وقفت في مكاني كأن الأرض اتشقت وبلعتني، حاسة ببرودة المـ،،ـوت بتسري في صوابعي وأنا ضامة «ليلي» لصدري بكل قوتي. البنت كانت بتبكي بصوت مكتوم ودافنة وشها في رقبتي، وأنا عيني مثبتة على حماتي اللي واقفة قدامي زي جبل من الصوان، مفيش في عينيها ذرة رحمة ولا إنسانية. — «تسجيل؟! تسجيل إيه يا حماتي اللي بتتبلوا بيه عليا؟! أنا عمري ما كلمت ابنك كلمة برة حدود الأدب والاحترام.. أنتوا إيه؟ معندكوش دين ولا ضمير يخاف من ربنا؟ عشان شقة طمعانين فيها تدبـ،،ـحوا شرفي وتخربوا بيت ابنكم الغايب؟ !» صرخت والدموع نازلة تكوي خدي، بس حماتي متهزتش. قربت بخطوات بطيئة، صوت نعل شبشبها بيحفر في أعصابي، ووقفت فوق راسي مباشرة، وبصت لي بنظرة احتقار تشفي غليل سنين من الحقد المكتوم: — «الدين والضمير خليهم للي معندهاش عيل عايزة تضمن له حقه! أنتي فاكرة إني مش واعية لمحمود لما كتب الشقة دي ليكي إنتي وبنتك؟ فاكرة إني هسيب شقى أبوهم يروح لواحدة غريبة وبنت ملهاش ضهر يورثوا في البيت ده وعلاء ابني الكبير يقعد هو وعياله في الشقة الضيقة اللي تحت؟ البيت ده بيت الشهاوي، وحيطانه متتجزأش.. والورق اللي معاكي لازم يرجع. » في اللحظة دي الغشاوة اترفعت تماماً عن عيني. الموضوع مكنش نظرات إعجاب ولا نزوة من علاء في ليلة شتا.. ده كان كابوس متخطط له بالمللي. علاء مطلعش الشقة عشان رغبة عابرة بس، ده كان طالع وهو متأكد إن أمه ومراته في ضهره، عشان يزنقوني في الركن، يخيروني بين شرفي وفضـ،،ـيحتـ،،ـي قدام جوزي وأهلي والناس، وبين إني أتنازل عن الشقة اللي محمود أمنني بيها أنا وبنته قبل ما يسافر يتغرب في لبنان. — «يعني كل التمثيلية دي.. طلعت علاء في نص الليل، والمفتاح اللي اتسرق، والاتهام الباطل قدام سميحة.. كل ده عشان الورق؟ عشان أتنازل عن حق بنتي؟» سألتها بصوت مرتعش بس بدأ يدخله غضب بيغلي. حماتي ضحكت ضحكة صفرا باردة، طلعت صوت تزييق من سنانها، ومدت إيدها في جيب صدر جلابيتها وطلعت ورقة بيضا مطوية متطبقة أربع تربع وقلم جاف: — «شاطرة يا بت فتحية.. بتفهميها وهي طايرة. الورقة دي إقرار تنازل، هتكتبي فيها إنك اتنازلتي عن عقد الشقة لعلاء بالبيع والشرا بكامل إرادتك، وإن محمود كان موكلك بالبيع للي تشوفيه مناسب. . توقعي هنا وتبصمي، وتلمي هدومك الصبح تاخدي بنتك وترجعي بيت أهلك في البلد معززة مكرمة، وساعتها التسجيل اللي علاء عمله بصوته وصوت واحدة تانية مقلدة نبرتك هيتحرق، ومحمود مش هيسمع غير إنك زهقتي من العيشة لوحدك وعايزة تقعدي وسط ناسك.» — «ولو موافقتش؟» سألتها وأنا بنفض شعر ليلي عن وشها، وعيني بتلمع بشرارة يأس اتحولت لشجاعة مستميتة. وش حماتي قلب للون الضلمة، وملامحها كشرت عن أنياب وحش كاسر: — «لو ممضتيش قبل ما الفجر يأذن.. التسجيل هيروح لمحمود على الواتساب مع صور وفيديوهات علاء صورها للشقة وإنتي مش هنا، وهنقول له دخلنا لقيناهم سوا، وسميحة هتشهد، وأنا هشهد.. ومحمود دمه حامي، أول طيارة هينزل فيها مش هيسمعك، هيدبـ،،ـحك ويدخل السجن، وبنتك هتتربى في ملجأ بعد ما تتفضحوا في كل مكان! اختاري بقى يا حيلتها.. الفضـ،،ـيحة والدم، ولا تخرجي بجلدك وبنتك في حضنك؟» رمت الورقة والقلم على ترابيزة الأنتريه، واتحركت ووقفت قدام باب الشقة المقفول، مربعة إيديها ومستنية استسلامي. عقلي كان بيلف بسرعة رهيبة، صوت دقات قلبي كانت أعلى من صوت المطر اللي بيهبد في الشبابيك برة. أعمل إيه؟ أوقع وأضيع كل مليم محمود شقي فيه سنين في الغربة وأطلع بفضيـ،،ـحة تانية متدارية؟ ولا أرفض وأتحمل غدر عيلة مفيهاش راجل ولا ست بتتقي الله؟ بصيت لليلي اللي هديت شوية وبقت بتبص على الورقة ببراءة مش فاهمة إيه الورقة دي ولا ليه ماما بتبكي. مديت إيدي ومسحت دموعي بطرحتي بحركة قاطعة. قومت على حيلي ببطء، وحطيت ليلي على الكنبة، وخطيت ناحية الترابيزة. حماتي ابتسمت ابتسامة نصر خبيثة، كأنها ضمنت إن السم اللي رمته جاب أجله. مسكت القلم بيميني، وسحبت الورقة بإيدي الشمال، وقربت من النور.. لكن عيني مكنتش ع السطور المكتوبة. عيني كانت على المنور اللي في المطبخ، وعلى جهاز التسجيل الصغير اللي كنت حطاه فوق التلاجة من شهر فات! من أول يوم علاء بدأ يطرد في الزيارات الليلية ويدق الباب، قلبي كان قارصني ومكنتش مستريحة، وبنصيحة من جارتي القديمة اللي في أول الشارع، كنت شريت جهاز تنصت بيشتغل بكارت ميموري وسينسور صوت عشان أسجل أي تجاوز لعلاء لو فكر يلمسني أو يقول كلمة تكسر عيني، ومحطوط في علبة البن فوق التلاجة.. متوجه ناحية مدخل الصالة والمطبخ ومفتوح بقاله ساعات وبيسجل كل نفس، وكل جملة قالتها حماتي، وكل كلمة تهديد وابتزاز نطقت بيها! مسكت القلم وضغطت بسنه على الورقة، حماتي قربت خطوة وعينيها بتلمع بطمع ولهفة: — «أيوا كده. . اعقلي، واشتري روحك وشرف بنتك..» رفعت راسي فجأة وبصيت في عينيها مباشرة، وبدل ما أمضي، مسكت الورقة بإيدي الاتنين، وشقتها نصين بالطول، وبعدين بالعرض، ورميت القطع في وشها! شهقت حماتي شهقة مكتومة من الصدمة، ورجعت خطوة لورا: — «إنتي اتجننتي يا فاجرة؟! أنتي بتموتي نفسك بإيدك!» — «أنا مموتش نفسي.. أنتوا اللي حفرتوا قبركم بإيديكم يا حاجة فايزة!» نطقت بصوت جامد وقوي هز أركان الصالة وخلى صوتي يرجع لي بكل كرامة، «الورقة دي تبلّوها وتشربوا ميتها.. والتسجيل اللي بيهددني بيه ابنك الواطي، قصاده تسجيل حقيقي لكل كلمة اتقالت في الشقة دي من أول ما علاء حط رجله لحد اللحظة اللي أنتي بتبتزيني فيها عشان الشقة!» لون وش حماتي اتبدل من الغيظ للرعب في جزء من الثانية، شفايفها بدأت ترتعش، وبصت ورايا ناحية المطبخ بذهول: — «تسجيل إيه؟ أنتي بتخرفي بتقولي إيه؟» — «بقول إن كل نفس اتقال هنا متسجل على كارت ميموري، وواخد نسخة أوتوماتيك على إيميل مربوط بتليفوني وتليفون محمود! أول ما تدوسي إنتي وابنك على زرار الفضـ،،ـيحة، الفضـ،،ـيحة الحقيقية اللي هتروح لمحمود ولإخواتك وللشارع كله هي صوتك وإنتي بتخططي لسـ،،ـرقة مال ابنك وعرضه!» وفي اللحظة اللي حماتي رفعت فيها إيدها عشان تهجم عليا وتدخل تدور في المطبخ، انطلقت سرينة عربية شرطة من الشارع تحت البيت، صوتها شق سكون الليل والمطر، ووراها مباشرة صوت فرامل قوية جداً وقفت قدام مدخل العمارة، وصوت ناس بتزعق وبتجري على درجات السلم بخطوات رجالة كأن البيت بيتهد! حماتي اتسمرت مكانها زي الصنم، وإيدها سقطت جنبها، وعينيها اتملت برعب ميتوصفش، خصوصاً لما اتسمع صوت علاء من تحت وهو بيصرخ صرخة مذعورة: — «الحقيني يا أمي. . النجدة كاسرة باب البيت!» انخلع قلب حماتي من مكانه، ووقعت السبحة العاج من إيدها تتكركر حباتها على بلاط الصالة بصوت زي الرصاص. الرعب اللي كان في عينيها محى كل ملامح الجبروت والغل في طرفة عين. صوت السرينة تحت البيت كان بيعوي بقوة، مع انعكاس النور الأحمر والأزرق اللي دخل من شيش البلكونة يرقص على الحيطان زي كابوس جه في وقته. — «مين اللي طلب البوليس يا فاجرة؟ ! أنتي عملتي إيه في بيتنا؟!» حماتي صرخت وهي بتضرب على صدرها بإيديها الاتنين، ووشها مخطوف بلون المـ،،ـوت، بتتلفت في الصالة زي الفار المحبوس في مصيدة. أنا مكنتش فاهمة في الأول، ومكنتش مصدقة، لكن فجأة افتكرت مكالمة محمود اللي علاء قفلها في وشه بدم بارد أول ما دخل الشقة! محمود مبيسبش تليفونه، ولما يطلبني في نص الليل والخط يتقفل في وشه فجأة، قلبه بيولع.. كان باين