فلوس مرات ابني 3

هقوم أحضرلكم العشا..”.
محمد ما قدرش يمسك نفسه، أخدها في حضنه وبكى بصوت عالٍ. وهي وقفت مذهولة مش فاهمة في إيه، لحد ما محمد طالع العلبة الصفيح من الشنطة اللي كان جابها معاها من فوق وقالها: “ليه يا عزة؟ ليه شيلتي الهم ده كله لوحدك؟ ليه حرمتينا نكون جنبك ونشيل عنك؟ هو إحنا غرايب عشان تخبي علينا مرضك ووجعك؟”.
عزة بصت للعلبة، وبصت للدموع اللي في عيني وعين محمد، ودموعها نزلوا بهدوء شديد. قعدت على أقرب كرسي، وراحت مخبية وشها بإيديها وقالت بصوت مكسور: “كنت خايفة عليك يا محمد.. أنت شايل مصاريف البيت بالعافية، وعيالنا محتاجين كل جنيه لمستقبلهم. العلاج غالي أوي وأنا عارفة إن مفيش أمل كبير.. قولت أتحمل مرتبتي ومصاريفي لغاية ما ربنا يأذن، بدل ما أكسر ضهرك وفلوسك تروح على علاج فاضي وتتداينوا من بعدي”.
أنا رميت نفسي تحت رجليها، مسكت إيدها وبوستها وأنا بعيط وبستسمحها: “سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا عزة، أنا ظلمتك وقسيت عليكي وقولت عليكي كلام يوجع القلب وأنت سيد الستات وأصغرهم عقلاً وأعظمهم قلباً. وحقك عليا يا ضنايا.. من النهاردة أنت بنتي اللي ما ولدتهاش، وراسي تحت جزمتك!”.
عزة عيطت بحرقة، ولأول مرة تطلع الوجع اللي كانت كاتماه في قلبها بقالها سنين. شالتني من على الأرض وحضنتني، وقالتلي: “مسامحاكي يا أمي.. والله مسامحاكم كلكم، أنا بس كان نفسي تحسوا بيا وما تظنونيش وحشة”.
من اليوم ده، البيت اتغير تماماً.
محمد باع عربيتهم، وأنا بعت الغوايش الدهب القديمة اللي كنت شايلاها للزمن، وجمعنا كل جنيه نقدر عليه عشان علاج عزة. محمد بقى يرافقها في كل جلسة كيماوي، يمسك إيدها، يطبطب عليها، ويسهر جنبها طول الليل وهي بتتألم من الآثار الجانبية.

وأنا مسكت البيت كلياً، بقيت أطبخلها الأكل الصحي اللي الدكاترة بيكتبوه، وأغسل هدومها، وأراعي العيال، وأعملها كمادات لما حرارتها تعلى. بقيت أقعد تحت رجليها أدلك لها جسمها لما الوجع يمسك في عظامها، وأقرأ لها قرآن لحد ما تنام.
السنة دي كانت أصعب وأجمل سنة في حياتنا في نفس الوقت.
أصعب سنة لأننا كنا بنشوف جبل الصبر ده بيدوب قدام عنينا يوم بعد يوم، والسرطان كان بياكل في جسمها الصغير بكل شراسة. وأجمل سنة لأننا ردينالها جزء من كرامتها وحقها، وعيشناها في وسط حب وحنان واهتمام ما شافتهوش قبل كده. ما سيبناهاش تحس بلحظة وحدة أو تقصير، وكانت دايماً بتقول لمحمد وهي ابتسامتها المجهدة على وشها: “أنا لو مت دلوقتي، هموت وأنا مرتاحة ومطمئنة إن عيالي مع أعظم أم وأحن أب”.
وبعد سنة كاملة من الكفاح.. في ليلة جمعة هادية، وكانت الشموس بتشرق بصعوبة، عزة كانت قاعدة في سريرها، ماسكة إيد محمد وإيدي، وبتبص لعيالها الصغار اللي كانوا نايمين جنبه.
بصتلنا وقالت بصوت ضعيف جداً شبه الهمس: “أنا بحبكم أوي.. شكراً إنكم خلتوني أمشي وأنا حاسة إن ليا عيلة بجد.. خلي بالكم من العيال يا محمد.. أدعولي بالرحمة يا أمي”.
ونطقت الشهادتين، وإيدها سابت إيدنا، وطلعت روحها لبارئها بنعومة وسلام، وزي ما تكون كانت نايمة ومستريحة من كل الوجع والعذاب اللي شافته في الدنيا.
ماتت عزة، وسبتلنا جرح في قلوبنا مش هيداوى أبداً، بس سابت معاه درس عمرنا ما هننساه.. إن الظواهر كدابة، وإن الست الأصيلة ممكن تخبي جبال من الوجع ورا ابتسامة أو كلمة سكتت عليها، عشان بس تحمي اللي بتحبهم.
رحمك الله يا عزة.. وربنا يجعل كل لحظة ألم قضيتيها في ميزان حسناتك، ويصبرنا على ذنبنا اللي مش هننساه طول ما فينا نفس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *