امي محتجزة ابني1

وسبتها تتفرج.

فضلت ساكت لحد ما سمعت صوتها وهي بتعيط.

وبعدين قالت جملة عمرها ما هتخرج من دماغي:

“هي كانت بتعمل فيا كده وأنا صغيرة… وأنا عمري ما قدرت أحكي لحد.”

يتبع…

الصدمة كانت تقيلة، الكلمات اللي منى أختي قالتها نزلت عليا زي المطر التلج. “هي كانت بتعمل فيا كده وأنا صغيرة…” الجملة دي لفت في دماغي مية مرة في ثانية واحدة. طول عمري كنت فاكر إن منى كانت بتدّلع وهي صغيرة، أو إنها انطوائية بطبعها، ماكنتش أعرف إن البيت اللي كبرنا فيه كان فيه ضحية تانية.
أنا اسمي كريم، واللوجستيات علمتني إنك لما تلاقي مشكلة في خط الإمداد، ما بتروحش تضرب السواق، أنت بتروح تقفل المحبس اللي بيسرب. وأنا المحبس بتاعي كان لازم يتقفل بحساب.
قلت لمنى بصوت واطي ومتحشرج بس حاسم:
* “منى، اسمعيني كويس. مفيش وقت للعيّاط دلوقتي. سارة بتموت جوه وآدم في إيدها. أنا مش هدخل البيت أعمل خناقة وأكسر الدنيا وتقلبها عليا وتعمل عيانة وتضيع حقي وحق مراتي. أنا عايزك تجيلي حالا. اطلبي أوبر وتعالي على أول الشارع عندي، أنا واقف بالعربية.”
منى شهقت وهي بتحاول تكتم عياطها:
* “حاضر يا كريم.. حاضر، خمس دقايق وهكون عندك. بس هتعمل إيه؟ أرجوك بلاش فضايح.”
قسّمت الخط وقبل ما أدور العربية، رجعت عيني على شاشة الموبايل. المنظر جوه كان بيزداد سوء.
أمي كانت قعدت على الكرسي الهزاز اللي بنرضّع فيه آدم، وحاطة رجل على رجل، وبتهز البيبي بكل برود، وآدم صوته بدأ يتنبح من كتر العياط. سارة كانت زحفت فعلاً على ركبها، دموعها كانت مغرقة وشها، وإيديها بترتعش وهي بتبدأ تلم فتافيت الحبوب والإزاز المكسور. المنظر كان يقطع القلب.. مراتي، شريكة حياتي، البنت اللي دخلت بيتي بكرامتها، نايمة على بطنها بتلم إزاز عشان تشوف ابنها! والسبب؟ الست اللي المفروض كانت تدعي لها بالشفاء.
في اللحظة دي، شفت سارة وهي بتصرخ صرخة مكتومة، وبصت لإيدها. حتة إزاز صغيرة غرزت في صباعها، والدم بدأ ينزل. أمي بصت لها وضحكت ضحكة صفرا وقالت -والصوت كان واضح في الكاميرا-:
* “نشّفي يا حبيبتي، أومال لو كنتي ولدتي طبيعي ووقفتي في غيط كنتي عملتي إيه؟ جيل مايع، ما بيستحملش خربوش.”
أنا سناني كانت بتخبط في بعض من كتر الغل. قفلت الشاشة عشان ما اتهورش وأدخل أرتكب جناية.
خمس دقايق وباب العربية اتفتح، ومنى دخلت. وشها كان مخطوف، وعينيها حمرا. بصت لي وقالت:
* “كريم.. أنا مش مصدقة إنها لسه بتعمل كده. أنا افتكرت إنها كبرت وعقلت، أو إن حبها لآدم هيغيرها.”
بصيت لمنى وقلت لها بجفاء:
* “الناس اللي زي أمك ما بتتغيرش يا منى. الناس دي بتتغذى على كسر اللي حواليها. أمك نرجسية، طول عمرها بتعيش دور الضحية قدام الناس، وتتمنظر بينا في النادي وعلى الفيسبوك، وجوه البيت بتطلع عقدها علينا. بس اللعبة دي خلصت لحد هنا. أنتِ جاهزة تعملي اللي هقولك عليه؟”
منى بلعت ريقها وخافت:
