12 سنة

نظرت ريهام من النافذة بدافع الفضول، لتتجمد ملامحها للحظة. كان هناك رجل أربعيني، يرتدي ملابس رثة وممزقة، وظهره منحنٍ يحمل صندوقاً خشبياً لبيع المناديل وبعض البضائع البسيطة بين السيارات تحت أشعة الشمس الحارقة. كان وجهه شاحباً للغاية، وعلامات الهرم والكسرة قد حفرت على وجهه أخدوداً عميقاً.

إنه “مدحت”.

تعرفت عليه ريهام فوراً رغم تغير حاله. التقت عيناهما عبر زجاج السيارة الفارهة. تجمد مدحت في مكانه، وسقطت علبة المناديل من يده على الأسفلت. نظر إلى ريهام وهي في قمة أناقتها ووقارها، وإلى الطفل الجميل الذي يجلس بجوارها ويشبهها كثيراً، ثم إلى أحمد الذي كان يقود السيارة وينظر إليه بنظرة نصر صامتة.

شعر مدحت برغبة في أن تنشق الأرض وتبتلعه؛ كان هذا اللقاء هو العقاب الأشد قسوة من الموت نفسه. أن يرى بعينيه الغنى والرفعة والولد للضحية التي ظلمها، في المقابل الذي يتسول فيه هو قروشاً في الشوارع. لم تنطق ريهام بكلمة واحدة، ولم تفتح النافذة لتشتمه أو تتشفى فيه؛ بل اكتفت بنظرة هادئة مليئة بالحمد لله، ثم أغلقت عينيها ودعت لولدها. تحركت الإشارة، وانطلقت السيارة مسرعة، تاركة مدحت واقفاً في وسط الغبار والشمس، يجمع المناديل من على الأرض والدموع تنهمر على وجهه المغبر.

### الحكمة من القصة:

> **”إن الله يمهل ولا يهمل، والبيوت البنية على الظلم والطمع هدمها حتمي.”**

> * **جزاء الظلم عاجل أم آجل:** تذيق الدنيا للإنسان من نفس الكأس التي أذاقها لغيره. مدحت وأمه طمعوا في ملك ريهام وحاولوا طردها وكسر كرامتها بقلة الخلفة، فكانت النتيجة أن سُلبت منهم شقتهم وصحتهم ومأواهم، ورزق الله ريهام بالولد والمال في الوقت الذي حرمهم فيه من كل شيء.

> * **الرضا بقضاء الله يفتح أبواب المعجزات:** صَبَرت ريهام 12 سنة ورضيت بحكمة الله دون تسخط، ولما نفضت عن نفسها غبار العلاقة السامة وتوكلت على الله وأخذت بحقها بالقانون والأدب، رفعها الله وأبدلها بعد العسر يسراً، وجعل عقمها سبباً في معجزة طبيعية أبكت القلوب.

> * **المال والولد رزق من الله وليس شطارة بشرية:** حاول مدحت استبدال ريهام لياتي بالولد الذي يحمل اسمه بمال ريهام وشقاها، فخرج من الدنيا بلا زوجة، ولا ولد، وبلا مأوى، ليبقى وحيداً يجر أذيال الخسران.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *