دفنا امي 2
ارتفعت الأصوات على السلم الخشبي، والخطوات الثقيلة كانت بتقرب بسرعة هزت درابزين السلم القديم. سامح اتجمد إيده المرفوعة في الهواء، وعينيه اتسعت برعب وهو بيتراجع خطوة لورا، مراته نهلة شهقت وشها اصفر زي الورق الميت وشبطت في دراع سامح وهي بتبص لناحية الباب المفتوح. دخل الراجل الخمسيني. كان لابس بدلة كحلية أنيقة جداً، ملامحه حادة وحازمة، ووراه راجلين ضخام باين عليهم إنهم حراس، وجنبهم المحامي القديم بتاع منطقة السوق اللي كلنا نعرفه بالنزاهة والشدة. الراجل صاحب البدلة الكحلية وقف عند عتبة الباب، بص لي بتمعن، وفي عينيه كان فيه لمعة حزن غريبة وندم سنين طويلة. بص لملامحي، لوشي الضعيف المرهق، ولإيديا المبلولة من مية المطر، وبعدين تنحّد بنبرة بصوت مليان وجع: “نفس ملامح المرحومة.. ونفس عيون أبوكي الله يرحمه.” سامح صرخ بنبرة مليانة غل وهو بيحاول يداري خوفه: “أنت مين يا جدع أنت؟ وداخل بيتنا كده بصفتك إيه؟ أطلع بره بدل ما ألم عليك الحارة كلها!” المحامي القديم خطى خطوة للأمام ورفع إيده بثبات وقال: “اهدى يا سامح، واعرف أنت بتكلم مين. ده الأستاذ إسماعيل العلي.. عم هناء الحقيقي، ووصي العيلة على الورث اللي اتجمد أكتر من أربع وعشرين سنة.” نهلة صرخت بجلطة وغل: “عم مين؟ وورث إيه؟ البت دي بنت الراجل اللي مات وساب لنا الخرابة دي! أمها كانت بتستعطف الناس في السوق عشان حق الدوا، جايبين لنا تمثيلية عشان تاخدوا البيت وتخرجونا من المولد بلا حمص؟” الأستاذ إسماعيل ما بصش لنهلة خالص، ولا حتى اعتبر كلامها موجود.
بص لسامح مباشرة وقال بصوت هادي وزي الموسى: “أنا عارف أنت مين يا سامح.. وعارف إنك من خمس سنين حطيت إيدك على ورقة قديمة، وبدل ما تصون أختك اللي عاشت معاك في بيت واحد، بدأت تتواصل مع أطراف خبيثة في العيلة عندنا.. أطراف كانت عاوزة تنهي وجود هناء عشان الورث المجمّد يروح لهم بالكامل. أنت بعت أختك وأمك اللي ربتك عشان قرشين، وكنت مستني الست الغلبانة تموت عشان تفتح الصندوق.” سامح وشّه اتغير تماماً، العرق بدأ ينزل من جبهته بغزارة رغم برودة المطر. بصلهم وهو بيلعثم: “أنا.. أنا مابعتش حد.. دي أمي، وده بيتي!” هنا، المحامي طلع ملف أسود كبير من شنطته وفتحه وقال: “الست الله يرحمها ما كانتش بتبيع الفطاير والعيش في السوق عشان مش معاه الفلوس يا سامح.. الست دي كانت بتدفع تمن حماية هناء يوم بيوم. الفلوس اللي كانت في البنك ما كانش ينفع تتلمس، لأن أي حركة سحب كانت هتفضح مكانها للناس اللي قتلوا جوزها. أمك عاشت في الفقر والمرض ببطولة، كانت بتداري الملايين تحت حتة صاج عشان تضمن إن هناء تكبر وتوصل لسن الأمان، والنهارده.. السن ده اكتمل، والسر انفتح.” أنا كنت واقفة سكتة تماماً، الدموع بتنزل من عينيا على الظرف الأصفر اللي في إيدي. بصيت لسامح وقلت بصوت مقهور: “عشان كده يا سامح؟ عشان كده كنت بتسيبني أبات في المستشفى لوحدي؟
عشان كده كنت بتقول معايش مليم وأمك بتموت من التعب؟ أنت كنت عارف كل حاجة.. كنت مستنيها تموت!” سامح خطى ناحيتي بغضب جنوني وقال: “أنتِ فاكرة نفسك هتاخدي الملايين دي لوحدك؟ أنا اللي عشت في الخرابة دي طول عمري! أنا اللي شلت اسم الراجل البسيط اللي اتجوزها عشان يستر عليها! ليا حق في كل مليم، والورق ده مش هيطلع من هنا إلا على جثتي!” سامح اندفع ناحيتي بغشم عشان يشد الظرف الأصفر من إيدي، نهلة صرخت بتشجيع: “هات الورق يا سامح!” لكن في ثانية واحدة، الحارسين الضخام تحركوا وسدوا الطريق قدامه، ومسكوه بقوة وكتفوه في نص الصالة. إسماعيل خطى ناحيتي ومد إيده هادية: “هناء يا بنتي.. الجواب اللي في إيدك ده فيه كل وثائق إثبات النسب، وفيه إقرار التنازل والتسوية القانونية اللي أبوكي كتبها قبل ما يتوفى. العيلة عندنا أتغيرت، والناس اللي كانوا عاوزين يؤذوكي زمان ماتوا أو اتقبض عليهم في قضايا فساد. أنا جيت عشان أرجع لك حقك، حق أمك اللي ضحت بعمرها كله وعاشت متسولة في نظر الناس وهي شايلة ملايين تحت السقف عشان تحميكي.” بصيت لعمي إسماعيل، ولأول مرة أحس إن فيه سند حقيقي في الدنيا، بس الجرح اللي جواه كان أكبر من أي ملايين. أمي عاشت تموت كل يوم ألف مرة.. الجيران يعطفوا عليها بكيس سكر أو تمن دوا، وهي شايلة ثروة في الصندوق، كل ده عشان تحميني أنا! بصيت لسامح وهو بيتحرك في إيد الحراس وبيصرخ وبيشتم، ونهلة بتعيط وتترجى المحامي.
/> قلت لعمي إسماعيل بصوت ثابت: “أنا مش عاوزة الفلوس دي عشان أعيش بيها في قصور يا عمي.. الفلوس دي هي تمن عذاب أمي، وتمن كل دقيقة عاشتها مقهورة في السوق.” المحامي ابتسم بتفهم وقال: “حقك محفوظ كاملاً يا بنتي، ومن بكرة كل الإجراءات القانونية هتبدأ في النيابة والمحكمة، والورث هيتحول باسمك رسمياً. أما بالنسبة لسامح ومراته.. فالرسائل الصوتية اللي معاكي ومحاولات الابتزاز والتهديد دي كفيلة تتسلم للشرطة دلوقتي.” سامح وشّه اتخطف وبدأ يصرخ بنبرة رجاء: “هناء! أنا أخوكي! ترضاي لي الحبس؟ أنا اتربيت معاكي على لقمة واحدة!” بصيت له بعيون مفيهاش أي رحمة، وقلت له: “أنت ما كنتش أخويا وأمي بتموت.. وما كنتش أخويا وأنت مستني الصندوق يقع في إيدك عشان تبيعني.” إسماعيل أشر للحراس، وخرجوا سامح ونهلة على السلم وهما بيصرخوا، وصوتهم بدأ يبعد ويختفي وسط صوت المطر اللي كان لسه بينزل بغزارة بره. قعدت على الكرسي القديم، ومسكت الصورة البسيطة لأمي وهي أنيقة ومبتسمة قبل ما الدنيا تكسرها. حطيت الصورة على صدري وعيطت بحرقة.. دموع المظلوم اللي حقه بيبدأ يرجع، بس الوجع لسه كبير. إسماعيل قرب مني وحط إيده على كتفي وقال بوقار: “ارتاحي يا بنتي النهارده.. بكرة الصبح عندنا موعد في بنك القاهرة، وبعدها هنفتح الملف القديم كلياً، لأن فيه مفاجأة تانية في أوراق أبوكي.. مفاجأة أمك نفسها ما كانتش تعرفها.” رفعت رأسي بصدمة وقمت من على الكرسي: “مفاجأة إيه؟”
ساد الصمت في الصالة، ما كانش بيقطعه غير صوت تنقيط المية المنتظم في الجردل البلاستيك، ونظرات عمي إسماعيل الحادة اللي فيها جبال من الأسرار. قرب مني، وسحب كراسي خشب قديمة من بتاعة المطبخ، وحطها في نص الصالة. أشر للمحامي إنه يفضل واقف عند الباب عشان يضمن إن محدش من الجيران أو سامح يرجع تاني، وبعدين قعد قدامي ومسك إيدي الثلج بين كفوفه الدافية. قال بصوت واطي ومكتوم: “أبوكي الله يرحمه ما كانش راجل أعمال عادي يا هناء.. أبوكي كان الشريك التنفيذي لشركة كبيرة للمقاولات والاستثمارات العقارية، وكان معاه أوراق ومستندات خطيرة بتبين عمليات غسيل أموال واختلاسات بالمليارات شغالين فيها ناس واصلين جداً في البلد، ومنهم أفراد من عيلتنا للأسف.” شهقت وأنا بضم الظرف الأصفر لصدري، وكمل إسماعيل وعينيه بتلمع بدموع محبوسة: “أبوكي لما عرف إن حياته بقت في خطر، وإن ناس نفوذها يهد جبال مستقصدينه، حوّل جزء كبير من ثروته لحساب باسم مستعار، وهو الحساب اللي دفتر البنك بتاعه في إيديكي دلوقتي. بس ده مش كل حاجة.. أبوكي حط الشفرة الحقيقية للأصول والثروة الكبيرة اللي متجمدة في الخارج جوة خزانة سرية باسمك أنتِ، في بنك دولي،
وما حدش يقدر يفتحها إلا بوجودك أنتِ شخصياً وبصمة إيديك، ومعاكي الوثيقة الأصلية اللي أمك فضلت شايلاها.” مسكت الجواب وأنا بترعش وسألته: “يعني أمي ما كانتش خايفة بس من سامح وعيلة أبويا؟ أمي كانت خايفة من الشركاء دول؟” “بالظبط يا هناء..” المحامي اتكلم بوقار وهو بيخطو خطوتين ناحيتنا: “أمك الله يرحمها عاشت دور الست الفقيرة الغلبانة اللي بتبيع الفطاير في السوق، مش بس عشان تخبي الفلوس عن سامح وعيلتها.. أمك عملت كده عشان تغمي عيون الشركاء دول! كانوا فاكرين إن بعد قتل أبوكي، مرته وبنته عايشين في القاع ومش حيلتهم اللقمة، فرفعوا أيديهم عنكم ونسيوا الموضوع. أمك ضحت بنفسها وصحتها وكرامتها، واستحملت نظرات العطف والشفقة من الجيران، وماتت بتتعصر من ألم المرض ومفهاش حيل تشتري الدوا.. كل ده عشان تمثل المأساة لأخر دقيقة في عمرها، وتضمن إنك تكبري في أمان وتوصل سن الثلاثين من غير ما حد يحس بوجودك.” الكلام كان بينزل على قلبي زي الصياخ المحمية. افتكرت وش أمي لما كانت ترجع من السوق إيديها متشققة ومجرحة، افتكرت المرات اللي كانت بتقعد فيها على الأرض وتلف رجليها بورمها بخرقة بلبان وتضحك في وشي وتقول لي: “أنا كويسة يا بنتي..
أهم حاجة أنتِ تاكلي وتشبعي.” كانت الملايين تحت السقف، تحت حتة صاج مصدية، وهي بتعد الجنيهات عشان تجيب كيلو طماطم وكيس مكرونة! ياه على الوجع! ياه على القهر اللي عاشت فيه الست دي عشان حتة أمان لبنتها! في اللحظة دي، تليفون عمي إسماعيل رن. طلعه من جيبه وبص في الشاشة، ووشه اتغير تماماً. الملامح الهادية الحازمة تحولت لملامح خوف وقلق شديد. رد بسرعة وقال: “أيوة يا حامد.. إيه اللي حصل؟” سكت ثواني بيسمع، وأنا شايفة عروق رقابته بتتنفخ من التوتر. فجأة صرخ بصوت هز جدران البيت الخربان: “يعني إيه الهاربين وصلوا الحارة؟ إزاي يخرجوا بضمان مالي في نفس الساعتين دول؟!” بصيت لعمي برعب وقمت وقفت على رجلي. إسماعيل قفل التليفون وهو بيتنفس بسرعة، وبص للمحامي وقال: “سامح ومراته نهلة ما راحوش الشرطة.. سامح لما خرج من العمارة اتصل بنفس الناس اللي أبوها كان خايف منهم! سامح باع السر للشركاء الكبار مقابل نسبة، وهما دلوقتي باعتين عربيات وقوة عشان ياخدوا الظرف الصاج والورق بالقوة قبل ما نتحرك للبنك بكرة الصبح!” المحامي طالع طبنجه صغيرة من جيبه الخلفي وأشر للحراس: “قفلوا باب العمارة تحت بسرعة!
الأستاذة هناء لازم تخرج من هنا فوراً من باب السطح!” لكن قبل ما حد فيهم يتحرك خطوة واحدة، سمعنا صوت فرملة عربيات ضخمة وشديدة تحت العمارة. صوت زعيق وتكسير للباب الخشبي بتاع العمارة تحت، وصوت جزم تقيلة طالعة السلم بسرعة مرعبة! نهلة كانت بتصرخ تحت وبتقول بصوت هستيري: “فوق! الشقة في الدور الأخير! هاتوا البت والورق قبل ما يهربوا!” عمي إسماعيل مسك إيدي بقوة وشدني ناحية المطبخ وهو بيهمس بصوت مرعوب: “تعالي معايا يا هناء بسرعة.. فيه ممر ضيق على السطح بيودي لبيت الحجة أمل جارتكم.. السر ده لازم يفضل عايش، وأنتِ لازم تعيشي!” وقفت في نص المطبخ وأنا بصص للسقف اللي الماية نازلة منه، وللعلبة الصاج المفتوحة على الترابيزة. مسكت المفتاح الأحمر المربوط بشريط، وحطيته في رقبتي تحت الهدوم، وبصيت لعمي إسماعيل ودموعي نازلة بس عينيا فيها شرار: “مش هتهرب تاني يا عمي.. أمي عاشت عمرها كله تهرب وتستخبى وماتت مقهورة.. أنا مش هسيب حقها ولا هسيب الصندوق.” وفي نفس اللحظة، باب الشقة القديم اتكسر باقتحام قاسي، وظهرت في الصالة خيالات رجال أشكالهم ترعب، واقف في وسطهم سامح ومراته ابتسامتهم المريضة ملية وشوشهم!
انكسر الباب الخشبي القديم وتحوّل لألواح متناثرة على الأرض، ودخل الصالة أربعة رجال ضخام الأجسام بملابس سوداء، وملامحهم جافة خالية من أي رحمة. في وسطهم كان واقف سامح ومراته نهلة، الضحكة الهستيرية مغطية وشها، وعينيها بتلمع بشر ورغبة للانتقام. صرخ سامح بنبرة مليانة غل وهو بيشير عليا وعلى عمي إسماعيل: “هم دول! الظرف والورق معاها.. أديكم جبتكم لحد عندهم، هاتوا حقنا بقى!” تقدم الراجل الكبير بتاعهم، طلع طبنجة مزودة بكاتم صوت ووجهها مباشرة لعمي إسماعيل والمحامي، وقال بصوت هادي ومرعب: “ولا حركة.. المحامي يرمي السلاح اللي في إيده على الأرض هادئاً، والظرف الأصفر ينزل على الترابيزة.. محدش هيخرج من هنا حي لو سمعت صوت نفس واحد زيادة.” المحامي بص لعمي إسماعيل بقلة حيلة، ونزل السلاح ببطء على الأرض. الحارسين الضخام اللي كانوا معانا اتجمدوا في مكانهم تحت تهديد السلاح. نهلة قربت مني ببطء، وشها كان قريب جداً من وشي، ومدت إيدها بثقة عشان تشد الظرف الأصفر من إيدي وهي بتقول: “سلّمي يا شاطرة.. لعبتك انتهت، والأيام الفقيرة اللي عاشتها أمك كدب هتعيشيها أنتِ بجد، بس في السجن أو تحت التراب!” في اللحظة دي، وأنا شايفاها بتمد إيدها، افتكرت أمي..
افتكرت إيديها الساقعة في المستشفى، ورجليها المورمة من المشي في السوق، وعمرها اللي ضاع عشان تحميني. حسيت بنار بتغلي جوة قلبي، وقوة عمرها ما كانت عندي. بدل ما أسلمها الظرف، ضربت إيدها بقوة، وصرخت بعلو صوتي: “الورق ده مش ملككم.. ده تمن عمر أمي اللي سرقتوه!” وفي نفس الثانية اللي صرخت فيها، انطلقت صافرات إنذار الشرطة من برة العمارة! أصوات الويوو الضخمة غطت على صوت المطر، وأضواء سيارات الشرطة الحمرا والزرقا ضربت في زجاج بلكونة الصالة المكسور. الراجل المسلح اتخطف ووشه اصفر، وبص لسامح برعب: “أنت بلّغت الشرطة يا خاين؟!” سامح اتلجلج وجسمه بدأ يترعش: “والله ما عملت حاجة! أنا جيت معاكم أنتم بس!” عمي إسماعيل ابتسم ابتسامة نصر وسط التوتر، وقال وهو بيثبت نظره على الراجل المسلح: “التليفون اللي أنا رديت عليه من شوية ما كانش من حارس يا غبي.. ده كان إشارة لتتبع الموقع المتصل بالمباحث العامة وشرطة الأموال العامة. البلاغ مفتوح من لحظة ما سامح اتصل بكم، والحارة كلها متحاصرة من عشر دقائق.” ضربات أقدام قوية وركض سريع على السلم، وصوت مكبر صوت هز الشارع والعمارة: “الشرطة تحاصر المبنى!
ألقوا السلاح واخرجوا وأيديكم فوق رؤوسكم!” الرجال المسلحين حاولوا يتراجعوا ناحية المطبخ عشان يهربوا من باب السطح، بس حراس عمي إسماعيل استغلوا لحظة الارتباك وانقضوا عليهم. الصالة تحولت لساحة اشتباك قوية، سامح حاول يستغل الزيطة ويهرب ناحية الباب، بس أنا مسكت فيه وقفت في طريقه وشديته من الجاكيت بكل قوتي. بص لي سامح بعيون مليانة رعب وهو بيتوسل: “سيبيني يا هناء! سيبيني أهرب، أنا أخوكي!” تفيت على الأرض قدامه وقلت له بصوت يقطع الحديد: “أنت مش أخويا.. أنت اللي بعت أمك وجثتها لسه ما جفتش في تربتها!” في ثواني معدودة، اقتحمت قوات الشرطة الخاصة الشقة، وكتفوا الرجال المسلحين وسامح ونهلة على الأرض. الضابط الكبير دخل وهو ماسك ملف قضية ضخم، وبص لعمي إسماعيل وقال: “الأستاذ إسماعيل العلي؟ كل حاجة تحت السيطرة، والمجموعات الخارجية قبضت على باقي شبكة الاختلاس اللي كانت مستنية برة.” سامح ونهلة كانوا بيبكوا وينحبوا على الأرض وهما بيتساقوا بالكلبشات في أيديهم، ونهلة بتصرخ وتلائم سامح: “أنت السبب! أنت اللي دمرتني ودمرت نفسك عشان الفلوس!” سامح بص لي للمرة الأخيرة وهو خارج، ودموعه نازلة، بس أنا لفيت وشي عنه وما حستش بأي شفقة ناحيته.
/> قعدت على الكرسي القديم، والهدوء رجع للشقة تدريجياً. عمي إسماعيل قرب مني، وحط إيده على كتفي بتودد وقال: “خلاص يا هناء يا بنتي.. الكابوس انتهى. بكرة الصبح كل حقوق أمك وأبوكي بترجع لك رسمياً بالقانون، وتقدر تبدأي حياة جديدة شريفة مرفوعة الراس.” بصيت للعلبة الصاج المفتوحة على الترابيزة، وللمفتاح الأحمر اللي مربوط بشريط ومسكت الظرف الأصفر. قلت لعمي بصوت هادي وصافي: “أنا مش هعيش في القصور يا عمي.. الفلوس دي هتتبنى بيها مستشفى كامل لمرضى الضغط والقلب من الفقراء في منطقتنا، وهتتسمى باسم أمي. عشان محدش يترفض علاجها أو يموت وهو مش لاقي تمن الدوا زي ما حصل معاها.” عمي إسماعيل ابتسم وعينيه دمعت من الفخر، وهز رأسه بالموافقة: “أحسن قرار يا بنتي.. وكده أمك ترتاح في تربتها، وتعرف إن التضحية والعذاب اللي عاشتهم ما راحوش هدر.” طلعت البلكونة بعد ما المطر وقف، والشمس بدأت تشرق من بين السحاب الأسود. طلعت الصورة القديمة لأمي وهي أنيقة ومبتسمة، وبستها وحطيتها على قلبي. لأول مرة من يوم ما ماتت، حسيت بريحك دافية بتلمس وشي، وكأن أمي واقفة جنبي وبتهمس لي: “أنا دلوقتي مرتاحة يا بنتي.”