قعدت مع هبة على الدكة الخشب، وبدأت أمليها الخطة كلمة بكلمة بصوت واطي بس حاسم، خالي تماماً من أي خوف أو تردد. الخطة كانت تعتمد على عنصر المفاجأة والمواجهة المباشرة قدام الكل، عشان توفيق بيه ما يلاقيش أي مخرج للتغطية على المهزلة دي لو حاول يحمي اسم الشركة من الفضيحة. قلت لهبة: “بكرة الساعة عشرة الصبح يا هبة، بيكون في اجتماع مجلس إدارة دوري بين توفيق بيه ومديرين الأقسام كلهم في القاعة الكبيرة، وشريف طبعاً بيحضر بصفته كبير الموظفين في القسم، ومصطفى وسامح هيكونوا برة على مكاتبهم. أنتِ شغلِك يبدأ من الساعة تسعة ونص.. هتاخدي الشاشة التفاعلية الكبيرة اللي في قاعة الاجتماعات، وتفتحي البروجكتور وتسيبيه جاهز، وتوصلي الفلاشة دي في الوصلة المباشرة بتاعة الشاشة ورا السجادة أو تحت التربيزة بحيث محدش يلاحظها.. والتسجيل الصوتي اللي على كارت الميموري هتحطيه على جهاز الصوت الخاص بالقاعة.” هبة بلعت ريقها برعب وقالت: “يا أستاذة نورا، القاعة دي بتبقى مقفولة، وسكرتيرة مكتب توفيق بيه هي اللي معاها المفتاح!” ابتسمت لها وقلت: “أنتِ معاكي مفاتيح النظافة كلها يا هبة، وبيدخلوا ينضفوا القاعة قبل أي اجتماع بساعة. افتحي واعملي نفسك بتمسحي التراب من على الشاشة، وتكتكي شغل الفلاشة والتسجيل، وحطي التشغيل التلقائي بمجرد ما أدخل أنا من الباب. وفي نفس الوقت، عاوزاكي تجيبلي أصل الملف المالي اللي شريف حاول يخفيه.. الملف اللي فيه التوريدات. أنا عارفة إنه شايله في الخزنة المصفحة اللي ورا مكتبه، بس مفتاح الخزنة بيكون دايمًا معلق في الميدالية اللي بيسيبها على المكتب لما يدخل الحمّام قبل الاجتماع بـ 10 دقايق.” هبة هزت رأسها ثبات وقالت: “عيوني ليكي يا أستاذة.. والله لعملها، ومصطفى وسامح أنا عارفة نقط ضعفهما وعارفة أزحزحهم عن مكاتبهم إزاي في الوقت ده!” اتفقنا على كل التفاصيل الدقيقة، ورجعت البيت ورجليا شاييلاني بأمل جديد. دخلت على بناتي، بصيت في وشهم النايم الهادي، وبستهم على قورتهم وقلت بصوت واطي: “حقنا راجع يا بناتي، وأمكم مش رخيصة ولا عمرها هتوطي رأسها.” طول الليل كنت بجهز نفسي. طلعت أكتر طقم رسمي ومحترم عندي، كويت الهدوم بعناية، وطبعت أوراق وفواتير ثانية كنت شايلاها عندي في البيت كمستندات احتياطية من الشغل القديم بتثبت صحة كلامي في التوريدات. ما نمتش ولا دقيقة، كنت قاعدة مستنية الساعة تسعة عشان أتحرك. يوم جديد أشرق، والساعة تشير للتاسعة والنصف صباحاً. وصلت لمقر الشركة. المبنى الزجاجي الضخم اللي خرجت منه قبل شهر والدموع مالية عيني، دخلته النهاردة بقلب ميت وخطوات ثابته تهز الأرض. الأمن على الباب الخارجي كانوا ناسييني أو مش متوقعين إني أرجع، ودخلت مع زحمة الموظفين والعملاء من غير ما حد يوقفني. طلعت في الاسانسير للدور الرابع، دور الإدارة وقاعة الاجتماعات. وصلت للممر الطويل، وشفت من بعيد هبة واقفة جنب ترولي النظافة، وأول ما شافتني هزت رأسها بإشارة يفهمها العقل: “كل حاجة جاهزة والملف معايا.” قربت منها في الهدوء، سحبت مني الشنطة ودست في إيدي الملف المالي الأكبر اللي فيه الأدلة الدامغة على اختلاس شريف ومصطفى. هبة همستلي: “الفلاشة متوصلة بالبروجكتور، والتسجيل الصوتي متوصل على السماعات والسكرتيرة مش موجودة على مكتبها بتبعت أوراق، وتوفيق بيه وجميع المديرين وشريف دخلوا القاعة بقالهم خمس دقايق والمقابلة بدأت!” أخدت نفس عميق، رفعت رأسي، ومسكت مقبض الباب الخشبي الضخم لقاعة الاجتماعات الرئيسية. فتحت الباب بقوة ودخلت! الصوت كان عالي في القاعة، وتوفيق بيه كان واقف على رأس الطاولة الكبيرة المتروسة بمديري الأقسام وشريف قاعد على يمينه بيتكلم بثقة وبيشرح العرض التقديمي. بمجرد ما الباب اتفتح بصوت قوي، السكوت ساد المكان فجأة، وكل العيون اتجهت ناحيتي بذهول. شريف وشه اصفر ورجع لورا بكرسيه، وتوفيق بيه اتنفخ وغضبه ظهر على وشه، وضرب بإيده على الطاولة وصرخ: “أنتِ؟ أنتِ إيه اللي جابك هنا يا ست أنتِ؟ أمن الشركة فين؟ إزاي واحدة مطرودة بتهمة تدربك الاجتماع ده؟ اتفضلي برة قبل ما أطلبلك الشرطة!” ما اتهزتش ولا خطوة، وبصيت في عين توفيق بيه بمنتهى القوة والشموخ وقلت بصوت جهوري سمع القاعة كلها: “أنا مش هخرج يا توفيق بيه.. ولو طلبت الشرطة هتبقى بتخدم نفسك وتخدم الحق قبل ما تخدمني! أنا جاية أوريك مين اللي بيسرق مالك وشركتك تحت عينك وأنت مش داري!” شريف وقف بسرعة وعرق جبهته ينزل، وصرخ بصوت متوتر: “يا فندم دي واحدة متخلفة وجاية تعمل شو وفضيحة بعد ما اتفضحت! ارموها برة يا أمن!” قبل ما الأمن يدخلوا من الباب، سحبت الريموت الصغير اللي كان مستخبي في إيدي وضغطت على زر التشغيل الخاص بالبروجكتور والسماعات الرئيسية! فجأة، الأضواء في القاعة انخفضت آلياً، والشاشة التفاعلية الضخمة اللي ورا توفيق بيه اشتغلت بصوت قوي وصورة واضحة جداً! ظهرت على الشاشة الصور المزوّرة اللي شريف ركبها لوشي على أجسام ثانية، وجنبها على الشاشة برنامج الفوتوشوب مفتوح والخطوات التفصيلية للتزوير، وصوت شريف المالي القاعة كلها طالع من السماعات بنقاء واضع جداً: (صوت شريف من التسجيل الصوت): “والله وطلعت مش هينة، التمثيلية انطلت على توفيق بيه وصادق كل حرف، والبت اترميت برة الشركة ومحدش هيسمع لها صوت تاني!” (صوت مصطفى): “بس العزومة دي ما تكفيش يا شريف.. إحنا شهدنا زور، والبت كانت هتفضحك وتوديك في داهية، إحنا لينا حلاوة كبيرة عند توفيق بيه والترقية اللي وعدتنا بيها!” (صوت شريف مكملاً بتبجح): “أنا أختي شغال في محل صيانة موبايلات ودخلت على فوتوشوب… الباشا طردها من غير ما يطلب يشوف دليل بصري، وغير كده البت كانت هتشفش الاختلاسات والفواتير اللي بقالنا سنتين بنعملها!” القاعة كلها شهقت بصوت واحد! مديري الأقسام وقفوا على حيلهم ومصدومين، وبصوا لشريف بنظرات احتقار وذهول. توفيق بيه وشه اتحول للون الأبيض، وعينيه كانت هتطلع من مكانها وهو بيبص للشاشة وللتسجيل الصوتي اللي فضحه قدام مرؤوسيه كلهم. بص لشريف بغضب يهد جبال، وشريف كان واقف أطرافه بتترعش، مش قادر ينطق ولا كلمة، وشه بقى زي الجثة! رميت الملف المالي الضخم على الطاولة قدام توفيق بيه بكل قوة، وقلت بصوت يرن كالرعد: “ودول أصل الفواتير والتوريدات الوهمية اللي شريف ومصطفى وسامح بيسرقوك بيها بقالهم سنتين يا توفيق بيه! الملف ده هو السبب الحقيقي اللي خلاه يتهم مطلقة في عرضها، ويجيب شهود زور يرموا بلاهم عليها، عشان خاف إنها تكشفه وتوديه السجن! أنت صدقت الكلام وطردتني من غير ما تتأكد، ورميت سمعة واحدة بتشتغل بلقمة حلال في الطين!” توفيق بيه مسك الملف بإيدين بتترعش، فتح الصفحات وبص في الأرقام والتوقيعات بتاعة شريف ومصطفى. عينيه راحت لشريف اللي كان بيحاول يتسحب ناحية الباب عشان يهرب. توفيق بيه صرخ بصوت هز جدران المبنى كله: “اقفلوا الأبواب! محدش يخرج من المبنى ده حياً!” الأمن جرا وقفل أبواب قاعة الاجتماعات، وتوفيق بيه قرب من شريف، ومسكه من زامور رقبته وضربه بكل قوته بكس على وشه أوقعه على الأرض بين كراسي المديرين! توفيق بيه كان بينهج بغضب هيستيري وهو بيبص لشريف المرمي على الأرض وبيصرخ فيه: “يا خاين! أنا اللي عملتك بني آدم ووثقت فيك؟ بتسرقني وبتستغل اسم الشركة عشان تظلم ست وتزور فيديوهات وتحط راسنا في الطين؟” التفت توفيق بيه للرائد الأمن اللي واقف على الباب وقال بصوت قاطع: “اطلب النيابة العامة وفريق المباحث فوراً! وهاتوا مصطفى وسامح من مكاتبهم واحبسوهم في غرفة الأمن تحت، الفلاشة دي والتسجيلات والأوراق دي هتسلم للنيابة بتهمة التزوير، والشهادة الزور، والاختلاس المالي!” شريف كان بيعيط على الأرض وبيترجى توفيق بيه: “ارحمني يا توفيق بيه! هي اللي أستفزتني.. هي اللي كانت هتخرب بيتنا!” توفيق بيه تف على وشه بقرف، وبعدين التفت ناحيتي.. الراجل الشديد اللي ما بيلينش، عينيه كانت مليانة خجل وندم ومش قادر يحط عينيه في عيني. قرب مني بخطوات بطيئة، والقاعة كلها ساكتة ومستنية تشوف رد فعله. وقف قدامي، ومسك أوراق الملف المالي، وبصلي بصوت مكسور وقال: “أنا آسف يا نورا.. أنا أجرمت في حقك، وسمحت للأوباش دول يخدعونِي ويخلوني أظلم واحدة محترمة زيّك. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أصلح الغلطة دي.” بصلته بثبات وما أظهرتش أي ضعف وقلت: “الأسف مش هيرجعلي حسرتي وأنا محبوسة في بيتي بدموعي قدام بناتي الصغيرين لمدة شهر كامل، الأسف مش هيمسح كلام الناس ونظرات الشماتة اللي شفتها وأنا بلم حاجتي في كرتونة وطالعة مطرودة!” توفيق بيه قال بسرعة بلهفة: “حقك هيترد قدام الشركة كلها والمجتمع كله! بكرة الصبح هيكون في بيان رسمي مطبوع ومختوم بيكذب كل شائعة ويمجد في إخلاصك، وهيترفع على موقع الشركة وكل الجرايد! ومش بس كده.. أنتِ من بكرة هتمسكي منصب مدير قسم الحسابات والمبيعات براتب ثلاثة أضعاف مركبك القديم، والشركة هتتكفل بكل مصاريف بناتك الدراسية!” وقفت أسمع الكلام ده، وعيني راحت على شريف ومصطفى وسامح وهما مقبوض عليهم ومكبلين بالإيدين من أمن الشركة ومسحوبين على السلم عشان يتسلموا للشرطة والنيابة، وكل الموظفين في الممرات واقفيين بيتفرجوا عليهم بنظرات القرف والشماتة، بعد ما الحق ظهر والباطل اتفضح قدام الكل. بصيت لتوفيق بيه وقلت بصوت هادي وثابت: “الرد الرسمي وعودة اعتباري قدام الكل ده حقي ومش تفضل منك يا توفيق بيه.. والنيابة العامة هي اللي هتاخدلي حقي الجنائي منهم في التزوير. أما منصب المدير.. فأنا هفكر فيه، لأن المكان اللي يفرط في شرف موظفيه بالسهولة دي، محتاج يراجع نفسه الأول.” سيبت القاعة وخرجت.. مشيت في نفس الممر اللي مشيت فيه من شهر وأنا مكسورة والخنجر في قلبي. بس المرة دي، كنت ماشية ورأسي مرفوعة للسما، خطوتي تهز الأرض، وكل الموظفين اللي كانوا بيتهامسوا عليا زمان واقفيين على الجانبين بيبصولي باحترام وإجلال. وقفت جنب هبة اللي كانت واقفة بعيد بتعيط من الفرحة، حضنتها بقوة وقلت لها بصوت مليان دموع الفرح: “ربنا ما بيضيعش حق حد يا هبة.. ربنا المنتقم الجبار.” خرجت من باب الشركة الخارجي، والشمس كانت ساطعة في السماء بتدفيني. اتنفست الهوا النظيف لأول مرة من شهر كامل، وركبت عربيتي وأنا حاسة إن روح ردت فيا من جديد. ووصلت شقتي، فتحت الباب، ولما بناتي الصغيرين جراوا عليا وحضنوني، اترعشت من الفرحة وضمتهم لصدري وأنا ببتسم وبقولهم: “خلاص يا حبايب مامي.. الحق ظهر، وأمكم رأسها تفضل مرفوعة طول العمر.” “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”