عزومة اخويا 2

وصلنا للعنوان بعد طلوع الشمس بساعة… قرية هادية، وبيوتها قديمة.
سألنا عن “بيت العيلة بتاع نادية”، لحد ما دلنا راجل كبير على بيت مبني بالطوب الأحمر ومحاط بسور عالي.
وقفت قدام الباب الحديد الضخم، وإيدي بترتعش وأنا بمدها عشان أضرب الجرس.
حسن كان واقف ورايا بيلهث من القلق.
بعد دقائق… الباب الحديد اتفتح بصوت صرير حاد.
وظهرت وراه ست في الخمسينات من عمرها، وشها فيه ملامح هادية بس مليانة حزن قديم.
أول ما بصت لوشي… عينيها اتوسعت بذهول، وراجعت خطوة لورا وقالت بصوت متفاجئ:
“أنتِ… أنتِ مراته؟”
قبل ما نطق، طلع من وراها صوت راجل شاب في العشرينات من عمره، جه بسرعة وقال:
“مين يا أمي؟”
بصيت للشاب ده… واتسمرت في مكاني.
الشاب كان شبه جوزي الله يرحمه… بشكل يقطع النفس!
حسن شهق بصوت واطي ومسك في ذراعي، والست أيدها اترعشت ومسكت في الباب وقالت بصوت مخنوق:
“توفيق وصلكم ليا… ولا أنتِ جاية تاخدي الأمانة اللي جوزك سابها معايا قبل ما يموت؟”
وقفت مكاني والدم اتجمد في عروقي. بصيت للشاب ده، الملامح هي الملامح، نفس رسمة العينين ونفس التفاصيل اللي عشت معاها أحلى أيام حياتي. قلبي كان بيدق بعنف، ودماغي رافضة تستوعب المشهد.
الشاب بص لنا باستغراب وقال لأمه:
“مين دول يا أمي؟ وفي إيه على الصبح كده؟”
الست “نادية” مسكت في إيده بخوف، وبصت لي وعينيها مليانة دموع مشهودة. قربت منها خطوة، وصوتي خرج مخنوق ومش طالع بالعافية:
“مين ده يا نادية؟ والشبه ده جه منين؟ جوزي الله يرحمه كان مخبي عليا إيه تاني غير العمارة والشركة؟”
حسن أخويا جرى عليا ومسكني من كتفي وهو مرعوب عليا من الصدمة، ونادية اتنهدت تنهيدة طويلة ومسحت دموعها بسرعة وقالت:
“ادخلوا… ادخلوا من على الباب، الجيران بدأت تتفرج علينا. الكلام اللي لازم يتقال ما يتقالش في الشارع.”
دخلنا جنينة البيت القديم وقعدنا في صالة واسعة أثاثها قديم ومترب. الشاب دخل المطبخ يجيب مية، وأول ما اختفى من قدامنا، نادية بصت لي وقالت بصوت مكسور:
“والله العظيم يا أم أحمد… اللي في بالك ده مش صح خالص! جوزك الله يرحمه عمره ما خانك ولا اتجوز عليكِ. الشاب ده… يبقى ابن أختي أنا!”
حسن اتنفس الصعداء بصوت عالي، وأنا بلعت ريقي وقلت لها بتلعثم:
“ابن أختك؟ أومال الشبه المرعب ده جه منين؟”
نادية سكتت لحظة، وبصت لحسن وبعدين بصت لي وقالت:
“أختي الله يرحمها كانت جوزها يبقى ابن عم جوزك الله يرحمه! العيلة أصلها واحد والشبه متوارث. بس مش ده المهم ديلوقتي… المهم إنكم وصلتوا هنا، وده معناه إن توفيق أخويا بدأ يلعب كروته الأخيرة، صح؟”
حسن اتكلم بلهفة وصوته طالع بالكتف:
“أيوة يا أستاذة نادية! توفيق جايلنا وبيهددني بالسجن، وبيقول إن العمارة هتتباع في المزاد، وباقي على المهلة اللي إداهاني كام ساعة بس! هو مفكر إن المستندات الأصلية معاكي، وجاي عشان يمسح أثر أي تنازل عمله زمان.”
نادية ابتسمت ابتسامة سخرية مريرة، وقامت وقفت وراحت ناحية برقع قديم متعلق على الحيطة، أزاحته وفتحت خزنة حديدية مدمجة في الحيطة نفسها. طلعت منها ملف أصل صلب، مغلّف بشمع أحمر ومربوط بحبل رفيع. حكايات رومانى مكرم
جت وقعدت قصادنا، وحطت الملف على الترابيزة وقالت بثبات:
“توفيق أخويا طماع من يومه… ومن يوم ما جوزك اتوفى وهو بيدور عليا في كل مكان عشان ياخد الملف ده ويحرقه. جوزك الله يرحمه كان قاري أفكاره صح، جه لحد هنا قبل الحادثة بأسبوع، حط الأوراق دي في الخزنة دي، وقال لي: ‘يا نادية… توفيق هيحاول ياكل حق ولادي وحق حسن أخو مراتي. الورق ده أمانة عندك، ما تتسلمش غير لمراتي هي وبس لما تجي لك بنفسها’.”
مسكت الملف بإيد بتترعش. فكيت الحبل وشلت الشمع، وبدأت أفر في الورق.
كان فيه عقد التنازل الأصلي من توفيق عن حصته في الشركة والعمارة مقابل مبالغ كان استلمها كاش ومكتوب فيها توقيعه وبصمته. وكان فيه أصل عقود الملكية باسمي وباسم ولادي، بالإضافة لمستند خطير جداً… إقرار بخط إيد توفيق بيعترف فيه باختلاسه مبالغ مالية ضخمة من أرباح الشركة!
حسن بص للورق وعينيه دموعها نزلت من الفرحة:
“الحمد لله يا رب… الورق ده يودي توفيق في داهية! يثبت إن تنازله قانوني مية في المية، وإن البلاغ اللي بيهددنا بيه تزوير منه هو!”
بس نادية حطت إيدها على الملف وقالت بنبرة تحذير مرعبة:
“ما تفرحش قوي يا حسن… توفيق مش غبي. توفيق مش مستني منكم تسلموه الورق بالطريقة الدبلوماسية. توفيق مراقب تليفونك يا حسن!”
حسن اتسمر في مكانه وشهم:
“مراقب تليفوني؟”
نادية كملت كلامها وهي تبص من شباك الصالة للخارج بخوف:
“أول ما اتصل بيك الصبح وقال لك على الخزنة… هو ما كانش عارف العنوان، هو كان بيضغط عليك عشان تتحرك وتبحث عنه وتدله عليه! وأنا متأكدة إنه مشي وراكم من أول ما خرجتم من البيت!”
وفجأة… وقبل ما نستوعب الكلمة، سمعنا صوت فرامل عربية قوية جداً برة الشارع، خبطت في السور الخارجي للبيت!
وبعدها بثواني… صوت خبط هستيري وعنيف على الباب الحديد، وصوت توفيق بيصرخ بصرخة مليانة شر وغضب:
“افتحي يا نادية! افتح يا حسن يا خاين! فاكرين إنكم هتهربوا مني بالورق؟ والله لو ما خرجتمش بالملف ديلوقتي… لأحرق البيت ده باللي فيه والنيابة مش هتلاقي جثة حد فيكم!”
حسن اتنفض ورجع لورا، وأنا حضنت الملف في صدري بقوة…
الوقت خلص، وتوفيق بقى على الباب، والسر القديم أتحول لمواجهة حية ومباشرة بين الحق والباطل.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *