طلبت من حماتي 40 الف
وخوف من المستقبل.
لحد يوم السبت اللي غير كل حاجة.
كنا قاعدين على جروب العيلة.
وأخت كريم كانت بتتباهى إن حماتها اشترتلها عربية جديدة بملايين.
وكل الناس بتباركلها.
وأنا قاعدة ساكتة.
حاسّة بمرارة غريبة.
ليه كل الناس حواليهم بيتدلعوا؟
وليه أنا عمري ما حسيت إن حماتي بتحبني؟
في اللحظة دي كان موبايل كريم مرمي على الترابيزة.
مفتوح.
قدامي.
ومتاح.
فتحت شات حماته.
وكتبت بسرعة:
“يا أمي، إحنا مزنوقين شوية الشهر ده. ممكن تسلفينا 40 ألف جنيه؟ وهنرجعهم بعدين.”
ودوست إرسال.
بعد 3 ثواني بالظبط…
وصل التحويل.
400 ألف جنيه.
مش 40 ألف.
أربعمية ألف.
بعدها مباشرة بعتت:
“يا منى… بطلي تمثلي إنك كريم. أنا عارفة إنك إنتِ.”
حسيت الدم نشف في عروقي.
ثم كتبت:
“استنيت 3 سنين كاملة عشان تطلبي مني حاجة.”
وبعدين بعتتلي الرسالة اللي كل اللي كنت فاكراه حقيقة:
فتح الدرج كان أصعب من إنها تبص لرسالة البنك، أيديها كانت بترتعش بشكل مش طبيعي، وصوت كريم وهو بيمسح وشه بالفوطة وطالع من الحمام بيقرب. بسرعة حبست نفسيها وفتحت الدرج.
كان فيه فولدر أسود كبير ملفوف بجلد فاخر، فتحته وهي حاسة إنها بتفتح القبر اللي مدفونة فيه حقيقتها. أول حاجة وقعت عليها عينيها كانت عقود ومستندات رسمية.
المفاجأة الأولى: الشقة اللي هما قاعدين فيها مش ملك شركة عقارات ولا عليها أقساط ولا حاجة. الشقة مدفوع ثمنها بالكامل كاش من قبل الجواز بسنة، ومكتوبة باسم “منى” شخصياً! العقد كان موثق في الشهر العقاري وباسمها، والتوقيع اللي عليه كان توقيع كريم بصفته وكيل عنها، كأنه بيضمن لها حقها من غير ما تعرف.
أما الـ 8 آلاف جنيه اللي كانت بتتسحب كل شهر تحت مسمى “قسط الشقة”، فكانت بتروح لحساب بنكي خاص باسم “منى”، حساب كريم فتحوا ليها من أول يوم جواز وكان بيحط فيه القسط وهمي عشان يعملها صندوق تحويش مقفول، وكان مكتوب على كشف الحساب بخط إيد كريم: “عشان يوم ما أجرالها حاجة، ما تحتاجش لحد حتى ليا”.
منى وقفت مذهولة، الدموع بدأت تتجمع في عينيها. كريم ما كانش بيستغلها ولا بيبخل عليها، كريم كان بيعمل كل ده عشان يحميها من عقدة كانت جواه!
في اللحظة دي خرج كريم من الحمام، وهو بينشف شعره، أول ما شافها واقفة قدام الدرج مفتوح والفولدر في إيدها، اتسمر مكانو. الفوطة وقعت من إيده وش وشه اتخطف وبقى أبيض زي الملاية.
كريم: “منى… أنتِ… أنتِ فتحتي الدرج؟”
منى بصتله وهي مش قادرة تتكلم، الرسائل على الموبايل، العقود في إيدها، والتحويل البنكي اللي بـ 400 ألف جنيه.
منى صرخ بصوت مكتوم: “إيه ده يا كريم؟ أنت ضحكت عليا 3 سنين؟ أربعمية ألف جنيه اتحولوا في 3 ثواني؟ الشقة باسمي؟ و8 آلاف جنيه قسط وهمي؟ أنت مين بالضبط؟ وبتلعب عليا ليه؟”
كريم قرب منها ببطء، وعينيه فيها كمية وجع وحزن عمرها ما شافتها فيه. قعد على طرف السرير وغطى وشه بإيديه وشد نفس طويل قبل ما يبدأ يتكلم.
كريم: “أنا ما ضحكتش عليكِ يا منى… أنا حميتك. أنتِ ما تعرفيش العيلة دي شكلها إيه من جوه، وما تعرفيش أمي كانت عاملة إزاي قبل ما تعرفك.”
منى قعدت قصاده على الكرسي وهي حاسة إنها في كابوس: “فهمتي، أمك اللي كنت فاكراها بتكرهني؟ اللي بعتتلي التحويل وكشفتني في ثواني؟ إزاي عرفت إن أنا اللي بكتب مش أنت؟”
كريم بص لها وابتسم ابتسامة مكسورة: “أمي ما بتكرهكيش يا منى… أمي بترحمك. وأنا هحكيلك السر اللي مخبيه عنك.”
كريم بدأ يحكي:
“قبل ما أعرفك بـ 5 سنين، أخويا الكبير اتجوز واحدة من عيلة غنية جدًا. الجوازة كانت قائمة على الفلوس والمظاهر، وكل يوم مشاكل وتعاير فيه وبأمي، ولما اختلفوا، عيلتها دمروا شغل أخويا وأمي اضطرت تدفع ملايين عشان تطلعه من قضايا ومشاكل. أمي وقتها حنفت يمين إن مفيش حد من ولادها هيتجوز واحدة تخش البيت ده عشان فلوسنا أو تجرنا لمشاكل.
ولما أنا قابلتك وحبيتك… حبيتك عشان نيتك البسيطة، عشان أبوكِ السواق الشريف اللي رباكِ بالحلال، وأمك الخياطة اللي طلعتك ست البنات. بس لما جيت أقول لأمي إني هتجوزك، أمي كانت مرعوبة… مرعوبة تكوني داخلة على طمع، أو إن العيلة تظلمك وتكسر نفسك زي ما حصل قبل كده.
أمي فرضت عليا شرط واحد عشان توافق على الجوازة: إننا نعيش عيشة عادية جداً أول 3 سنين. قالتلي: ‘لو منى عاشت معاك على الحلوة والمرة، واستحملت ظروفك اللي فاكراها على قدها، وما طمعتش ولا اشتكت ولا عايرتك… تبقى دي البنت اللي تصونك وتصون بيتك.’
والـ 10 آلاف جنيه اللي كانت بتديهملك في الظرف كل مناسبة من غير ما تحضنك؟ دي ما كانتش كبرياء… دي كانت فلوس اختبار! أمي كانت بتشوفك بتصرفيها في إيه. وكنت أنا بحكيلها إنك بياخديهم تحطيهم في مصاريف البيت أو تشتري بيهم حاجات لأهلك، وما بتصرفيش جنيه على المظاهر الفارغة. أمي كانت بتعيط بدموعها لما تعرف إنك بتوفري من القسط الوهمي عشان تجيبيلها هدية في عيد الأم!”
منى كانت بتسمع والكلام ينزل عليها زي الصاعقة. الدموع نازلة من عينيها مش عارفة تستوعب.
منى بصوت مرعوب: “طب والرسائل؟ والتحويل؟ وإزاي عرفت إن أنا اللي ببعت؟”
كريم مسك إيدها وقالها: “لأن أنا عمري ما طلبت من أمي فلوس في حياتي! أنا لي أسهم في شركات العيلة، وحسابي الخاص فيه ملايين، بس مخبيه عنك بالتنسيق مع أمي لحد ما الـ 3 سنين يخلصوا. أمي كانت عارفة إنك لو طلبتِ فلوس، تبقى أخيرًا كسرني الخجل وقررتِ تطلبي حاجة لنفسك أو لبيتك.
لما كتبتِ ‘سلفينا 40 ألف’… أمي عرفت فوراً إن كريم أجدع من إنه يطلب من أمه سلفة لمراته، وعرفت إنك أنتِ اللي مزنوقة ومحروجة تطلبي. التحويل اللي وصلك ده بـ 400 ألف… مش سلفة يا منى. ده كان نصيبك من أرباح شركة العيلة عن الـ 3 سنين اللي فاتوا، أمي كانت شايلاهم باسمك ومستنية اللحظة اللي تطلبي فيها أي حاجة عشان تحولهم لك دفعة واحدة وتقولك إنك بقيتي فرد أصيل من العيلة!”
منى بصت لموبايلها، وفي اللحظة دي رن الموبايل بنفس النغمة.
كان الاتصال من: “الحاجة نادية”.
كريم بص لمنى وقالها بصوت هادي: “ردي يا منى… أظن جه الوقت اللي تسمعي فيه الكلام اللي كان محبوس 3 سنين.”
منى رفعت السماعة وإيدها بترتعش، وحطت الموبايل على ودانها، وجاءها صوت الحاجة نادية، مش الصوت الرسمي البارد اللي كانت متعودة عليه، لكن صوت أم بتبكي ومخنونة بالدموع:
“ألو… يا منى يا بنتي؟”
سمعت منى صوت الحاجة نادية لأول مرة مشحون بدموع ودفء عمرها ما حسّت بيه طول التلات سنين اللي فاتوا. الصوت اللي كان دايماً بيوصلها في الرسائل جاف ورسمي، كان دلوقتي بيترعش زي صوت أم بتسلم على بنتها بعد غياب سنين.
“يا منى يا بنتي… سامحيني. سامحيني إن كنت قسيت عليكِ أو خليتك تحسي في يوم إنك غريبة أو أقل مننا. أنا ما كنتش بقسى عليكِ، أنا كنت بخاف عليكِ وعلى ابني… وكنت مستنية اليوم اللي تتكسر فيه الفجوة دي وتيجي تطلبي مني زي ما بنتي بتطلب من أمها.”
منى أخدت نفس بالعافية، الدموع خانتها وربطت لسانها، مش قادرة تطلع كلمة واحدة، وكريم واقف جنبها ماسك إيدها وبيرصُرص على صوابعها بدموع في عينيه هو كمان.
كملت الحاجة نادية بصوت أهدى شوية:
“الأربعمية ألف جنيه دول مش إحسان ولا سلفة يا منى… دول حقك. الأرباح دي كانت بتتنزل باسمك من أول يوم دخلتي فيه بيتنا. كريم هو اللي أصر إن الشقة تتكتب باسمك، وهو اللي كان بياخد من قوته ومرتبه الصوري عشان يحوشلك، لكن أنا اللي فرضت عليه نعيشك الاختبار ده. كنت عايزة أتأكد إنك طالعة من بيت شبعان بأخلاقه مش بفلوسه… وأنتِ أثبتِ إنك أصلك ألمظ. انزليلي يا منى، أنا مستنياكِ تحت البيت.”
منى بصت لكريم بذهول: “هي تحت؟”
كريم هز رأسه بالأنفاس وابتسم: “أمي طالعة في الطريق من أول ما بعتتلك الرسالة الأولى… هي عارفة إن كل حاجة هتنكشف النهاردة.”
جرس الباب رن. الصوت كان زي دقة قلب منى اللي بتخبط في قفصها الصدري. كريم مشي ببطء وفتح الباب. كانت الحاجة نادية واقفة، شالها الأسود الملفوف على كتفها، وهيئتها الوقورة اللي كانت دايماً بتقلق منى، لكن المرة دي عينيها كانت مليانة دموع ومفتوحة على آخرها.
أول ما شافتها منى واقفة عند الصالة، ما حسّتش بنفسها غير وهي بتجري عليها. الحضن اللي حرمت نفسها منه 3 سنين فتح ذراعيه بالكامل. الحاجة نادية حضنتها بقوة، مسكت فيها كأنها بتعوض كل لحظة جفاء فاتت، وأول كلمة نطقتها وهي بتطبطب على ظهرها كانت: “يا بنتي الغالية… يا بنت الأصول.”
قعدوا التلاتة في الصالة، لكن الجو ما كانش جو فرحة كاملة، كان فيه حقيقة تانية متغطية، حقيقة أقسى بكتير من اختبار الـ 3 سنين، وهي اللي خلت الحاجة نادية تيجي بنفسها في وقت زي ده.
الحاجة نادية بصت لكريم بملامح جادة، والابتسامة اختفت فجأة من وشها، وقالت بصوت واطي:
“اللي فات كوم يا منى… واليومين الجايين دول كوم تاني خالص. أنتِ خلاص بقيتي وحدة مننا، وعشان كده لازم تعرفي المصيبة اللي العيلة داخلة عليها، والسبب الحقيقي اللي خلي كريم يخبّي عنك كل حاجة مش بس عشان الاختبار.”
منى بلعت ريقها وبصت لكريم اللي وشه رجع يتغير ألوانه وتظهر عليه معالم القلق الرهيب: “مصيبة إيه يا حاجة؟”
الحاجة نادية اتنهدت وقالت:
“أخو كريم الكبيرة… عماد. هو السبب في كل الخراب اللي عشنا فيه زمان، والنهاردة رجع تاني. عماد عرف إن كريم حاطط شقة باسمك، وعرف إن فيه حساب مقفول بأسهم باسم مراته اللي هي أنتِ. عماد طالع من السجن بعد ما قضى عقوبته في قضايا النصب، وجاي فاكر إن كل الفلوس دي حق له في ورث أبوه. النهاردة الصبح وصلني خبر إنه بيجهز أوراق مزورة عشان يرفع قضية حجر عليا، ويطالب بحظرك وحظر كريم من أصول العيلة… وقبل ما يوصل للبنك، كان لازم أضمن إن الفلوس اللي باسمك تطلع برة الحسابات الرسمية للشركة لنيابتك الشخصية.”
الذهول طغى على المكان. منى حسّت إنها دخلت في متاهة أعمق بكتير من مجرد لعبة فلوس واختبار مشاعر.
كريم قام وقف بعصبية: “عماد؟ عماد رجع تاني يا أمي؟ أنتِ ما قلتليش ليه من الأسبوع اللي فات لما حسيتك متغيرة؟”
الحاجة نادية بصت له بثبات: “ما قلتلكش عشان عارفة إنك هتروح تتخانق معاه وتضيّع نفسك. عماد مش معاه حاجة يخسرها، ومستعد يجرّنا كلنا معاه للحراب. هو فاكر إن منى هي نقطة ضعفك… فاكر إنها بنت غلبانة على قد حالها وممكن بكلمتين أو بتهديد صغير يخليها تتنازل عن العقود أو تتخض وتوقع على أي أوراق.”
منى قامت وقفت بثبات غريب، الدمعة اللي كانت في عينيها جفت، وكأن دم أبويها السواق وشقا أمها الخياطة طلع في لحظة. بصت للحاجة نادية وبعدين لكريم وقالت بصوت حاسم:
“هو فاكرني نقطة ضعف؟ فاكر عشان أبويا كان سواق ميكروباص إني هخاف أو هباع وأشتري؟”
الحاجة نادية بصت لها بإعجاب مكتوم: “عماد مش سهل يا منى… ده راجل دارس قانون وبيعرف يفركش الدنيا.”
منى قرّبت من الترابيزة، مسكت ملف العقود والـ 400 ألف جنيه، وقالت بنبرة ما خرجتش منها قبل كده:
“لو كان كريم خايف عليا 3 سنين، فأنتم ما تعرفوش أنا أقدر أعمل إيه عشان أحمي بيتي وجوزي. هو فاكر إني ستايل البنات اللي بيكشوا من التهديد؟ خليه ييجي… خليه يعاملني على إني نقطة الضعف، عشان يتفاجئ بالحقيقة.”
كريم كان باصص لمراته بمزيج من الدهشة والذهول، كأنه بيشوف واحدة تانية غير البنت الرقيقة البسيطة اللي عاش معاها تحت سقف واحد.
وفي اللحظة دي بالظبط… ضرب الجرس رنة طويلة ومستفزة، رنة واحد مش جاي يزور، واحد جاي يهدّ البيت على اللي فيه.
الحاجة نادية بصت للباب ووشها اصفرّ: “ده هو… عماد.”