بعد الفرح 1

وساعتها، وقف ابنك في مكانه تمامًا. مفتاح البيت كان لسه في إيده، وعينيه اتثبتت على المنظر اللي قدامه: مراته عروسة الأسبوع، قاعدة على الأرض تحت رجلينا، حواليها الميه والصابون وأدوات الباديكير، ومسكين رجل أخته بتدعكها.
الهدوء الغريب اللي حلّ في الصالة قطع كل الضحك والظرف اللي كنا فيه. نظرة ابني اتغيرت في ثانية؛ التحول من الابتسامة اللي كانت على وشه وهو داخل بيته لملامح ذهول وغضب مكتوم كان ينطق. مراته أول ما شافته، إيديها أترعشت والجمود حطّ عليها، رفعت رأسها ببطء وشافته، ووشها احمرّ بكسفة وخجل مش طبيعي، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي بفارغ الصبر عشان تطلع من اللي هي فيه، وفي نفس الوقت ميتة من الحرج إن جوزها يشوفها بالمنظر ده.
ابنك أخد نفس طويل، ودخل قفل الباب وراه بالراحة، بس القفلة كان ليها صوت يرن في البيت كله. اتكلم بصوت هادي جدًا، بس الهدوء ده كان أشد من العاصفة:
* هو إيه اللي بيحصل هنا؟
بنتك الكبيرة قامت تعدل قعدتها بسرعة، ومسحت رجلها في الفوطة وهي بتحاول تلطف الجو وتبان إن الموضوع هزار، وقالت بضحكة ارتباك:
* إيه يا حبيبي، حماتك وأخواتك بيجربوا خدمات العروسة الجديدة! بنهزر معاها وهي طيبة وبتقولنا على سر المانكير والباديكير بتاعها.
ابنك ما بصلهاش أساسًا، عينيه كانت نازلة لمراته اللي كانت بتحاول تقوم وتقف على حيلها بسرعة، إيديها بتترعش وهي بتمسح الميه من إيديها في هدومها، ومش قادرة ترفع عينها في عينه. قرب منها خطوتين، وبص للأدوات والميه اللي على الأرض، وبعدين بصلي أنا وبناته، وقال بصوت واضح وكلمات متقطعة:
* هو إحنا جايبين عروسة بيتها، ولا جايبين واحدة تخدم وتغسل أرجل؟
أنا اتعدلت في قعدتي، وحسيت إن الهيبة اللي كنت بحاول أفرضها من أول يوم ممكن تتهز لو سكت، فقلت بثبات وبابتسامة مشحونة:
* إيه يا بني مالك كبرت الموضوع ليه؟ إحنا بنهزر، وهي اللي عزمت علينا وشرحت لنا، وقالت حاضر من نفسها لما طلبنا منها، محدش غصبها على حاجة، ولا هي كبرت علينا؟
مراته كانت واقفة ورا جوزها مش بتتكلم، بس الدموع كانت اتجمعت في عينيها خلاص ومستنية لحظة عشان تنزل. ابنك بصلي ونظرته كان فيها عتاب وقسوة ما شفتهاش منه قبل كده، وقال:
* من نفسها يا أمي؟ عروسة بقالها أسبوع متجوزة، حاطينها تحت رجليكم تغسل وتعمل، وتقوليلي من نفسها؟ هي كانت هتقدر تقولك “لأ” إزاي وإنتوا كلكم قاعدين فوق رأسها وتطلبوا واحدة ورا الثانية؟ هي اتحرجت منكم، بس إنتوا ما حرجتوش سنها ولا قدرها!
بنتي الصغيرة اتدخلت بضيق وقالت:
* جرى إيه يا أخويا؟ ما تبقاش حساس أوى كده، إحنا أهلك مش أغراب، وهي مراتك يعنى زي أختنا، وبعدين هي اللي وافقت من الأول!
هنا ابنك انفجر بصوت واطي بس يرعب، بص لأخته وقالها:
* أختك؟ لو إنتِ في بيتك ودخلت وشفت حماتك وأخوات جوزك ممرغين كرامتك وقاعدين يخلوكي تغسلي رجليهم، كنتِ هتسميها هزار؟ ولا كنتِ هتقومي الدنيا وما تقعديهاش وتقولي بيستغلوني ويقللوا مني؟
البيت كله سكت. البنات بصوا لبعض وما حدش قدر يرد، لأن الكلمة جابت الخلاصة. مرات ابنك في اللحظة دي ما قدرتش تمسك نفسها، ودمعة نزلت منها بس مسحتها بسرعة وحاولت تتكلم عشان تلم الموقف وقالت بصوت متقطع وبحة خجل:
* خلاص يا حبيبي.. حصل خير.. هما كانوا بيجربوا معايا.. أنا اللي…
ابنك لف لها وبصلها بحدّة بس كان فيها حنية مجروحة، قطع كلامها وقالها:
* سكتي ليه لما اتدبستي؟ ليه ما قلتيش لأ؟ البيت ده بيتك، واللي ما ترضيهوش على نفسك ما تعمليهوش عشان ترضي حد حتى لو كان أمي وأخواتي! كرامتك من كرامتي، ولما تقعدي تحت رجلين حد، يبقى أنا اللي قاعد تحت رجليه!
الكلمة دي طعنتني أنا والبنات. حسيت إن خطتي إني أعرفها قيمتها وأكسر عينها من أول يوم انقلبت عليا، وإن ابنك بدل ما يسكت أو يقف معاها في السر، حط خط أحمر كبير قصادنا كلنا في وشنا بوضوح.
ابنك طأطأ وجاب جردل الميه والأدوات بإيده من على الأرض، وشالهم ودخل بيهم المطبخ، ورجع وقف في نص الصالة، بصلي وقال بنبرة هادية بس ماليها القرار:
* أمي.. على رأسي من فوق، وإخواتي على رأسي.. تنوروا البيت في أي وقت وتاكلوا وتشربوا وتتشالوا على الرأس.. بس شغل الاستعباد ومين يمشي كلمته على مين ده مش هيحصل في بيتي. مراتي مش خدامة عند حد، واللي يعوز يتظبط ويتدلع يروح بيته يعمل لنفسه، أو يروح كوافير، إنما مراتي خط أحمر.
بناتي بصلولي ومستنيين رد فعلي، وأنا كنت قاعدة حاسة إن الموقف كبر وشكلنا بقى وحش جدًا قصاد العروسة اللي كانت واقفة جنب جوزها، حاسة بحماية وضهر وقفت وراه، وعينيها اللي كانت مليانة قلق وتوتر أتحولت لنظرة اطمئنان، رغم الخجل اللي بياكلها.
قلت وأنا بقوم وبحاول ألم اللي باقي من كرامتي وكرامة بناتي:
* ماشية يا بني.. شكراً على القيمة اللي حطيتهالنا قصاد مراتك من أول أسبوع.. إحنا كنا فاكريننا أهل، بس واضح إننا كبرنا وعجزنا ومش عارفين الأصول.
ابنك ما اتراجعش، ولا حتى حاول يلطف الكلمة، بس قرب وباس إيدي وقال:
* إنتِ على راسي يا أمي، والأصول عارفها كويس، والأصول بتقول إن العروسة تتدلع وتتخدم في أسبوعها الأول، مش تنزل تحت الرجلين. اتفضلوا نوصلكم ولا تقعدوا تشربوا حاجة؟
الرد بتاعه كان قاطع، وما سابش لينا أي مساحة نكابر أكتر من كده. بناتي بدأوا يلموا شنطهم بسرعة ووشهم جاب ألوان، ومراته واقفه ساكتة، ما بتتكلمش بس عينها كانت بين الجرأة اللي أخدتها من جوزها والخوف من الستات اللي واقفين قدامها.
ونزلنا من شقة ابننا، وفي كل خطوة على السلم كان صوت خطواتنا يتقال فيه ألف كلمة، والبنات ماسكين نفسهم بالعافية من الغيظ والمفاجأة من رد فعل أخوهم، وأنا في عقلي براجع اللي حصل، وبفكر إزاي اللي خططت له عشان يبقى كارت ضغط عليها، أتحول في ثواني لدرس قاسي لينا كلنا..
خرجنا من العمارة والشارع كان هادي، بس جواه غليان مش طبيعي. بناتي كانوا ماشيين جنبي خطواتهم سريعة ووشوشهم حمرا من الغيظ، ومفيش واحدة فيهم قادرة تنطق بكلمة لحد ما بعدنا عن العمارة بشويتين. وفجأة بنتي الكبيرة وقفت في نص الشارع، ولفتلي وهي بتضرب كف بكف، وصوتها مخنوق من شدة الانفعال:
* شفتي يا ماما؟ شفتي ابنك عمل فينا إيه عشان خاطرها؟ بيطردنا بطريقة غير مباشرة! بيحرجنا قدام واحدة بقالها أسبوع معاه! بقى إحنا اللي كبرنا وعجزنا ومش عارفين الأصول؟ عشان طلبنا منها حجة بسيطة وهي اللي كانت موافقة ورجلها على دماغها!
ردت أختها الصغيرة بسرعة وهي بتتنفض من الزعل:
* والله العظيم أنا كنت حاسة إنها بتتمسكن لحد ما تمكن! شفتوا بصاتها للباب؟ كانت عارفة إن أخويا راجع، وكانت مستنية اللحظة دي بالذات عشان تعمل الشويتين دول وتخليه يدخل يلاقيها بالمنظر ده! لعبتها صح وخليتنا إحنا اللي شكلنا وحش وشريرين، وهو جيه بلع الطعم وجري يدافع عن سي الشيخة بتاعته!
أنا كنت ماشية ساكتة، بس جوايا كان بتغلي. الكلام كان بيمس كرامتي أنا قبل بناتي. أنا الأم اللي ربيت وسهرت وكبرت، يجيني ابني في بيته وأول أسبوع جوازه يقفلي الند بالند، ويقولي خط أحمر؟ الفكرة نفسها كانت بتاكل في صدري. بس في نفس الوقت، كان في جزء جوايا مدرك إننا استعجلنا، وإننا دخلنا الغشامة من أول يوم، بس كبريائي ما كانش سامحلي أعترف بكده قدام بناتي.
بصلتهم وقلت بنبرة مليانة حسم وغضب مكتوم:
* بس إنتِ وهي! مش عايزة أسمع صوت واحدة فيكم! إحنا غلطتنا إننا أديناها أكبر من حجمها، ودخلنا بيتها بقلب أبيض وفاكرينها زينا.. لكن واضح إن الهانم من تحت لتحت، وعرفتكوا كلكم حجمكم قدام أخوكم. بس وحياة كل كلمة قالها، الموضوع ده مش هيعدي بالساهل، وكرة الثلج دي لسه هتجيب عاليها واطيها.
رجعت البيت، والبيت كان كئيب وشكله يغم. القعدة اللي كنا مجمعين فيها الفرحة والضحك انقلبت لنكد. طول الليل ما جاليش نوم، كنت بقلب في السرير وأفكر في منظر ابني وهو شايل الجردل وبصات مراته اللي كانت مستخبية وراه. النظرة دي بالذات كانت حرقاني.. نظرة الست اللي حست إن جوزها اشتراها وباع أهله عشانها.
تاني يوم الصبح، البيت عندنا كان هادي زي المقابر. مفيش حد بيتكلم، والبنات قاعدين كل واحدة في أوضتها متغاظين. الساعة جت الضهر، وموبايلتي رن. بصيت في الشاشة، لقيت اسم ابني.
قلبي ضرب ضربة قوية، وما ردتش من أول مرة. سبته يرن لحد ما فصل، وبعدين رن تاني. في المرة الثانية فتحت السكة، وحطيت التليفون على ودني وسكت تمامًا، مستنية هو اللي يبدأ.
سمعت صوته، كان حاد وفيه بحة تعب، بس ما فيش فيه ندم:
* صباح الخير يا أمي.
رديت ببرود يقطع العرق والسلسال:
* أهلاً يا بني.. خير؟ في حاجة نسيناها عندك في البيت وأحنا مطرودين؟
تنهد نفس طويل وصوته واطي:
* يا أمي الله يهديكي، محدش طرد حد، وإنتِ عارفة إن البيت بيتك في أي وقت. أنا بتصل أطمن عليكِ وأعرف إنك مش زعلانة مني، بس في نفس الوقت كنت عايز أقولك كلمتين لوجه الله عشان نفتح صفحة جديدة ونعرف كلنا حدودنا.
قلتله وأنا بقعد على الكنبة وبصوتي كله قسوة:
* حدودنا؟ ما أنت حددتها يا سي دونجوان خلاص! قطعت لسان إخواتك وكسرت كلمتي قدام عروستك، وعرفت كل الناس إن أمك وإخواتك ملهمش لازمة عندك قصاد الست هانم! عايز تقول إيه تاني؟ جاية تعاتبني ولا جاية تديني بقية الدرس؟
ابني اتكلم بجدية شديدة وكلمات حاسمة:
* أنا لا بدي درس ولا بقلل منك يا أمي، إنتِ أمي وجزمتك فوق رأسي، بس مراتي مالهاش ذنب في أي رواسب أو حب سيطرة. البنت دخلت بيتي بأمانة أهلها، ومش جاية عشان أختي تقعد وتأمرها اغسليلي وصنفيلي وهي ساكتة عشان خايفة على زعلكم. أنا لما دخلت وشفت المنظر ده، دمى فار.. شفت مراتي مهانة في بيتي وعلى أيد أهلي. إنتِ لو بنتك اتعمل فيها كده في بيت حماها، كنتِ هتقومي الدنيا وما تقعديهاش وتقولي استعبدوها! ليه ترضيها على بنات الناس وما ترضيهاش على بنتك؟
الكلام كان زي السكين، بس أنا رديت بكبرياء:
* هي اللي وافقت! محدش مسك في إيدها الساطور وقالها اعملي! بنتك كانت بتتسلى معاها، وهي اللي قامت جابت حاجتها وعرضت!
رد عليّ بصوت مليان مرارة:
* وافقت عشان اتحرجت! عشان لسه جديدة وخايفة تقول لأ فتقولوا عليها متكبرة أو مش أصلية! استغليتم كسفتها وقلة خبرتها وصغر سنها وحطيتوها في موقف لا تحسد عليه! عمومًا يا أمي، أنا مش بتصل عشان نتخانق.. أنا بتصل أقولك إن مراتي زعلانة ومكسورة من اللي حصل، وأنا أخدتها ونازلين نعدي عليكِ بعد العصر عشان تسلم عليكِ، ومش عايز الموضوع ده يتفتح تاني، وعايز كل حاجة ترجع لطبيعتها بس بالمعروف وبالأصول.
أول ما قال “نازلين نعدي عليكِ”، بناتي اللي كانوا واقفين على باب الأوضة بيسمعوا الكلام اتسعت عينيهم بالكامل وهزوا رؤوسهم بالرفض.
قلتله بسرعة وبحدة:
* لا يا بني، كتر خيرك. متتعبش نفسك ولا تتعب الهانم. إحنا ناس مش عارفين الأصول، ومش عايزين نضايق السيدة حرمك، سيبها ترتاح في بيتها المعزز المكرم بدل ما تيجي عند ناس بيستعبدوها.
ابني سكت لحظة، وبعدها قال بنبرة أبرد من التلج:
* تمام يا أمي.. براحتك. لما تهدى الأمور وتصفي، أكون أنا ومراتي تحت أمرك. مع السلامة.
وقفل السكة! قفل السكة من غير ما يتحايل ولا يترجى زي ما كان بيعمل زمان لما أزعل منه!
القصة هنا ما انتهتش، بالعكس.. دي كانت بداية حرب صامتة. بناتي دخلوا عليّ الصالة والشرر بيطير من عينيهم.
الكبيرة قالت:
* شفتي؟ شفتي الجرأة؟ جايبها وجاي لحد هنا عشان يفرضها علينا بالسيف! عشان ندخل نعتذر لها ونبوس إيدها كمان؟ والله لو السماء انطبقت على الأرض ما هحط إيدي في إيدها ولا هكلمها كلمة تاني!
والصغيرة كملت:
* وأنا كمان يا ماما، من هنا وجاي الأخ ده ننساه، وخليه يشبع بمراته وبدلعها، ونشوف لما يقع في مشكلة مين اللي هيقف جنبه غيرنا!
مرت الأيام، والأسبوع بقى أسبوعين، والمكالمات بيني وبين ابني بَقت على قد كلمة “إزيك يا أمي” و”الحمد لله يا بني” في أقل من نص دقيقة. الجفاء دخل بيننا زي السوس، والبيت عندي بقى شحن وتعب نفسي. كنت بشوف صورهم على الفيس بوك بالصدفة، طالعين وداخلين ومبسوطين، وهي نازلة صور بابتسامة نصر مش طبيعية، وكأنها بتقولنا “أنا اللي كسبت الماتش”.
حد ما جه يوم، وكان في مناسبة عائلية كبيرة.. عزومة عند عمهم بمناسبة رجوعه من السفر. العزومة دي كان لازم الكل يحضرها، مفيش مفر ولا حجة.
وصلنا بيت عمهم، وأول ما دخلنا الصالة، كانت المفاجأة..
ابني ومراته كانوا قاعدين هناك من بدري، ومجرد ما دخلنا، العيون كلها اتجهت علينا.. ومراته قامت وقفت بسرعة، وبصتلي بنظرة مليانة ترقب، وجنبها جوزها مسك إيدها وشدها، وقربوا مننا عشان يسلموا قدام العيلة كلها…

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *