خطيبي كلمنى وطلب مني “باسورد” الفيزا بتاعتي، وعلى كلامه عشان “يوفّر” عليا مشوار البنك كل شهر ويسحبلي المرتب ويجيبهولي لحد البيت؟ أنا بصراحة رفضت، لكن بعدها لقيت أمه بتكلمني وبتقولي: “إنتي كده مش مأمّنة لابني، وإحنا عندنا الست ما بتمسكش قرش في إيدها طول ما في راجل في البيت”. أول مرة طلب فيها الرقم السري للفيزا، كنت قاعدة في أوضتي، والمروحة القديمة بتطلع صوت مزعج فوق دماغي، وأنا بعدّ باقي المرتب اللي نزل من شغلي في شركة الأدوات الطبية. كان الليل ساكت بشكل غريب… لحد ما موبايلي رن. “حبيبتي… ابعتيلي الباسورد بتاع الفيزا.” صوته كان هادي زيادة عن اللزوم. ضحكت باستخفاف وأنا فاكرة إنه بيهزر. “ليه يعني؟” رد بسرعة: “عشان أوفّر عليكي تعب البنك كل شهر… أنا أصلاً بعدي من هناك وأنا راجع من الشغل. أسحب المرتب وأجيلِك بيه لحد البيت.” الكلام كان المفروض يطمني… لكن حاجة جوايا اتقبضت. قلت وأنا بحاول أخلي صوتي طبيعي: “لا يا حازم… أنا متعودة أروح بنفسي.” سكت ثانيتين. ثانيتين كاملين حسّيت فيهم إن فيه حد بيبصلي من ورا شاشة الموبايل. بعدها ضحك الضحكة اللي دايمًا بيستخدمها لما يتضايق ويحاول يخبّي. “هو أنا غريب عنك؟” بلعت ريقي. “أكيد لا… بس دي فلوسي وشغلي وأنا بحب أرتب أموري بنفسي.” المكالمة خلصت ببرود. برود أول مرة أحسه بينا من ساعة الخطوبة. وفي أقل من نص ساعة… تليفوني رن تاني. أمه. رديت باحترام: “أيوه يا طنط.” جالي صوتها الحاد فورًا: “إنتي زعلتي حازم ليه؟” اتخضّيت. “أنا؟ ماحصلش…” قاطعتني: “الولد طلب منك طلب بسيط. إنتي هتبقي مراته. يعني مالك ماله.” حكايات رومانى مكرم حاولت أشرح بهدوء: “يا طنط الموضوع مش موضوع ثقة…” لكنها ما سابتنيش أكمل. “إحنا عندنا الست ما بتمسكش قرش في إيدها طول ما في راجل في البيت.” الجملة نزلت عليا زي الكف. بصّيت حواليا في أوضتي الصغيرة… الدولاب القديم… شهادة الجامعة اللي تعبت عشانها… سنين الشغل الإضافي… المواصلات… المرتب اللي كنت بحوش منه جنيه فوق جنيه عشان أساعد أبويا بعد مرضه. وفجأة حسّيت إن كل ده بيتسحب مني بكلمة واحدة: “الراجل يمسك الفلوس.” قلت بصوت متوتر: “بس أنا متعودة أعتمد على نفسي.” ردت بضحكة باردة: “واضح إن والدتك مربياكي على العند.” وقبل ما أرد… قفلت السكة في وشي. — اليوم اللي بعده، حازم ما كلمنيش. ولا حتى رسالة. دخلت واتساب لقيته “أونلاين” لكن بيتجاهلني. كل ما أبعت كلمة… يشوف ومايردش. وفي الليل، أختي الصغيرة ريم دخلت أوضتي وهي ماسكة طبق فشار. “مالك؟” قلت بكذب: “مفيش.” قعدت جمبي وبصتلي بنص عين. “هو ابن خالتك ده مريحكِش.” ضحكت غصب عني. “مش ابن خالتي.” “أهو أي زفت.” سكت شوية… بعدين قالت الجملة اللي فضلت تلف في دماغي طول الليل: “الراجل اللي يطلب منك الباسورد دلوقتي… هيطلب منك إيه بعد الجواز؟” ماعرفتش أرد. لأن الحقيقة… إني كنت بسأل نفسي نفس السؤال. — بعد يومين، حازم جه البيت فجأة. أمي فرحت بيه ودخلته الصالون، لكن أول ما قعدت قدامه حسّيت إن ملامحه متغيرة. وشه ناشف. عينيه مليانة ضيق. قال مباشرة: “إحنا لازم نفهم بعض.” كنت ماسكة كوب الشاي بإيدي الاتنين. “اتفضل.” اتنهد بضيق: “أنا راجل شرقي… ومابحبش الست اللي تخبي عن جوزها حاجة.” رفعت حاجبي بدهشة. “دي بيانات بنكية… مش أسرار.” مال لقدام وهو بيخفض صوته: “يعني مش مأمنالي؟” “الثقة مش معناها أديك الباسورد.” ساعتها حصل شيء غريب. وشه اتقلب فجأة. كأن القناع وقع. ابتسم ابتسامة صغيرة مرعبة وقال: “طيب… افتحي موبايلك.” اتجمدت. “ليه؟” “أشوف بس فيه إيه مخبياكي كده.” ضحكت بعدم تصديق. “إنت بتهزر؟” لكنه ماكانش بيهزر. مد إيده فعلًا. “هاتيه.” قلبي بدأ يدق بعنف. أمي كانت في المطبخ. البيت هادي. وصوت الساعة فوق الحيطة كان عالي بشكل مستفز. قلت بحزم: “لا.” لأول مرة… شافته عيني بيتعصب بجد. قبضته اتقفلت. وعروقه ظهرت في رقبته. لكن في ثانية… رجّع ابتسامته المصطنعة وبص ناحية باب المطبخ عشان محدش ياخد باله. وقام وقف فجأة. “براحتك يا سارة… بس خليكي فاكرة إن الجواز مشاركة.” ومشي. لكن قبل ما يخرج… نسي موبايله على الكنبة. ناديت عليه من البلكونة… كان ركب عربيته وتحرك بسرعة كأنه هربان. بصّيت للموبايل اللي سايبه. الشاشة نورت فجأة برسالة جديدة. ومن غير قصد… عيني وقعت عليها. #الكاتب_رومانى_مكرم “متقلقش… بعد الجواز هتبقى كل حساباتها تحت إيدك.” المرسِل كان محفوظ باسم: “ماما ” لكن اللي خلّى الدم يتجمد في عروقي… ماكانش الرسالة. كان الإشعار اللي ظهر فوقها مباشرة من تطبيق البنك: “تم رفض محاولة إضافة مستفيد جديد بسبب خطأ في كلمة المرور.” الموبايل كان لسه بينور في إيدي، وصوت الإشعار بتاع البنك رن في دماغي زي صرخة في مكان فاضي. “تم رفض محاولة إضافة مستفيد جديد بسبب خطأ في كلمة المرور.” أصابعي كانت بتترعش، والدم حسيته اتسحب بالكامل من وشي. الرسالة دي اتدزت في نفس الدقيقة اللي كان قاعد فيها قدامي وبيحاول يشغلني ويداري عصبيته. يعني وهو بيدعي إنه بيتكلم عن “الثقة والمشاركة”، كان بيحاول يفتح أبليكشن البنك على موبايله من بيانات كان جابها قبل كده أو بيجرب رقم سري اتوقعه! صوت أمي طلع من المطبخ وهي شايلة صينية العصير: “هو حازم مشي بالسرعة دي ليه يا سارة؟” غصبت نفسي أطفي شاشة الموبايل وأحطه على الترابيزة بالراحة عشان إيدي ما تفضحنيش. وقفت وأنا ركبي بتخبط في بعضها. “افتكر مشوار مهم يا بابا.. ونسي موبايله.” أمي بصتلي بشك، لكنها ما تكلمتش. دخلت أوضتي وقفلتا بالترباس. قعدت على طرف السرير والمروحة القديمة بتزن بنفس الصوت المزعج، بس المرة دي الصوت كان كأنه بيصرخ في ودني. مسكت موبايلي أنا، وفتحت الأبليكشن بتاعي بسرعة عشان أتأكد.. الحساب كان مقفول مؤقتًا بسبب كثرة محاولات الدخول الخاطئة! عيني دمعت من الصدمة. حازم مش بس كان عاوز الباسورد.. حازم كان بيحاول ياخد حسابي من ورايا وبدون علمي! قبل ما أفوق من الذهول، موبايله اللي سابه على الكنبة بره بدأ يرن.. النغمة كانت مكتومة بس مسموعة. خرجت بالراحة من غير ما أمي تحس، وبصيت على الشاشة. الاسم كان: “ماما “. سيبته يرن لحد ما فصل. وبعدها بتلات دقايق، نزل إشعار رسالة جديدة على الشاشة المقفولة: “ها يا حازم؟ عرفت تجيب الباسورد التاني ولا نستخدم خطة الشيكات؟” خطة الشيكات؟! جسمي كله قشعر. مسكت الموبايل ودخلت بيه أوضتي فورًا. كانت الشاشة مقفولة ببصمة الوجه أو رمز، بس الرسائل المعروضة كإشعارات كانت كفاية إنها تكشف لي مستنقع كامل كنت هقع فيه وأنا غمياينة. قعدت على الكرسي وأنا بحاول أربط الأحداث ببعضها: المرتب اللي بيصر يسحبه بنفسه.. محاولة اختراق الحساب.. كلام أمه عن إن “الست مابتمسكش قرش”.. والآن “خطة الشيكات”. في لحظتها افتكرت حاجة حصلت من شهرين.. لما حازم طلب مني أوقع له على “أوراق روتينية” تخص حجز شقة الزوجية، وقال لي وقتها: “دي مجرد توكيلات عشان أخلص الإجراءات بغيابك وتوفر عليكي تعطيل الشغل.” أنا ساعتها رفضت أوقع غير لما أقرأ، وهو اتضايق وغير الموضوع وركن الأوراق! هل الأوراق دي كانت شيكات أو وصلات أمانة؟! الساعة عدت 12 بالليل، وفجأة الباب الخارجي بتاع الشقة انخبط بشويش. أمي صحيت ومشت ناحية الباب، وسمعتها بتقول: “مين؟” صوت حازم جالي من ورا الباب، كان بيحاول يخلي صوته هادي ومحترم زي العادة: “أنا يا طنط.. معلش نسيت الموبايل بتاعي على الكنبة ورجعت أخده بسرعة عشان الشغل الصبح.” فتحت أمي الباب وهي بترحّب بيه. أنا خرجت من أوضتي بموبايله في إيدي، ووقفت في أخر الصالة. أول ما عينه وقعت عليا وعلى الموبايل اللي في إيدي، ملامحه اتغيرت. الابتسامة الباردة اختفت، وعينيه أخدت نظرة حادة وكأنه بيحاول يقرأ أنا عرفت إيه. قرب مني بخطوات بطيئة، ومد إيده: “هاتيه يا سارة.. معلش تعبتك.” ما مديتش إيدي. بصيت في عينيه بثبات غريب، رغم إن قلبي كان بيدق زي الطبلة. قلت بصوت واطي ومسموع له هو بس: “الرسالة وصلت يا حازم.” هو اتجمد في مكانه. “رسالة إيه؟” “رسالة البنك.. ورسالة طنط.” عروق رقبته ظهرت تاني، وفي ثانية واحدة قرب مني أكتر وششد الموبايل من إيدي بقوة كادت تكسر صوابعي. أمي أخدت بالها من الحركة العنيفة واتخضت: “في إيه يا حازم؟ مالكم يا أولاد؟” حازم اتدارك نفسه بسرعة ورجع خطوة لورا، وهو بيحاول يبتسم لأمي: “مافيش يا طنط.. بس سارة أصلها بتفتش في موبايلي وأنا مابحبش الحركة دي.” أمي بصتلي بعتاب: “كده يا سارة؟ عيب يا بنتي دي خصوصيات.” ابتسمت بسخرية وأنا بصاله: “خصوصيات؟ صح يا طنط.. الخصوصيات دي حاجة مهمة أوي.. زي بيانات الفيزا مثلاً، وزي حسابي البنكي اللي اتعمل عليه محاولات اختراق من نص ساعة بس!” وش حازم اصفرّ، وبصلي بغضب مكتوم. أمي اتفاجأت: “يعني إيه الكلام ده؟” حازم رد بسرعة وصوته بدأ يعلى: “إنتي بتقولي إيه يا سارة؟ إنتي بتتهمني بإيه؟ أنا جيلك بيتك وبحترم أهلك، تقوميني تطلعيني حرامي عشان رفضت أمارس معاكي الجنان بتاع الثقة والشك؟” في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح وخرجت أختي الصغار ريم، وكانت ماسكة موبايلها في إيدها بتسجل. حازم بص لريم بغضب: “إنتي بتصوري إيه يا بت إنتي؟!” ريم قالت بثبات: “بصور عشان لو فكرت تمد إيدك ولا تعلي صوتك تاني في بيتنا.. وبصور عشان أشوف مين اللي كان بيحاول يفتح أبليكشن البنك بتاع أختي.” حازم فقد أعصابه تمامًا. مشي ناحية ريم بغشم عشان ياخد منها الموبايل، بس أنا وقفت في وشه وزقيته لورا بكل قوتي: “إياك تلمسها!” البيت اتقلب في ثواني. أمي بدأت تصرخ وتطلب منه يخرج، وهو كان واقف في نص الصالة وشبه جرو متوحش، القناع المزيف بتاعه اتكسر ميت حتة. بصلي وقال بصوت واطي مليان تهديد: “الموضوع ده مش هيعدي يا سارة.. والفلوس اللي اتصرفت على الخطوبة والشبيكة والشقة.. يا ترجعلي المليون جنيه كاملة يا إما هتشوفي وش تاني خالص!” قلت له وأنا بشاور على الباب: “أعلى ما في خيلك اركبه.. واطلع بره بيتنا.” خرج ورزع الباب وراه بقوة هزت الحيطة. أمي قعدت على الكنبة وهي بتعيط ومش فاهمة حاجة، وأنا أخدت نفس عميق وركبي ما شالتنيش فقعدت على الأرض. ريم قربت مني ووراتني الشاشة.. “سارة.. أنا مالحقتش أصور خناقته بس.. أنا لما دخلت أوضتك بدري وأخدت موبايله عشان أرنهولك، شوفت النوتس (الملاحظات) المفتوحة على شاشته بالصدفة قبل ما يقفل.. كان كاتب فيها أسماء وعناوين وصور لأوراق رسمية.. ومن ضمنهم اسم شركتك ورقم حسابك البنكي!” مسكت موبايل ريم وأنا مش مصدقة.. حازم ماكانش مجرد عريس طمعان في مرتب خطيبته.. حازم كان مرتب كل خطوة من يوم ما دخل حياتي.. وكان فيه حد تاني معاه في اللعبة غير أمه!