(الجزء الثالث والأخير) الكلمة طلعت من لسان هبة سلفتي، كأنها قنبلة ودخلت فرقعت في الصالة الكبيرة. مكنش صوتها عادي، كان صوت واحدة كانت مخنوقة وبتغرق تحت المية بقالها شهور وفجأة خدت نَفَسها غصب عن الكل. الصالة كلها اتخرست، حتى تكتكة الساعة القديمة المعلقة فوق النيش على الحيطة بقت مسموعة وبتدق في نفوخ كل واحد فينا تكة ورا تكة زي المرزبة. جوزها، اللي هو أخو جوزي الكبير واسمه رجب، كان واقف مشبرق إيديه وعروق وشه طالعة، بص لمراته بصة كأن شيطان طالع له من الأرض، وشه اتحول من اللون الأحمر للون المخطوف، وتنح فيها وهو مش مستوعب إن دي هبة اللي بتمشي جنب الحيط وتقول للحيطة استري عليا: — إنتي بتقولي إيه يا ولية إنتي؟! اتجننتي في عقلك ولا إيه اللي صابك؟ مين اللي إداكي، ومين اللي جابلك؟! هبة مهتزتش، دموعها نزلت على خدها بس رجليها كانت مغروزة في الأرض كأنها وتد، شالها كان واقع على كتفها وقالت وصوتها بيعلى ويوصل للكل: — بقول الحق اللي هيتحاسب عليه قدام ربنا يوم لا ينفع مال ولا بنون! السكر الأبيض التضيف اللي في دلابي مش من تمويني، وحماتي دخلت عليا بيه وقالت لي بالحرف الواحد: "خدي ده فكّي بيه زنقة عيالك وسلفتك أمها مغرقاها خير ومكرونة وسمنة ومش محتاجة حاجة".. وأنا خدته عشان مصدقاها، وطلعت لسارة كيسين مكرونة من درجي وقلت لها التلاتة الباقيين أول الشهر! ولما لقيت حماتي نزلت الشارع إمبارح تفضحها وتتبلى عليها وتقول عايزة تمد إيدها عليا، ضميري صحي.. أنا عيالي مش هياكلوا حرام، ولا هقبل إن لحم كتافهم يكبر على قهر ولية تانية وعلى شقى راجل غريب شقيان في شمسه! حماتي عينيها وسعت بطريقة ترعب، وشها جاب لون ميت مقطوع عنه النور، قامت مفزوعة من على الكنبة ولطمت على صدرها لطمة رنت في سقف الأوضة، وصرخت بصوت مسرسع: — اخص عليكي يا ناكرة الجميل! اخص عليكي يا واطية يا بت الخدامة! ده جزاتي إني بستر عليكي وبشيل عن بيتك لما جوزك بيقصر معاكي؟! ده جزاتي إني بديكي من خير البيت عشان متمديش إيدك للغريب؟! جاية ترمي بلاكي عليا وتشهّدي عليا الرجالة وتطلعي عجوزتي كدابة عشان خاطر المحروقة دي؟! هنا أبويا، راجل على قد حاله بس كلمته في بلده توزن بلد، اتكأ على عكازه ودق بيه على البلاط دقة واحدة خلت حماتي تبلع باقي كلامها وترجع لورا خطوة. أبويا تنحنح، وبص لحمايا اللي كان قاعد في صدر القعدة وشه نازل في الأرض من الخزي والعار: — يا حاج إبراهيم.. إحنا دخلنا بيتك وناسبناكوا على سنة الله ورسوله، وقلنا ناس صاينة الأصول، وبنتي دخلت شقتكم بأدبها وتربيتها، لا عمرها مدت إيدها لحاجة مش بتاعتها ولا عمرها نقلت كلمة برة عتبة بابها. أنا راجل على المعاش، بنزل من ستة الصبح أقف في طابور الجمعية، وألف على رجلي