شقتي 2

“وصابر؟” سألت بصوت واطي جداً، صوت يرعب من كتر ما هو ميت.
سحبت نفس طويل، ورجعت ضهري للورا: “صابر ده الراجل اللي أمك كانت بتحبه قبل ما تتجوز أبويا غصب عنها. الراجل اللي مشي وسابها، ولما حملت فيكي، أبويا اتجوزها وهي في الشهر التاني… وستر عليها وعليكي، بس السِتر ده تحول لسم مشي في عروق البيت كله. أمك ماتت بالسر، وأبويا بيصارع الموت في المستشفى برضه بالسر… وأنا أكلت نار السر ده لوحدي تلاتين سنة.”
مي فضلت قاعدة على الأرض، ما نطقِتش. كان شكلها زي عروسة لعبة اتفتحت سوستتها وانفض منها القطن كلّه. الهيبة اللي كانت داخلة بيها، الكبرياء، الدلع اللي كان بيفور من كلامها… كل ده اتنسح في ثانية.
وفجأة، الموبايل رن تاني في جيبي.
المرة دي مش عمي فتحي… المرة دي كانت دكتورة من المستشفى، رقم الأرضي بتاع العناية المركزة.
رديت وحطيته على السبيكر من غير ما أفكر.
“أستاذ مجدي؟” صوت الدكتورة كان مستعجل ووراه صوت أجهزة القياس بتزمر بشكل متسرع ومجند.
“أيوه يا دكتورة.”
“الحالة بتاعة والدك تدهورت جداً… الجلطة أثرت على جذع المخ، والضغط بيقع. هو حالياً في لحظاته الأخيرة… وكان بيفوق لثواني يكرر اسمين بس: مجدي… ومي. لو حابين تلحقوا تشوفوه قبل ما الأجهزة تقف، تعالوا فوراً.”
الخط قطع.
صوت الزفير المتسرع من الموبايل اتقطع، ورجع السكون المرعب يملأ خمس أوض فاضيين.
مي رفعت رأسها بصت لي. عينيها كانت مليانة أسئلة مرعبة: هنروح؟ هنبص في وشه إزاي؟ هنقوله إيه وهو بيموت؟ هل نسامحه إنه كدب علينا، ولا نكرهه إنه دمرنا؟
قمت وقفت، ومديت إيدي ليها.
“يلا يا مي…” قلتها وأنا ببص للمفتاح الذهبي بتاع الشقة اللي كان محطوط على الترابيزة: “… اللعبة بتخلص خالص دلوقتي. وواجب علينا نروح نقفل الدفتر.”
مسكت إيدي، وقامت بالعافية وهي بترتعش… وخرجنا من الشقة، وسبنا الباب مفتوح على وسعه.
وصلنا المستشفى والشمس بتشق سماء القاهرة بنور خفيف بارد، الريحة هناك كانت خليط من المطهرات والرهبة، الصوت الوحيد اللي مالي الدور هو صوت أجهزة العناية المركزة اللي بتزمر بنغمة بطيئة ومقطوعة.
دخلنا الأوضة. أبويا كان نايم على السرير، الأجهزة متوصلة بجسمه من كل ناحية، وش الراجل اللي كان بيهز البيت بصوته بقى انكمش وشاحب كأنه القماش الدايب. عينيه كانت نص مفتوحة، بتدور في السقف بقلة حيلة.
أول ما خطينا جوة، عينيه ثبتت علينا.
عمي فتحي وحسام جوز مي كانوا واقفين في زاوية الأوضة زي الأشباح، محدش فيهم اتجرأ ينطق ولا حرف. السر كان زي الغاز المفخخ، أي كلمة غلط ممكن تفجر المكان كله.
مي قربت من السرير ببطء شديد، رجليها كانت بتتسحب كأنها شايلة جبل. وقفت جنبه، بصت في وشه، ودموعها بتنزل من غير صوت… ما بقاش في عينها غضب، كان فيه بس أسئلة كتيرة مالهاش إجابات، وكسرة أمل عمره ما هيرجع.
أبويا رفع إيده اليمين بالعافية، صوابعه المرتعشة كانت بتدور على إيد مي.
“مي…” طلع الصوت منه مكسور، زي خشبة بتتحرق: “سامحيني… يا بنتي.”
مي بصت لي بقلة حيلة، عينيها بتترجاني أقولها تعمل إيه. في اللحظة دي، شفت في عيون أبويا حاجة عمرها ما ظهرت قبل كده… شفت الخوف الحقيقي، الخوف من إنه يخرج من الدنيا وهو عريان من كل الأوهام اللي عاش يبنيها.
قربت من الناحية التانية من السرير. مسكت إيده التانية اللي كانت ساقطة جنبه.
“أنا مسامح يا بابا…” قلتها بنبرة هادية جداً، خرجت من أعماق قلبي بعد ما النار اللي كانت جوايا انطفت: “… مسامحك على تعبي، وعلى الأيام الضيقة، وعلى كل جثة سر عشت شايلها لوحدي. والسر ده… هيموت هنا، في الأوضة دي، ومش هيخرج منها أبداً.”
أبويا بص لي، عينيه وسعت، وشفت فيها دمعة حقيقية بتنزل على خده. كان فاكر إني جاي أنتقم، بس أدرك في لحظته الأخيرة إني كنت الحماية الحقيقية للبيت ده، مش السور المايل اللي كان خايف منه.
نزل بصره لمي، وضغط على إيدها بآخر ما فاضل فيه من قوة: “أنتِ… بنتي… أنتِ مي…”
مي انهارت، قعدت على ركبها جنب السرير ومسكت إيده باستها وهي بتنتحب: “بنتك يا بابا… بنتك.”
الأجهزة بدأت تزمر بصوت متصل وطويل. الخط المستقيم ظهر على الشاشة، وأنا فضلت ضاغط على إيده لحد ما بردت تماماً.
بعد الجنازة بأسبوع، الشارع تحت كان هادي.
كنت واقف في البلكونة الكبيرة بتاعة شقتي الجديدة، ماسك كوباية الشاي، وببص على الشارع. الريسبشن ورايا كان مالي النور، الخمس أوض فاضيين، بس المرة دي الفراغ ما كانش بيخوف… كان مليان راحة.
سمعت صوت خبط خفيف على الباب.
فتحت. كانت مي.
كانت لابسة أسود، وشها هادي بس فيه نضج جديد عمره ما كان عندها. ما كانش معاها جوزها ولا عيالها.
“اتفضلي يا مي.” قلتلها وأنا بوسع لها الطريق.
دخلت بهدوء، مشيت في الريسبشن وبصت للشباك الكبير، وبعدين تلفـّتت لي وقالت بصوت خالي من أي طمع: “أنا جاية أرجعلك دي…”
مدت إيدها، وكانت ماسكة الورقة القديمة بتاعة السيدة زينب… الورقة اللي أنا كنت حاططها في المصحف، والشركة اللي سابتها أمنا.
“جبتيها منين؟” سألتها بفضول.
“لقيتها في الكومودينو بتاع بابا بعد ما مات…” ابتسمت ابتسامة خفيفة مكسورة: “بابا كان محتفظ بيها طول السنين دي… كان بيقرأها كل ليلة عشان يفكر نفسه بالحقيقة، ويحاول يهرب منها بالدلع اللي كان بيديهولي.”
مسكت الورقة منها، وبصيت فيها لثواني. وبعدين، طلعت الولاعة من جيبي، وولعت في طرف الورقة.
فضلنا واقفين بنتفرج عليها وهي بتتحول لرماد في أيدي، لحد ما رميت الجزء الاخير منها في أشتراي الرخام.
“كده السر مات بجد يا مي…” قلتلها وأنا ببص في عينها: “أنتِ أختي… غصب عن أي ورق، وغصب عن الماضي كله. بس الشقة دي… الشقة دي تعبي، وبيتي اللي بنيته بعرقي.”
مي هزت رأسها بالايجاب، ودمعة واحدة نزلت على خدها: “عارفة يا مجدي… وأنا مش عايزة غير إنك تكون مرتاح. الشقة دي بتاعتك، وأنت تستاهلها أكتر من أي حد.”
سلمت عليّ، ومشت.
قفلت الباب وراها، ولفيت دورت دورات المفتاح الكاملة في القفل. مشيت لحد نص الريسبشن، وقفت في النور المالي المكان، وشديت نفس طويل جداً… نفس حر، ما فيهوش تقسط، ولا فيه سر، ولا فيه خوف من بكره.
لأول مرة في حياتي… حسيت إني في بيتي.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *