12 سنة
أمسك مدحت يدها بارتباك وصاح: “أمي! في إيه؟ حاسة بإيه؟”
نظرت إليه الحاجة فايزة بنظرة أخيرة طويلة ملؤها الخوف والندم، وحاولت شفتيها الثقيلتين النطق بكلمة واحدة.. كلمة “ريهام”.. قبل أن تسترخي يدها تماماً، وتخرج روحها إلى بارئها، تاركة مدحت وحيداً في الغرفة المظلمة مع جثتها والديون والفضيحة.
لم يجد مدحت أحداً يقف بجواره في تلك الليلة الباردة؛ ماتت والدته الحاجة فايزة وهي تردد اسم “ريهام” بأنفاس مثقلة بالندم، ووجدت جثتها مسترخية على ذلك الفراش المتواضع في الغرفة الرطبة. اضطر مدحت للاستدانة مجدداً من بعض الجيران في الحي العشوائي ليدفع تكاليف الكفن والدفن، وسار خلف نعشها مع ثلاثة من الغرباء فقط، في جنازة مهينة وخفيفة لم يحضرها قريب أو صديق، بعد أن قطع الجميع صلتهم به إثر الفضيحة التي ملأت وسائل التواصل الاجتماعي.
عاد مدحت إلى غرفته الفارغة، وجلس على الأرض وحيداً. استوعب في تلك اللحظة حجم الكارثة؛ لقد خسر الزوجة المخلصة، والشقة والمال، وضاعت العروس الجديدة، وماتت أمه مشلولة ومقهورة، وبات هو محاصراً بديون الجيران وأقساط لا تنتهي، يعيش في قاع المجتمع كعامل مجهد لا يلتفت إليه أحد. أصبح يقضي ليله بالبكاء والنظر إلى جدران الغرفة المقشرة، مدركاً أن كل ما أصابه لم يكن سوى عدل الله الذي أمهله لحين، ثم أخذه أخذ عزيز مقتدر.
في المقابل، كانت المستشفى التي وضعت فيها ريهام تشهد أجواءً من النور والبهجة. ضمت ريهام طفلها إلى صدرها، وقررت أن تسميه “يوسف”، ليكون رمحاً للفرج والجمال بعد سنوات الصبر البئر التي عاشت فيها.
مرت الأيام والسنوات سريعة، وتحولت حياة ريهام إلى قصة نجاح ملهمة. كبر يوسف وأصبح طفلاً جميلاً يملأ عليها الدنيا بهجة، وكان شقيقها أحمد بمثابة الأب والسند له. أما مكتب الاستشارات المالي الخاص بريهام، فقد تحول بمرور السنوات إلى شركة كبرى لها فروع، وأصبحت ريهام من سيدات الأعمال المشهود لهن بالذكاء والنزاهة والأصل الطيب.
وفي أحد أيام الصيف، وبعد مرور خمس سنوات على تلك الأحداث، كانت ريهام تستقل سيارتها الفارهة بصحبة ابنها يوسف وشقيقها أحمد. توقفت السيارة أمام إحدى الإشارات المرورية المزدحمة في وسط المدينة. التفت يوسف الصغير إلى النافذة، وأشار بيده قائلاً: “ماما.. بصي الراجل ده شكله تعبان أوي.”