عشان أجيب قرشين بالحلال أساعد بيهم بنتي في الغلا اللي إحنا فيه، لما أشيل أكياس سكر وبرطمان سمنة بلدي جايبه من بلدنا من شقى أبويا وأمي وأديه لبنتي عشان تسد جوع عيالها، تقوم الحاجة تاخده من بيتها بالحيلة، وتفرقه على مزاجها، ولما بنتي تسأل عن حقها تطلع في الحارة تسود سمعتها وتقول دي بنت مش متربية وعايزة تضربني بالشبشب؟! هو ده الأصل اللي اتعلمتوه في بيوتكم؟! حمايا الحاج إبراهيم كان وشه في الأرض، راجل طول عمره في حاله ومبيحبش وجع الدماغ، ومسلّم الحبل كله لمراته تسرح بيه زي ما هي عايزة في البيت، بس المرة دي كانت الفضيحة قدام إخواته الاتنين، عمام جوزي، والحارة كلها كانت على وشك تسمع لو الصوت علي أكتر من كده. رفع حمايا راسه، وبص لحماتي بنظرة عمري ما شفتها في عينيه طول سنين جوازي: — اطلعي هاتي السكر يا هبة. قالها بصوت واطي ومكتوم، صوت عامل زي الرعد اللي بيتحضر في بطن السما. رجب جوز هبة اتنتر: — يا با متسمعش كلام الستات.. قاطعه حمايا بصوت جهوري رج البيت كله: — اخرس واقطع لسانك! الكلمة دي تتقال لراجل بيحكم بيته مش لواحد مراته بتلف وتدور وراه وأمه بتوزع حقوق الناس على كيفها! اطلعي يا هبة هاتي اللي عندك، ولو حتة ملح مش بتاعتكم تنزل هنا على الطربيزة دي حالاً! هبة طلعت تجري على السلم، ومفيش دقيقتين وكانت نازلة وفي أكياس السكر الأبيض، كانت لسه مربوطة بربطة المحل زي ما أمي جابتها، مكتوب عليها اسم التاجر اللي في منطقتنا والتاريخ بتاع تعبئة الأسبوع اللي فات. حطت الأكياس على الطربيزة اللي في النص بين الرجالة. أمي طلعت من شنطتها ورقة صغيرة كانت مطبقة في جيب جلابيتها، رمتها جنب السكر وقالت: — ودي فاتورة الحاجة من عند الحاج فتحي البقال اللي جنب محطة القطر في بلدنا.. بصوا في التاريخ وبصوا في الوزن.. بنتي متشتريش من بقال الحارة سكر من ده، ده سكر شركات أبيض جاي من عندنا، عشان مفيش حد يقول ده كان بتاع البيت والولية بتدعي بيه! لمحة نيوز الرجالة كلهم، عمام جوزي الاتنين، بصوا لبعض وهزوا راسهم بأسف وقرف. عم جوزي الكبير، الحاج عطية، راجل له هيبة ودقنه بيضا، بص لحماتي وقال: — لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. والله عيب في حق شيبتك يا أم رجب. توصليها لكده عشان شوية سكر ومكرونة؟ توصليها إنك تفرقي بين سلايف، وتكسري بخاطر ولية غريبة، وتطلعي في الشارع تبهدلي في سمعة مرات ابنك اللي شايلاكِ وشايلة بيتك؟ فين مخك؟ وفين خوفك من ربنا وإنتي رجل جوة ورجل برة؟! حماتي حست إن الأرض بتتسحب من تحت رجليها، الحبل اتلف حوالين رقبتها خلاص، والكدبة اللي بنتها في ثانية اتهدت فوق دماغها. بدل ما تعتذر، كبرها الخبيث خدها لسكة تانية.. رمت نفسها على الكنبة وفضلت تنهج وتفرك في صدرها: — آآآخ يا قلبي.. الضغط علِي.. هتموتوني في بيتي.. هاتولي الدكتور، الحقني يا رجب، الحقني يا ابني بيتبلوا على أمك وعايزين يقضوا عليها! زمان، الحركة دي كانت بتجيب نتيجة، كانت بتعملها كل ما تزنق في ورطة، فكل الناس تتخض ويقولوا "خلاص يا حاجة حقك علينا المهم صحتك"، لكن المرة دي، محدش اتحرك شبر من مكانه. حتى رجب ابنها، كان واقف مسمر باصص للأرض وعينيه بتطق شرار وخزي. وهنا، جوزي اللي كان ساكت ومكتوم من الصبح ومستحمل الوجع في قلبه، اتحرك. قرب من الطربيزة، مسك أكياس السكر وحطها جوة الشنطة مع أمي وأبويا، وبعدين لف لحماتي وبص لها في عينيها. كانت أول مرة أشوف جوزي بيبص لأمه بالنظرة دي، نظرة ابن اتكسر من أكتر حد كان مفروض يرفعه. قال بصوت هادي، بس هدوءه كان يرعب أكتر من أي صريخ: — يا أمي.. أنا طول عمري شايلك فوق راسي، وبقول أمي ست كبيرة، ولو جت عليا وعلى مراتي أقول معلش يا سارة سامحي عشان خاطر الجنة تحت رجليها. لكن إنك تستحلي شقى حمايا، وتستكتري اللقمة على عيالي، وتنزلي الشارع تفرجي عليا الحارة وتمرمغي كرامتي وكرامة مراتي في التراب عشان تكيدي فيها وتراضِي غيرها؟ لا يا أمي.. لحد هنا وخلاص. حماتي رفعت عينها بزهول: — إنت بتبيع أمك عشان مراتك يا محمد؟! رد عليها بحرقة قلب: — أنا مبعتش أمي، إنتي اللي بعتيني برخيص يا حاجة.. صغرتيني قدام عمامي وإخواتي، وخليتي عيون الناس في الشارع تبص لمراتي بنظرة مش نظيفة، وإنتي عارفة إنها أشرف من الشرف ومبتغلطش فيكي. من اللحظة دي يا أمي، سارة مالهاش دعوة بيكي، شقتي دي حيطة وسد مقفولة عليها وعلى عيالها، لا هتنزل تخدم ولا هتدخل شقتك تاني، واللي ليه عندي حاجة يجيلي أنا.. وكرامة مراتي لو اتهانت بكلمة تانية برة الباب ده، أنا اللي هسيب البيت كله بالعمارة ومش هتشوفوا وشي تاني! الكلمة نزلت على حمايا وعلى الصالة كلها زي المرزبة. حمايا وقف وقال بصوت قاطع: — حقك عليا أنا يا حاج.. وحقك عليا إنتي يا بنتي في راسي من فوق. قرب حمايا وباس راس أبويا، وبص لي وقال: — إنتي بنتي، وغلطة أم رجب مردودة في رقبتي أنا.. ومن بكرة اللي يفتح بقه بكلمة في الحارة دي لسانه هيتقطع، وسارة شقتها ملكها محدش يطلب منها قرش ولا خدمة، ومن النهاردة خزين شقتك يجيلك لغاية عندك من تحت إيدي أنا شخصياً.. امسحيها في وشي يا بنتي. أبويا بص لحمايا وقال بنخوة: — إحنا مش بتوع خزين ولا بتوع سكر يا حاج إبراهيم، إحنا اللي يهمنا الستر والكرامة، واللقمة الحاف بعزة نفس تدفن في التراب كنوز مال الأرض لو وراها مذلة. بنتي هتروح معايا تقعد في بيت أبوها أسبوعين تشم نفسها وترتاح نفسيتها، ومحمد جوزها يجي ياخدها لما النفوس تهدى والكل يعرف مقامه. جوزي مقالش لأ، هز راسه بالموافقة وهو باصص لي بعين كلها رجاء واعتذار: — خدي راحتك يا سارة.. اللي أنتي عايزاه هيتعمل، وبيت أبوكي على راسي من فوق. سلفتي هبة وقفت على جنب، وكانت بتبص لي وعينيها فيها دمعة ندم، بس في نفس الوقت ارتاحت إنها نطقت بالحق. عديت جنبها وطبطبت على كتفها بالراحة، ومقلتش حاجة، نظرة عيني كانت كفاية إنها تفهم إني عرفت إنها مكنتش وحشة من جواها، لكن الخوف والفقر وسيطرة حماتي هما اللي كانوا كاسرين عينها. طلعت شقتي، لميت هدومي وهدوم عيالي في شنطة سفر صغيرة. وجوزي جه ورايا، مسك إيدي وقعد على السرير ودموعه نزلت.. أول مرة أشوف دموع راجل في عمري، دموع قهر من أمه ومن الدنيا: — حقك عليا يا سارة.. متزعليش مني، أنا والله كنت بتعصر من جوة، بس مكنتش متخيل إن البجاحة توصل بيها لكده. رديت عليه وأنا بربط الطرحة: — أنا مش زعلانة منك يا محمد، أنا زعلانة من النفوس اللي مفيهاش رحمة.. وعشان خاطرك وعشان إنت وقفت وقفة رجالة ومرضيتش بالباطل، أنا مش هخرب بيتي، ولا هسمح لحد يشمت فينا.. هروح مع أمي وأبويا كام يوم أرد اعتباري قدام أهلي، وهرجع لبيتي ولعيالي، بس بحدود مفيش حد يتخطاها بعد كده. نزلت السلم، وأنا شايلة ابني الصغير وأمي شايلة الشنطة، وأبويا ماشي قدامي بعكازه رافع راسه في وسط الشارع. كانوا الجيران كلهم واقفين في البلكونات ومستنيين يشوفوا إيه اللي هيحصل، لأن حس الصريخ كان طالع، لكن شافوا أبويا خارج بابتسامة هادية وحمايا بيوصلنا لغاية تاكسي أول الشارع وهو ماسك في إيد أبويا وبيعتذر له قدام كل الناس في وضح النهار. ركبت التاكسي، وسندت راسي على الإزاز، وبصيت على العمارة اللي عشت فيها سنين من عمري.. حسيت بحمل تقيل أوي اتشال من على صدري. أمي حطت إيدها على ركبتي وقالت لي: — شفتي يا بنتي؟ الحق لما بيتحط على الطربيزة، الباطل مبيلاقيش مطرح يقعد فيه.. السكر رخيص، بس الأصول غالية أوي، ومحدش بيشتريها بالفلوس. ضحكت بمرارة وقولت: — ياما بهدلتنا الأيام، بس والله يا أمي ما يصح إلا الصحيح.. وربنا لما بيكتب لواحد براءة، بيبعت له الشاهد من قلب بيت الظالم نفسه. مرت الأيام، ورجعت شقتي بعد أسبوعين، بس رجعت واحدة تانية.. واحدة ليها باب مقفول عليها بالمفتاح، محدش يقدر يفتحه ولا حد يقدر يمد عينه على لقمة عيالها. وحماتي، قعدت في شقتها لوحدها، حمايا مابقاش يديها مصروف البيت زي الأول وخلاه في إيده هو، وهبة سلفتي خدت جنب ومبقتش تسمع كلامها زي زمان، وبقى البيت كله عارف مين اللي كلمته تتقاس ومين اللي عينه فارغة ويدور على خراب البيوت. والسكر اللي كانت عايزه تبلعه وتاكل تمنه، بقى غصة في حلقها كل ما تفتكره، تفهم إن شقى الناس الحلال لو دخل بيت بظلم، بيولع في أصحابه ويفضحهم قدام القريب والغريب. النهاية