* “هتعمل إيه يا كريم؟”
طلعت موبايلي وفتحت الأبلكيشن بتاع الفيسبوك. أمي من نوعية الستات اللي عايشة على السوشيال ميديا. كل نص ساعة تنزل بوست: “مع حبيب تيتة آدم”، “ربنا يخليك ليا يا قلب تيتة ويشفي مامتك اللي مش قادرة تشيلك”.. الكومنتات كلها كانت من نوعية: “يا بخت سارة بيكي يا حاجة نادية”، “أنتِ أم ومثال للجدة الصالحة”.
بصيت لمنى وقلت لها:
* “أنا مش هطلق سارة ولا هسيب بيتي يخرب، بس أمك لازم تتدمر بنفس الس/لاح اللي بنته طول سنين حياتها.. س/لاح المنظرة والصورة المثالية.”
نزلت من العربية ومعايا منى. مشينا الخطوتين لحد باب العمارة. قلبي كان بيدق زي الطبلة، بس عقلي كان شغال ببرود غريب. فتحت باب الشقة بالمفتاح بالراحة خالص، من غير ما أعمل أي صوت. الشقة كانت هادية، مفيش غير صوت عياط آدم المكتوم وصوت نفس سارة المخنوق.
دخلت الصالة، ومن ورا الحيطة بتاعة المطبخ، شفت المشهد لايف.
أمي كانت لسه قاعدة، وسارة كانت خلاص إيديها فست دم من الإزاز، ومجمعة شوية فتافيت في إيدها التانية وتعبانة مش قادرة تقف.
أمي بصت لها وقالت:
* “ها.. خلصتي؟ ولا لسه فيه فتافيت تحت الكنبة؟ اخلصي عشان الواد جاع، وأنا مش هأكله طول ما أنتِ هملانة كده.”
في اللحظة دي، طلعت موبايلي، وفتحت لايف على الفيسبوك. أيوة، لايف على صفحتي اللي عليها كل قرايبنا، وكل أصحاب أمي في الجمعية الخيرية اللي هي عضوة فيها، وجيراننا، وكل الناس اللي كانت بتسقف لها.
كتبت عنوان اللايف في ثانية: “شوفوا الجدة المثالية الحاجة نادية وهي بتهتم بحفيدها ومراتي المريضة.”
دخلت الصالة وأنا رافع الموبايل وموجه الكاميرا عليها وعلى الأرض وعلى سارة.
أول ما أمي شافتني، ملامح وشها اتغيرت في جزء من الثانية. الابتسامة الصفرا اختفت، وحاولت تقوم بسرعة وتعدل آدم في حضنها وتقول بنبرة حنينة متصنعة:
* “كريم! حبيبي جيت بدري ليه؟ تعالي شوف آدم كان بيعيط وأنا بحاول أسكته، وسارة حبيبتي وقعت منها كوباية الإزاز وبحلف عليها ما تلمهاش وهي مصممة..”
سارة أول ما شافتني، انهاريت تماماً وقعدت في الأرض تبكي بصوت عالي وهي مخبية وشها بإيديها اللي مليانة دم.
أنا ما اتكلمتش. فضلت واقف مكاني، موجه الموبايل على أمي وعلى الأرض وعلى إيد سارة.
وقلت بصوت عالي وواضح عشان المايك يلقط:
* “كملي يا حاجة نادية.. كملي كلامك. قولي لسارة تنزل على إيديها ورجليها تاني عشان تاخد ابنها. قولي لها إنها فاشلة وضيعة. قولي للكاميرا وللناس اللي بتتفرج عليكي دلوقتي لايف إزاي كسرتي علبة المسكن بتاعة واحدة لسه طالعة من الموت!”
أمي تنحت. بصت للموبايل، وبصت لمنى اللي كانت واقفة ورايا وبتعيط.
* “أنت بتعمل إيه يا واد أنت؟ أنت اتجننت؟ بتقفل عليا الموبايل؟ اقفل البتاع ده!”.. أمي بدأت تفقد أعصابها وصوتها الحقيقي، الصوت الأجش الحاد اللي كانت بتستعمله معانا جوه البيت، بدأ يطلع.
شفت العداد بتاع اللايف وهو بيزيد.. 50، 100، 200 واحد دخلوا في ثواني. الكومنتات بدأت تنزل زي السيل: “يا نهار أسود! دي الحاجة نادية؟”، “هو إيه اللي بيحصل ده؟”، “حرام عليكي دي لسه والدة!”.
أمي لسه هتقوم وتهجم عليا عشان تاخد الموبايل، رحت قايل لمنى:
* “خدي آدم من إيدها يا منى.”
منى، لأول مرة في حياتها، وقفت وشها في وش أمها. قربت منها وبكل حسم أخدت آدم اللي كان وشه أحمر من كتر العياط. أمي حاولت تمنعها وتزعق:
* “سيبيه يا مقصوفة الرقبة! أنتِ بتدخلي في اللي مالكيش فيه؟”
لكن منى زقتها خفيف وأخدت الواد وطلعت بيه بره الصالة.
أنا نزلت على ركبي جنب سارة. رميت الموبايل على الكنبة وهو لسه شغال لايف وناقل كل حاجة بالصوت، وأخدت سارة في حضني. كانت بترتعش زي العصفورة المبلولة.
* “أنا أسف يا سارة.. أنا أسف يا حبيبتي إني سبتها تدخل بيتنا. حقك عليا.”
سارة مكنتش قادرة تتكلم، كانت بس بتشاور على بطنها وبتقول: “الخياطة يا كريم.. الوجع هيموتني.”
وقفت وبصيت لأمي اللي كانت واقفة في نص الصالة، وشها بقى لونه أزرق من الغضب والخوف بعد ما خدت بالها إن الموبايل لسه بيصور وإن فضيحتها بقت بجلاجل.
قالت لي وهي بتجز على سنانها:
* “أنت بتفضح أمك يا كريم؟ عشان خاطر بت الحارة دي؟ أنا اللي ربيتك وكبرتك وعملتلك شأن؟”
بصيت لها بكل برود وقلت لها:
* “أنتِ ما ربتينيش يا نادية هانم. أنتِ كنتِ بتستغلينا عشان تظهري قدام الناس إنك الأم العظيمة. ومنى أختي حكت لي كل حاجة. الفيديوهات اللي سجلتها ليكي من الكاميرا السرية من الصبح لحد دلوقتي، مش بس لايف.. دي متسيفة عندي. وبكرة الصبح هكون في قسم الشرطة بعمل بيكي بلاغ بالشروع في ق/تل زوجتي وتعريض حياة طفل رضيع للخطر.”
أمي ضحكت بسخرية ورعب في نفس الوقت:
* “شرطة؟ أنت هتحبس أمك يا كريم؟”
* “لو القانون ما حبسكيش، كفاية عليكي الفضيحة اللي أنتِ فيها دلوقتي. بصي على الموبايل كده..”
أمي قربت من الموبايل وبصت على الشاشة. شافت كومنتات من صحابها في النادي: “أعوذ بالله، إيه الوش التاني ده؟”، وواحدة صاحبتها أنتيم كتبت: “سقطتي من نظري يا نادية، حسبي الله ونعم الوكيل فيكي”.
أمي لفت حوالين نفسها زي المجنونة، وبدأت تصرخ:
* “اقفل البتاع ده! اقفله بقولك!”
أخدت الموبايل وقفلته. وبصيت لها وقلت لها بكلمات زي الرصاص:
* “شنطك اللي دخلت بيها البيت ده، هتطلع دلوقتي حالا. ولو شفتك عتبة البيت ده تاني، أو حاولتي تقربي من سارة أو آدم، الفيديوهات دي هتوصل للنيابة. اطلعي بره.”
أمي بصت لي بنظرة كلها كره، نظرة عمري ما شفتها من أم لابنها. دخلت الأوضة، لمت حاجتها وهي بتدعي عليا وعلى سارة بأبشع الألفاظ، وخرجت رقعت الباب وراها.
الشقة فجأة بقت هادية.
أخدت سارة بسرعة وشيلتها ودخلتها العربية، ومنى أخدت آدم ورا، وطلعنا على المستشفى. طول الطريق كنت حاطط إيدي على المقود وإيدي التانية ماسكة إيد سارة اللي كانت دافية بدمها.
الدكتور أول ما شاف سارة، وشاف الجروح اللي في إيديها وعرف اللي حصل وضغطها اللي كان واصل للأرض، بص لي بلوم وقال:
* “أنا مش قايل البنت دي محتاجة راحة تامة؟ الخياطة الداخلية اتفكت بسبب المجهود والضغط، ولازم تدخل العمليات حالا تنظيف وخياطة من جديد.”
قعدت على كرسي الاستراحة في المستشفى، حاطط راسي بين إيديا. منى كانت قاعدة جنبي بتهز آدم اللي كان سكت أخيراً بعد ما رضع.
بصيت لمنى وقلت لها:
* “أنتِ بجد كنتِ بتتعاملي كده وأنتِ صغيرة؟”
منى نزلت دموعها وقالت:
* “وأكتر يا كريم. لما كنت بغلط في الواجب، كانت بتخليني أنام على البلاط في الساقعة. ولما كبرت شوية وبدأ يجيلي عرسان، كانت بتطفشهم وتطلع فيهم العبر عشان تفضل مسيطرة عليا. أنا اتجوزت وسافرت برا مصر مخصوص عشان أهرب منها. ولما رجعت، كنت فاكرة إنها اتهدت.. بس هي لسه زي ما هي.”
سارة قعدت في العمليات ساعتين. ساعتين مروا عليا كأنهم سنتين. كنت خايف أخسرها، خايف إن قراري بالانتقام البطيء والفضيحة يكون جه على حساب صحتها.
أخيراً الدكتور خرج وطمنا:
* “الحمد لله، لحقناها في الوقت المناسب. النزيف وقف وقفلنا الجرح. بس المرة دي، ممنوع الحركة تماماً لمدة شهر. وأي ضغط نفسي تاني ممكن يدخلها في جلطة.”
دخلت لسارة الأوضة. كانت لسه بتفوق من البنج. وشها شاحب بس عينيا لمحت فيهم نظرة راحة لأول مرة من يوم ما أمي دخلت البيت.
قربت منها وبست رأسها:
* “حمد الله على سلامتك يا أم آدم. الكابوس انتهى.”
سارة ابتسمت بتعب وقالت بصوت ضعيف:
* “مبقتش خايفة يا كريم.. مادام أنت مصدقني وشايف الحقيقة، أنا مش خايفة من أي حاجة.”
عدى يومين، وخرجنا من المستشفى ورجعنا البيت. منى صممت تقعد معانا الفترة دي عشان تاخد بالها من سارة وآدم، وأنا أخدت إجازة مفتوحة من الشغل.
كنت فاكر إن الموضوع خلص لحد هنا. إن أمي هتبعد وتداري فضيحتها.
لكن في اليوم الثالث، وأنا قاعد في الصالة بعمل لسارة ينسون، سمعت خبط رزع على الباب. خبط مش طبيعي.
فتحت الباب..
ولقيت قدامي خالي الكبير، حاج محمد، ومعاه جوز أختي منى، ومعاهم اتنين رجالة كبار من العيلة. وجوه وسطهم.. كانت أمي واقفة، لابسة إسدال أسود، ومغطية وشها وبتعيط بنحيب وتقول:
* “أهو.. أهو الابن العاق اللي فضح أمه ورمى شنطها في الشارع عشان خاطر مراته!”
خالي محمد بص لي بنظرة غضب وشرر وقال بصوت جهوري هز العمارة:
* “بقى أنت يا كريم، مدير العمليات المحترم، بتعمل لايف تفضح فيه أمك قدام الغريب والقريب؟ أنت الحرمة لحست مخك للدرجة دي؟ اطلع بره البيت ده أنت وهي، البيوت دي بيوت أصول، واللي ما يصونش أمه ملوش مكان وسطنا!”
بصيت لخالي، وبصيت لأمي اللي كانت بتبص لي من تحت لتحت بابتسامة انتصار خبيثة، وكأنها بتقول لي: “فاكر نفسك كسبت؟ الجولة الثانية بدأت.”
يتبع…

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *