حكايات انجي الخطيب 1
كل خطوة كنت أخطوها نحو الصالة كانت تقربني من الحقيقة التي طالما هربت منها. وقفت عند زاوية الممر، أسترق النظر والذهول يعقد لساني، كانت الصدمة أكبر من أن يستوعبها عقلي في تلك اللحظة. لم تكن الست التي دخلت امرأة غريبة أو عاشقة خفية كما صور لي عقلي الخائف.
.. كانت والدته، حماتي، وبجوارها فتاة صغيرة لم تتجاوز الثامنة من عمرها، ترتدي ثيابًا مُمزقة وبشعة، وعيناها تلمعان بخوف شديد، وبشرتها مليئة بجروح وخدوش تتشابه تمامًا مع الخدوش التي رأيتها على صدر كريم!وقفت مشدوهة، وسقطت هدوم كريم من يدي دون أن أشعر.
في تلك اللحظة، خرج كريم من الحمام مسرعًا وهو يلف حول وسطه منشفة، ووجهه شاحب كالموتى. النظر بين كريم ووالدته والطفلة كان كافيًا ليرسم ألف علامة استفهام. قالت حماتي بصوت جاف وهي تمسك بيد الطفلة بقوة: “كريم.
.. الموضوع خرج عن سيطرتنا، البنت كانت هتموت مننا النهاردة، والشرطة لو عرفت بحالتها مش هنسلم.”اتسعت عيناي، ونظرت إلى كريم وقلت بصوت محشور في حلقي: “مين دي يا كريم؟ وإيه اللي بيحصل في بيتي؟ وإيه الخرابيش اللي في جسمك وفي جسم البنت دي؟
“التفت كريم إليّ، وازداد التوتر على وجهه، بلع ريقه وصاح في أمه: “أنا مش قلتلك متجيش هنا دلوقتي؟! إنتي بتدخليها البيت ليه وإنجي هنا؟!”ردت الأم بغضب وهي تجلس الطفلة على الأريكة بحذر: “أروح فين يعني؟!
أبوها أسبوع ومش باين، والبنت حالة الهياج اللي بتجيلها بتزيد، الخرابيش اللي في صدرك دي مجرد بداية، البنت دي لما بتقفل عليها الأوضة بتبهدل الدنيا، ولا نسيت إنت أكلت ض. رب إزاي عشان تثبتها الصبح؟!”تراجعت خطوة إلى الخلف، وأنا أحاول ربط الخيوط ببعضها.
أردفت بصوت يرتجف: “أبوها مين؟ وبنت مين دي؟ هو إنتوا مخبيين عني إيه؟”اقترب كريم مني بهدوء، وأمسك بكتفيّ، وكانت يداه ترتجفان بشكل غير طبيعي. قال: “إنجي… اهدي وركزي معايا. دي مريم… بنت أخويا طارق.”انقطعت أنفاسي. طارق أخوه المتوفي منذ سنوات؟
كيف يكون لها بنت في هذا السن ولم يعلم أحد بوجودها؟قلت باستنكار: “طارق؟! طارق مات من أربع سنين! البنت دي طلعت منين؟ وليه عمرك ما ذكرت لي إن ليه بنت؟ وليه شكلها عامل كده؟
“تنهد كريم بنفاذ صبر ونظر إلى الأرض، بينما تولت حماتي الكلام بصوت مليء بالحسرة والحدادة: “علشان طارق الله يرحمه كان متجوز سر من واحدة مريضة نفسيًا، وبعد ما ما. ت، البنت عاشت مع أمها في مكان مقطوع.