جووي غسلي سجاد الشقة

هيطلعوا مليم إلا لما يلووا دراعك!
بصيت لحماتي نظرة طويلة، نظرة كانت كفيلة تخليها تنزل عينيها في الأرض ومتقدرش تحط عينها في عيني. الست اللي كانت من شوية بتقول لابنها ارميها لأهلها وداخلي عملية ومش مضمون تعيش، بقت دلوقتي قاعدة مكسورة بتستنجد بأي أمل عشان ابنها ميتحبسش.
لكن أنا مكنتش عايزة أشمت، ولا ده طبعي ولا دي تربيتي، وبدل ما أعاتبها، لفيت وشي ومشيت ناحية أوضة النوم بخطوات ثابتة وسريعة.
طارق نادى عليا وهو مخضوض رايحة فين يا فاطمة؟ رايحة فين وسيباني؟!
مدخلتش في جدال معاه، دخلت الأوضة، فتحت الدولاب من تحت، وطلعت علبة الصاج القديمة اللي كانت شايلاها من يوم جوازنا، العلبة دي كان فيها دهبي كله، شبكتي، وسلسلة مامي الله يرحمها اللي كانت سايباهالي ذكرى، والغوايش اللي أبويا كان مجمعهملي مليم على مليم من شقاه في الغربة عشان يجوزهملي بيهم، ومعاهم شوية فلوس جمعية كنت بقبضها كل شهر ومحوشاها للزمن والزنقة.
شلت العلبة في إيدي، وطلعت الصالة وحطيتها على ترابيزة السفرة قدام طارق وحماتي ورزعتها بقوة خلتهم الاتنين يتفاجئوا.
فتحت العلبة قدامهم، الدهب كان بيلمع تحت نور النجفة.
طارق برقت عينيه ورجع لورا برفض قاطع لأ يا فاطمة! لأ يا حبيبتي، دهب مامتك الله يرحمها مش هيمس! دهبك وشقاكي وشبكتك أنا مش همد إيدي عليهم! أنا اتفضح واتحبس ولا إني أكسر نفسك وأمد إيدي على دهبك عشان أسدد ديوني!
قربت منه، ومسكت ياقة قميصه المبلول، وبصيت في عمق عينيه وقلت بصوت حاسم يزلزل الحيطة اسمعني كويس يا طارق، وركز في كل حرف بقوله. الدهب ده حتت حديد وصفيح ملوش أي تلاتين لازمة لو إنت مش واقف وسطينا وبخير! دهب أمي الله يرحمها لو كان عايش كان أبويا فداك بيه، لأنك شلتني وصونتني وعاملتني بما يرضي الله. إنت راجلي وسندي، والراجل اللي يغسل سجاد مراته عشان تعبانة، ويشيل سر عيبه عن أهله سنتين عشان يحميني من لسان الناس، ويستحمل الإهانة عشان يجيبلي تمن علاجي، ده يتدفع له عمري كله مش شوية غوايش وخواتم!
الدموع نزلت من عين طارق زي المطر، حماتي بصت على الدهب وبصت عليا، وابتدت شفايفها ترتعش، وشفت في عينيها لأول مرة ندم حقيقي، ندم من النوع اللي بيحرق الضمير ويصحي الإنسانية المدفونة تحت طبقات القسوة والغيرة.
كملت كلامي مع طارق بحسابات عقلانية وهدوء الدهب ده يوزن يجي له حوالي تلاتين أو أربعين جرام، ومع الغوايش والخواتم وسلسلة أمي القديمة عيار واحد وعشرين، يعملوا في السوق النهاردة مبلغ محترم، يدوب يعدي الميتين وخمسين ألف بالراحة مع الفلوس اللي في البنك والجمعية.
بس المعلم سيد عايز ربعمية ألف بالفوائد يا فاطمة! طارق قالها بوجع وقلة حيلة.
وهنا حصلت المفاجأة اللي مكنتش متوقعاها أبدًا.
حماتي وقفت على حيلها فجأة، وراحت ناحية طارق، ومدت إيدها وطبطبت على كتفه، وبعدين التفتت ليا، وعينيها مليانة دموع حقيقية، مش دموع تمثيل.
قالت بصوت مكسور ومهزوز أنا اللي عليا الباقي يا بنتي…
طارق بصلها بذهول أمي؟!
حماتي نزلت راسها في الأرض، ومسحت دموعها بطرف طرحتها، وقالت وهي بتبصلي بخجل أنا كنت ست عمية، الغيرة عمت قلبي وحقدت عليكي عشان شفت ابني بيحبك أكتر مني، وشفت إنه شايلك على كفوف الراحة وكنت فاكرة إنك مستقوية عليه وواخداه مني… مكنتش أعرف إنك صايناه في عرضه وشرفه وسره ومرضه، وواقفة جنبه في الوقت اللي أنا كنت جاية أهد فيه بيته وأشمت فيه… حقك عليا يا بنتي، اضربيني بالجزمة، اقطعي لساني، بس متخلوش الغريب يدوس على ابني ولا يدخله الحبس.
الست مشيت بخطوات سريعة ناحية باب الشقة، ونزلت شقتها اللي تحت، ورجعت بعد خمس دقايق بالظبط وفي إيدها كيس قماش قديم ودفتر توفير.
حطت الكيس والدفتر على السفرة جنب دهبي، وفتحت الكيس، كان فيه كردان دهب قديم وتقيل جداً بتاع زمان، وغوايش بلدي عريضة كانت بتلبسهم في المناسبات.
قالت وهي بتعيط بحرقة ده كرداني اللي شايلاه من ريحة المرحوم أبوك يا طارق، وده الدفتر فيه حوالي تمانين ألف جنيه شايلاهم لكفني ومصاريف موتي… خدوهم، خدوهم كلهم وسدوا بيهم للمعلم سيد حقه وفوايده، ولو مش هيكفوا، هروح لأعمامك بنفسي في البلد وهقف في وسط المضيفة وألم عليهم الناس وافضحهم لو مخلصوش بيعة الأرض بسعرها العادل في ظرف أربع وعشرين ساعة!
طارق مقدرش يستحمل المشهد، ركع على ركبه قدام أمه ومسك إيديها يبوسها، وهي نزلت على ركبها قدامه وضمته لصدرها وبقت تبكي بصوت عالي سامحني يا ضنايا، سامحني يا قلب أمك، كنت هدمرك بإيدي وبغبائي…
المشهد ده كان كفيل يمسح كل نقطة مرار وسواد عشتهم في الساعات اللي فاتت. بصيت للسجاد اللي كان لسه مفرود في البلكونة والمية بتنزل منه، وافتكرت قد إيه البيت ده كان ممكن يتخرب وينتهي في غمضة عين بسبب سوء ظن وكلمة اتقالت في ساعة غضب، لكن ربنا أراد إن الحقيقة تظهر عشان تلم الشمل وتكشف معادن الناس الحقيقية.
مضعناش دقيقة واحدة. طارق قام غسل وشه، ومسح دموعه، ولبس هدومه الناشفة، ولمينا الدهب والدفتر كله، ونزلنا إحنا التلاتة على الصاغة.
بعنا الدهب اللي معانا، وطلع المبلغ كامل، ومع فلوس الدفتر كان معانا الربعومية ألف جنيه بالمليم. رحنا على معرض المعلم سيد فضل، وأول ما دخلنا وشافنا وشاف حماتي

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *