باسورد الفيزا 2
كانت الشاشة القديمة لموبايل ريم بتنور بإضاءة باهتة، لكن الكلام المعروض عليها كان ينور في عقلي زي حريق.
قعدت على أرضية الصالة الباردة، وأمي جمبي بتعيط وبتدعي بقلة حيلة، ورأسها بين إيديها ومش قادرة تستوعب إن الشاب المؤدب اللي يدخل البيت بحلويات وابتسامة عريضة، يطلع بالغل والترتيب ده كله.
أخدت الموبايل من ريم وأنا صوابعي بتترعش. ريم كانت مجمّعة كذا لقطة شاشة (Screenshot) سريعة أخدتهم في اللحظة اللي مسكت فيها موبايل حازم وهو منسي على الكنبة.
الملاحظة كانت بعنوان: “حسابات سارة – تسوية الالتزامات”.
مكتوب فيها بالتفصيل:
* اسم شركة الأدوات الطبية اللي بشتغل فيها.
* اسم مدير الحسابات في الشركة (استاذ صبري).
* رقم حسابي البنكي.
* جملة مكتوبة بالبُنت العريض وتحتها خطين: “التوكيل أو الشيكات قبل تاريخ 15/10 لحمايتها من المراجعة”.
تاريخ 15/10 ده كان فاضل عليه أسبوعين بس!
عقلي بدأ يربط الخيوط ببعضها بشكل يرعب. أستاذ صبري؟ مدير الحسابات في شركتنا؟ حازم يعرفه منين؟! حازم شغال في شركة مقاولات هندسية ملهاش أي علاقة بمجال الأدوات الطبية من قريب أو بعيد!
قمت وقفت فجأة. الخوف اللي كان جثم على صدري اتحول في ثواني لشرارة غضب حارقة.
أمي رفعت رأسها وهي بتمسح دموعها بطرف شالها: “ناوية على إيه يا سارة؟ يا بنتي كفانا شره ونرجعله شبكته وحاجته ونفضها سيرة.. ده شكله بني آدم مؤذي ومعندوش غالي.”
بصيت لأمي بثبات أول مرة أحس بيه في حياتي: “نرجعله شبكته؟ يا أمي ده مش جاي يتجوزني.. ده جاي يسرقني ويسرق تعبي وسنين شغلي! وإذا كان هو فاكر إننا حيطة مايلة عشان بابانا متوفي ومفيش راجل في البيت، أنا هعرفه إن الست اللي شالت بيتها وساعدت أباها في مرضه تقدر تقف في وش ميت راجل زي حازم!”
ريم قامت وقفت جمبي وربدت على كتفي: “أنا معاكي يا سارة.. ومش هسيبك.”
ليلتها ما نمتش ولا دقيقة. الصوت بتاع المروحة القديمة في أوضتي كان شغال، بس المرة دي ماكانش بانوح، كان كأنه بيعزف مارش الحرب. قعدت على مكتبي، وفتحت كشكول قديم، وبدأت أكتب كل التفاصيل.. كل كلمة قالها، كل مكالمة من أمه، كل طلب غريب طلبه مني من ساعة ما اتخطبنا.
اكتشفت إن كل حاجة كانت متقاسة بمسطرة:
لما كان بيصر يجيلي الشركة ويستناني تحت..
لما طلب مني أعمله كارت زيارة من الشركة بحجة إنه هيجيبلي عملاء..
لما كان بيسألني بالنداوة عن الشحنات اللي بتستلمها المستشفيات وأسعارها..
الصبح بدري، كويت طقمي الأسود، ولميت شعري، ونزلت على شغلي قبل الميعاد بساعة كاملة.
الشركة كانت لسه فاضية، وصوت خطوات كعبي كان بيرن في الممرات. دخلت مكتب الحسابات.. كان مقفول. قعدت على مكتبي ومسكت ملفات الشغ شغل اللي بقالي سنتين ماسكاها.
الساعة 9 بالضبط، جه أستاذ صبري. راجل في الخمسينات من عمره، بسبحة في إيده وضحكة بشوشة دايمًا، وكان بالنسبة لي ولزمايلي زي أب.
دخلت ورده المكتب، وحطيت قدامه ملف المراجعة الشهرية.
صبري ابتسم: “صباح الخير يا سارة.. ما شاء الله نازلة نشيطة النهاردة.. خير في حاجة؟”
بصيت في عينيه مباشرة وقلت ببرود: “خير يا أستاذ صبري.. حازم خطيبي بيسلم عليك.”
السبحة اتجمدت في إيده. الابتسامة البشوشة اختفت تدريجيًا واستبدلت بنظرة توتر حاول يداريها بسرعة بمسح نظارته: “حازم؟ حازم مين؟ آه.. خطيبك.. الله يسلمه يا بنتي.. هو أنا أعرفه؟”
قلت وأنا بمال على المكتب وبحط موبايلي قدامه وفيه لقطة الشاشة: “تعرفه كويس أوي يا أستاذ صبري.. لدرجة إنه كاتب اسمك ورقم حسابي وسقف التجميع اللي بنجمعه للموردين في نوتس موبايله.. وكاتب إن 15/10 هو الميعاد النهائي!”
وش أستاذ صبري اتقلب ألوان. عرّق رغم إن التكييف كان شغال. “إنتي بتقولي إيه يا سارة؟ إنتي اتجننتي ولا إيه؟! بتتهمني أنا؟!”
قلت له بثبات يزلزل: “أنا مابتهمكش.. أنا بسألك.. هل أرفع الصور دي للشؤون القانونية وللمدير العام ونعمل مراجعة على كل الإيصالات والشيكات اللي خرجت بتوقيعك وتوقيعي الفترة اللي فاتت، ولا تحكيلي حازم ماسك عليك إيه؟”
صبري سكت. إيده كانت بترتعش وهو بيمسك كاس المية ويشرب منه. اتنهد بصوت طالع بالعافية وقال بصوت واطي ومكسور: “حازم مش خطيبك يا سارة عشان بيحبك.. حازم جه الشركة هنا من ست شهور بحجة شركة المقاولات بتاعته.. وعليها ديون ومشاكل.. وعن طريق حد من القرايب قدر يوصل لورق يثبت إن فيه ثغرة في شيكات الموردين القديمة في الشركة.. ثغرة أنا اتورطت فيها بدون قصد زمان عشان أصلح غلطة محاسب قبلي!”
ريقي نشف. “وهو ه؟”
صبري هز رأسه: “هددني يوديني في داهية ويفضحني قدام عيالي.. إلا لو ساعدته يدخل الشركة عن طريقك إنتي! قال لي ‘أنا هخطب البنت اللي ماسكة ملف الحسابات.. وسيب الباقي عليا’.. كان عاوز يأخد توكيل منك أو ياخد الباسورد بتاعة الفيزا والحساب البنكي بتاعك عشان يسحب العمولات والمبالغ اللي كانت بتنزل في حسابك للشركات الصغيرة، ويدبسك إنتي في اختلاس المالية!”
الدم غلى في عروقي. اللعبة كانت قذرة لأقصى درجة! حازم ماكانش طمعان في المرتب.. حازم كان عاوز يلبسني قضية اختلاس بملايين، ويقش هو وأمه الفلوس ويهربوا، ويطلع هو الضحية اللي خطيبته خاينته وسرقت الشركة!
خرجت من مكتب صبري وأنا مش شايفة قدامي. الدنيا كانت بتلف بيا.
وعلى الساعة 2 الضهر.. وأنا قاعدة على مكتبي بحاول أجمع أفكاري وأشوف هعمل إيه مع الإدارة والأمن.. تليفوني رن.
الرقم كان رقم غريب