باردة تمشي في ضهري.
وقفت بالراحة، وحاولت أجمع كل ذرة قوة فضلت فييا. “أستاذ صبري في متبكه يا حازم.. بس أظن كلامك معايا أنا.”
ابتسم ابتسامة صغيرة ومشي ناحية مكتب صبري من غير ما يتردد، وقال بصوت واطي ومسموع لي لوحدي وهو معدي من جمبي: “خمس دقايق.. لو مالقتكيش داخلة ورايا ومعاكي الحاجة، الورق هيبقى على مكتب المدير العام.”
دخل وقفل الباب وراه.
أنا وقفت مكاني ثواني. الدنيا كانت بتلف بيا. اللعبة محبوكة بذكاء شيطاني: توقيعي على إيصالات الاستلام والمراجعة المالية للموردين موجود بالفعل بحكم شغلي، وصبري مضغوط عليه ومش هيقدر يدافع عني لأنه خايف على نفسه وعياله، وحازم بره الصورة تمامًا وقادر يقلب الترابيزة في أي لحظة.
مسكت الموبايل، وبعت رسالة سريعة لريم أختي: “ريم.. افتحي تسجيلات الموبايل وابعتيلي اللقطة اللي فيها صورة أوراق الشركة من نوتس حازم فورًا.. بسرعة!”
في أقل من دقيقة كانت الرسالة واصلة.
فتحت باب مكتب أستاذ صبري ودخلت.
كان صبري قاعد ورا مكتبه وشبه ميت، وشه أصفر زي الليمونة، وعرقان بغزارة. وحازم كان قاعد على الكرسي المقابل له، حاطط رجل على رجل، وفاتح ملف أسود قدامه على المكتب.
أول ما دخلت، حازم بصلّي وابتسم: “تعالي يا سارة.. كنا لسه بنراجع الحسابات القديمة عشان نطمن إن كل حاجة مظبوطة قبل ما نعمل التنازل والتوكيل.”
قلت بصوت حاد وواضح: “اقفل الملف ده يا حازم.”
حازم رفع حواجبه بتمثيل متقن: “مالك يا سارة؟ العصبية دي مش في وقتها خالص.. الأستاذ صبري شرحلي إن فيه أخطاء مالية بتوقيعك إنتي شخصيًا.. وأنا بصفتي خطيبك بحاول ألم الموضوع وأغطيه قبل ما الشؤون القانونية تاخد بالها وتترمي في ”
صبري بصلّي بعينين مكسورة وراسه في الأرض: “يا سارة.. اسمعي كلامه.. الرجل بيحاول يسندنا..”
“يسندنا؟!” صرخت بحدة مكتومة عشان محدش بره يحس. “ده اللي هيلبسنا الإعدام يا أستاذ صبري! إنت مش شايف إنه بيستغلك وبيستغلني؟”
حازم قام وقف، وحط إيديه الاتنين على الترابيزة وميل عليا، نبرته اتغيرت فورًا للشر الحقيقي: “بقولك إيه يا شاطرة.. أنا خلقي ضيق. الورق ده فيه اختلاس بـ 3 مليون جنيه بتوقيعك المباشر. تفتحي موبايلك دلوقتي، تعملي تحويل بالمبلغ الموجود في حسابك للحساب اللي هتديهولك أمه، وتوقعي على الشيكين دول كضمان.. يا إما أقسم بالله لأخرج من الباب ده على مكتب رئيس مجلس الإدارة، وساعتها مش هتشوفي الشارع تاني!”
بصيت للشيكين اللي حطهم على المكتب.. كانت شيكات بياض بتوقيع مطلوب مني!
بلعت ريقي. الخوف كان هيشلني.. بس افتكرت أمي وهي بتعيط في الصالة، وافتكرت سنين شقايا، وشريط حياتي كله مر قدام عيني في ثواني.
رفعت موبايلي وحطيته في وشه.
“شايف الصورة دي يا حازم؟”
حازم بَصّ للشركة واستهزأ: “صورة إيه؟ نوتس من موبايلي؟ أعلى ما في خيلك اركبه.. دي شوية شخابيط ملهاش أي قيمة قانونية.”
قلت له بثبات ورُعب أنا نفسي ماكنتش عارفة جابته منين: “دي ملهاش قيمة قانونية عندك.. بس الإشعار بتاع محاولة اختراق أبليكشن البنك بتاعي اللي جه من جهازك، وفي نفس الدقيقة اللي كنت قاعد فيها في صالون بيتنا.. ده له قيمة! والرسالة اللي جتك من أمك بتقولك ‘نستخدم خطة الشيكات’.. دي ليها قيمة!”
حازم ملامحه اتجمدت لأول مرة.
كملت وأنا بقرب منه: “والأهم من ده كله.. إنت فاكر إنك أذكى واحد في الدنيا؟ إنت نسيت إن الشركة دي فيها كاميرات مراقبة بتسجل الصوت والصورة في الممرات ومكاتب الحسابات من سنة فاتت؟”
حازم بص حواليه بسرعة وبشكل هستيري ناحية السقف.
“آه يا حازم.. الكاميرات شغال. ودخولك المكتب هنا وتفريغك للملفات وتهديدك صراحة ليا ولأستاذ صبري متسجل لحظة بلحظة على سيرفر الشركة الرئيسي في الأوفيس إيجيبت!”
وش حازم اتقلب للون الأبيض الجيري. مسك الشنطة بتاعته بسرعة، وحاول يلم الشيكات والملف الأسود من على المكتب.
بس قبل ما إيده تلمس الورق.. باب المكتب اتفتح بقوة.
دخل الأستاذ مجدي.. مدير أمن الشركة، ووراه اتنين من حراس الأمن العمالقة، ومعاهم المدير العام بنفسه!
المدير العام بَصّ لحازم وللملف المفتوح، وقال بنبرة حازمة هزت الأوضة: “سيب الورق مكانك يا حازم بيه.. واستنى الأمن الإداري يسلمك للشرطة اللي مستنياك تحت في المباشر!”
حازم اتصدم وخطى خطوة لورا: “شرطة؟! شرطة إيه؟ أنا خطيبها وجاي أحل مشكلة شخصية!”
المدير العام بصلي وهز رأسه، وبعدين بص لحازم: “سارة بلغت الإدارة والأمن الإداري أول ما دخلت الشركة الصبح بكل التفاصيل، والأنظمة المراقبة والمكالمات كان معمولها تتبع بطلب رسمي من النائب العام بناءً على الشكوى المقدمة ضدك وضد شركتك من أسبوع بخصوص قضايا نصب مشابهة!”
حازم لف بصه ناحيتي وعينيه مليانة غل وذهول مش مصدق: “إنتي.. إنتي عملتي كل ده من الصبح؟!”
قلت له وأنا ببصله بكل قرف: “إنت افتكرتني حيطة مايلة عشان مفيش راجل في بيتنا.. بس نسيت إن الست اللي بتشتغل وتعتمد على نفسها، ما بتبقاش صيدة سهلة لواحد نصاب زيك وزي أمك.”
الأمن مسك حازم من دراعاته كأنه حشرة، وهو بيحاول يتملص ويصرخ بشتائم وتهديدات.
لكن وهو بيتسحب بره المكتب، موبايله اللي كان في جيبه رن بصوت عالي جداً..
الشاشة كانت منورة باسم: “ماما
المدير العام أخد الموبايل من جيب حازم وفتح السبيكر قدام الكل..
صوت أمه طلع من الموبايل مليان لهفة وجشع: “إيه يا حازم؟ عملت إيه مع البت؟ نقلت الفلوس لحسابي ولا أكلم المعلم بسيوني يحضر أوراق العمارة اللي هنشتريها بفلوسها؟!”
المكتب كله سكت.. وصوت أمه كان بيرن في الفراغ كأنه اعتراف رسمي صريح قصاد الأمن والمدير!
حازم غمض عينيه بيأس، وشده الأمن بره وهو مجرور.
أستاذ صبري انهار على الكرسي وبيعيط بحرقة من الخزي والخوف.. وأنا وقفت وريقي ناشف، وركبي بتترعش، بس حاسة بحجم جبل انشال من على صدري.
لكن المدير العام بصلّي بهدوء وقال: “سارة.. الموقف انتهى هنا بالنسبة لحازم وأمه.. بس الشحنة الأخيرة اللي اتسجلت باسمك الأسبوع اللي فات.. فيه شيك بقيمة 5 مليون جنيه يخصها خرج من البنك الصبح باسم شخص تاني خالص.. والشخص ده مش حازم!”

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *