انا ارملة

— جرى إيه يا طارق؟ إنت بقيت تمشي ورا كلام مرتك وتنسى أمك اللي ربتك؟ هي كلمة الفلوس أثرت عليك للدرجاتي؟
طارق بص لشيرين بغضب:
— شيرين! خدي أمك وانزلوا فوراً، الكلام معايا أنا مش مع نادين.
حماتي بصتلي بصلابة وقالت وهي بتلم المنظفات بغل:
— ماشي يا طارق.. اخترت الست على أمك. بكرة تلف الأيام وتعرف إن اللي ملهاش خير في أهل جوزها ملهاش خير فيك. وعزة جلال الله ما أنا دخلالك البيت ده تاني، ولا أنت ابني ولا أعرفك لو فضلت على الذمة دي!
نزلت حماتي وشيرين ورزعوا الباب وراهم بأقوى ما عندهم، والهدوء المسموم رجع للشقة. طارق وقف مسنود على الحيطة، حاطط إيده على وشه وبيتنفس بصعوبة، وأنا واقفة في نص الصالة، الكلمات بتتردد في ودني: “مخلفتلكش حتة عيل”.. “نقش الحنة”.. “اخترت الست على أمك”.
بصيت لطارق، ومسحت دموعي بهدوء شديد. دخلت الأوضة وبدأت أفتح الدولاب وأسحب شنطة السفر.
طارق جري ورايا ومسك إيدي بلهفة:
— نادين! بتعملي إيه؟ أنا وقفت قدام أمي عشانك! أنا رديت عليها وجبت لك حقك! ماشية ليه دلوقتي؟
رفعت عيني فيه، وقلت له بصوت هادي تماماً خالي من أي انفعال:
— إنت وقفت يا طارق، بس بعد ما الإهانة وصلت لبيتي وكرامتي وعرضي.. أمك عايرتني بالخلفة اللي هي بإيد ربنا، وشككت في أصولي، وقالت لك إنك بايعني عشان القرشين اللي بقبضهم. إنت موقفتش الموقف ده من البداية لما قالت لك (ورجلها فوق رقبتها)، سيبت الموضوع لحد ما جابت المقشات ودخلت عليا بيتي!
طارق مسك الشنطة بيحاول يمنعني:
— يا نادين أرجوكي، أمي عصبية وكبيرة في السن، وأنا اتصرفت وحميتك، بلاش تهدّي البيت في لحظة غضب!
— البيت اتهد خلاص يا طارق من اللحظة اللي سمحت لأمك تتطاول عليا فيها وما حطيتش حدود صريحة من الأول. أنا محتاجة أبعد وأفكر.. محتاجة أعرف هل أنا متجوزة راجل يقدر يحميني ويحمي كرامتي بجد، ولا راجل بيصحى على الهبد على الباب وينتظر لما الكرامة تتقطع حتت عشان ينطق؟
سحبت الشنطة وقفلتا، وطارق واقف مش قادر يوقفني، بين ناره على أمه اللي حلفات ما تخش بيته، وبين زوجته اللي حاسة إن كرامتها اتذبحت. نزلت من الشقة وركبت عربيتي، ودموعي نازلة بأسى على سنتين هدوء اتمسحوا في لحظة.
وصلت بيت أهلي، وأول ما فتحت أمي الباب وشافت الشنطة ووشي الأصفر، شهقت. حكيت لها ولأبويا كل حاجة من الألف للياء. أبويا اتنفض من مكانه وقال بصوت جهوري:
— بكرة الصبح طارق يجيلي هنا، واللي حصل ده مش هيعدي بالساهل. بنتي مهندسة ومحترمة وما يتقالش عليها الكلام ده ولا تتهان في بيت جوزها!
في الناحية التانية، كانت العمارة كلها بتتكلم. حماتي نزلت تحت لمّت العمات والخالات وعملت قعدة عرب، وبدأت تطلعني بالصورة السيئة: “الست الموظفة المتكبرة اللي شايفانا شحاتين، وبترفض تنظف بيت حماتها، وبتطردنا من بيتها”. وبدأ التليفون يرن من قرايب طارق، كلهم بيضغطوا عليه: “لازم تطلقها.. دي ست مابتصونش العافية وتتأنعر عليك بمرتبها!”.
طارق بقا بين نارين.. أمه حاطة السيف على رقبته وبتقول له: “يا أنا يا هي في حياتك”، وأبويا مكلمه وقايل له: “حق بنتي يرجع قضا وعُرف، وإلا ورقتها توصلها”.
مرت 3 أيام وأنا في بيت أهلي، التليفون مابيقفش رن من طارق، بس أنا كنت رافضة أرد لحد ما يحدد موقفه. وفي اليوم الرابع، صحيت على تليفون من المستشفى.. صوت طارق كان مكسور وبيعيط بحرقة:
— نادين.. الحقيني.. أمي جتلها جلطة ونقلوها العناية المركزة، وهي بين الحياة والموت.. وبتقول إن السبب هو أنتِ والزعل اللي سببتيهولها!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *