جوزى طلقنى واخد منى ولادى ومانعنى اشوفهم نهائى ناس كتير اتوسطت بينا ورفعت قضايا وبرضه مكنتش بلاقى نتيجه قررت انى اروحله بنفسى واتحايل عليه حتى لو اشوفهم وفعلاً طليقى قابلنى فضلت اعيط قدامه واترجاه اشوف ولادى لكن كان بيبصلى بسخريه ويقولى لأ قولته ـ أى حاجة هتطلبها انا هنفذها بس أبوس ايدك اشوف ولادى قلبى واكلمى عليهم قعد قدامى وحط رجل على رجل وبقى يبصلى بتعالى أنا موافق، بس هتيجي مذلولة وتنفذي أي حاجة أنا أو أهلي نطلبها منك أي حاجة بتحصل. بصيتله وأنا مش مصدقة القسوة اللي في عينيه، الدموع كانت مغمية عيني وقالبى واكلنى على عيالى مش عارفه ممكن يكون هو واهله عملوا فيهم ايه ، لكنه متهزش. بالعكس، مال عليا بجسمه وضيق عينيه بنظرة كلها شماتة، وتبريد لقلبه وهو شايفني مكسورة قدامه. سكت لحظة، كأنه بيستمتع بكسرتي، وبعدين كمل بصوت واطي . ـ من الآخر كده.. أنتِ مش هتدخلي البيت ده هانم، ولا حتى زوجه انتى اه هتبقى مراتى بورقه جواز. انما فى الأصل أنتى هتبقي خدامة تحت رجلين أهلي، اللي يقولوه يتنفذ جزمتهم فوق رقبتك، طلباتهم أوامر، وإهانتهم ليكي تستقبليها بابتسامة.. ده المقابل عشان بس تسمعي صوت ولادك وتعيشي معاهم في مكان واحد. ها؟ قوليلي بقى.. هتقدري على ثمن لقاهم، ولا لسه عايزه تعافرى ؟ نزلت كلماته عليا زي الكرباج، حسيت إن الأوضة بتلف بيا، والشرط اللي قاله دبح المتبقي من كرامتي. بصيتله بقلب محروق، وصوتي طلع مخنوق بالدموع والكسرة: ـ حرام عليك.. ليه عايز تكسرني كده؟ أنا عملت فيك إيه لكل ده؟ اتقي الله فيا وفي ولادك. انا لو اضمن انتوا بتعاملوهم ازاى مكنتش جيت هنا أبدا ضحك ضحكة صفرا هزت كياني، وسند ضهره لورا بكل برود، وبصلي بنظرة خلتني أحس إني ولا حاجة.. كمل بقسوة أشد وهو بيعدل قاعدته ـ ده شرطي، وأعلى ما في خيلك اركبيه. أهو أنتى جربتي كل الطرق؛ ناس واتوسطت، ومحاكم وقضايا ورفعتِى ، واديكي شفتي بنفسك ما عرفتيش تاخدي مني لا حق ولا باطل. قوليلي بقى.. هتسمعي الكلام وتوافقي بشروطي، ولا لسه فيكي حيل وعايزة تعافري وتخبطي دماغك في الحيط؟ مرواحك من هنا من غير موافقة معناه إنك بتنسي شكل ولادك للأبد. ودى اعتبريها اخر فرصه ليكى وليهم ها قولتى ايه وقفت الكلمات في حورق ريقي، بلعت غصتي المرة وأنا حاسة إن الهوا اتقطع عن المكان. الشرط كان ألعن من الموت، بيخيرني بين كرامتي اللي اتدوست، وبين حتة من قلبي مرمية في نار مش عارفة آخرها إيه. بصيت حواليا في الصالة الواسعة اللي كنت في يوم من الأيام صاحبة بيت فيها، ودلوقتي واقفة ذليلة مكسورة، والراجل اللي كان المفروض سندي بيبصلي وكأني حشرة مستني يدوس عليها بجزمته. حطيت إيدي على قلبي اللي كان بيوجعني بجد، وجع مادي ملموس، وسألته وصوتي طالع يدوب همس مخنوق: ـ وأهلك؟ أهلك اللي ياما ظلموني واستكتروا عليا الكلمة الحلوة، عايزني أرجع أعيش تحت رحمتهم؟ أبوس إيديهم عشان يرضوا عني؟ إنت معندكش قلب؟ مفيش في صدرك حتة حنينة تفتكرلي بيها أي حاجة طيبة؟ وقف من على الكرسي براحة، ومشى خطوتين لحد ما بقى واقوف قدامي بالظبط، حط إيديه في جيوبه وبصلي من فوق لتحت ببرود ينقط سم: ـ أهلي خط أحمر، وإنتي اللي جيبتيه لنفسك من الأول لما فكرتي إنك تقدري تقفي في وشي أو تلوي دراعي بالمحاكم والقضايا. أهو المحاكم اللي فرحانة بيها مطلعتلكيش بفايدة، والناس اللي اتحاميتي فيهم مأكلوش عيش معايا. من الآخر كده يا بنت الناس.. وقت الكلام والأحاسيس ده فات ودفناه، أنا دلوقتي بكلمك بزنس.. خدمة كاملة وطاعة عمياء لأمي وأخواتي، قصاد إنك تشوفي العيال. مأنتيش موافقة؟ الباب يفوت جمل، وبكرة تشوفيني وأنا متجوز ست ستك وهما بيقولولها يا ماما. الكلمة الأخيرة دي نزلت على وداني زي الصاعقة، "بيقولولها يا ماما"؟ عيالي أنا؟! اللي شيلتهم تسع شهور وسهرت الليالي في تعبهم؟ يروحوا لواحدة تانية تاخدهم باردة مبردة، ويعيشوا يفتكروا إن أمهم رمتهم وسابتهم؟ الدموع نزلت شلال على وشي، وبقيت بفرك في إيديا بقلة حيلة وخوف هز ضلوعي. حسيت إن الرؤية بتغوش تماماً، ومبقتش شايفة غير وشوش ولادي وهي بتضيع مني. قربت منه خطوة، ورجلي مش شيلاني، وطيت راسي غصب عني وعن كبريائي اللي اتهان، وقولت بصوت متقطع من كتر العياط: ـ موافقة.. موافقة على كل اللي تقوله، بس والنبي وريني ولادي دلوقتي.. أضمهم لحضني بس دقيقة، أتطمن إنهم كويسين ومش ناقصهم حاجة.. أبوس رجلك يا فلان. ابتسم ابتسامة النصر، ضحكة خبيثة ملت وشه وهو شايفني بنهار تماماً تحت رجليه، ومط شفته وبصلي باستهزاء وكأنه بيمضي عقد بيع وشراء: ـ تؤ.. مش بالسهولة دي يا قطة. وافقتي؟ يبقى أول خطوة تيجي بكرة مع المأذون، نكتب الورقة، ومن بعديها تدخلي من الباب ده بشنطة هدومك.. مش هانم زي ما قولتلك، لأ.. تدخلي على المطبخ علطول، تشوفي طلبات أمي إيه وتنفذيها لف ضهره ليا وسابني واقفة في نص الأوضة، وشاور بإيده للباب بكل قسوة وتكبر: ـ يلا.. الباب وراكِ، مستنيكِ بكرة في نفس المعاد.. بالورقة والقلم، والشروط اللي اتفقنا عليها. ها.. هتيجي، ولا لسه فيكي حيل تعافري؟ خرجت من باب الشقة وأنا مش شايفة قدامي، السلم كان بيتهز تحت رجلي، والدموع مغمية عيني لدرجة إني كنت هقع كذا مرة. نزلت الشارع وأنا حاسة بالهوا بيخنقني، الناس بتمر من جنبي عادي، العربيات بتعدي، الدنيا ماشية وكل حاجة طبيعية.. إلا دنيتي أنا اللي اتهدت فوق دماغي. طول الطريق للبيت وكلامه بيرن في وداني زي الجرس، "خدامة تحت رجلين أهلي"، "جزمتهم فوق رقبتك". الكلمات كانت بتنهش في كرامتي، بتدبح اللي باقي من البني آدمة اللي جوايا. وفي نفس الوقت، صورتهم وهما بعيد عني، شكلهم لو حد قسى عليهم أو زعقلهم، فكرة إن واحدة تانية تدخل حياتهم وتاخد مكاني.. كانت بتخليني أغلي من جوايا، نار بتاكل في ضلوعي. دخلت شقتي، رميت نفسي على السرير بهدومي، مكنش فيا حيل حتى أغير أو أغسل وشي. فضلت باصة للسقف، والأفكار بتجيب وتودي. ـ يا رب.. يا رب أنا عملت إيه لكل ده؟ ليه القسوة دي كلها؟ يعني يا إما أعيش من غير عيالي ويموت قلبي من حسرتي عليهم، يا إما أرجع أتداس بالجزام عشان بس أكون في نفس المكان معاهم؟ الليل عدا عليا وكأنه سنة، منمتش فيه دقيقة واحدة. كنت بقلب في صورهم على تليفوني، بلمس وشوشهم الصغيره على الشاشة وأنا ببكي بحرقة، بفتكر ريحتهم، ضحكتهم، وصوتهم وهم بينادوا عليا. كل ما عقلي يقولي "لأ.. متوافقيش، متبيعيش نفسك وتبقي جارية"، قلبي يصرخ ويقول "والعيال؟ هتقدري تعيشي من غيرهم؟". لحد ما الفجر أذن، قمت اتوضيت وصليت، وكنت بدعي وأنا ساجدة وببكي لدرجة إن السجادة غرقت من دموعي. قعدت على الأرض ومسكت راسي بين إيديا، وحسمت أمري.. مفيش فايدة من العفرة، المحاكم بتاخد سنين، والواسطة منفتش مع جحوده، وعيالي بيكبروا بعيد عني كل يوم. الساعة دقت تلاتة العصر. لميت كام حتة من هدومي في شنطة صغيرة، شنطة متقولش إني رايحة أعيش، دي شنطة واحدة رايحة تتسجن برضاها. نزلت ورجلي تقيلة، كأني ساحبة جبل ورايا. وصلت عند باب البيت، وقفت قدام الباب دقيقة كاملة، أخدت نفس طويل وكنت بحس بكرامتي وهي بتطلع مع النفس ده، ورفعت إيدي وخبطت. فتحتلي أمه.. بصتلي بنظرة كلها شماتة وفوقية، مديت عينيها لشنطة الهدوم اللي في إيدي، وراحت مالت على جمب وسابت الباب مفتوح، وقالت بصوت عالي وهي بتنادي عليه جوه: ـ تعالى يا سيدي.. الست هانم جات اهي، وشايلة شنطتها في إيدها كمان ومطاطيه راسها خرج من الأوضة الجوانية وهو بيعدل قميصه، ووشه مرسوم عليه ابتسامة نصر تقرف. بص للمأذون اللي كان قاعد على الكنبة وفاتح الدفاتر قدامه، وبعدين وجه نظره ليا، مالت عينيه على الشنطة اللي في إيدي، وضحك ضحكة مكتومة وهو بيهز راسه: ـ أهو كده.. تعجبيني لما تعقلي وتعرفي حجمك الطبيعي. قعدتي تقولي محاكم وقضايا وبلاد، وفي الآخر جيتيلى برضه الدموع اتجمدت في عيني، مكنتش قادرة حتى أعيط. الكسرة لجمت لساني. قعدت على طرف الكرسي البعيد كأني غريبة، والمأذون بدأ يكتب. كل كلمة كان بيقولها المأذون وكل إمضاء كنت بوقعها، كنت بحس إنها مسمار بيتدق في نعش البني آدمة اللي كانت جوايا. رميت عيني على باب الأوضة اللي العيال جوه فيها، كنت سامعة صرخة صغيرة أو ضحكة مكتومة، قلبي كان هينط من صدري وعايزة أقوم أجري عليهم، لكن نظرة طليقي وتحذيره الصامت لجموني في مكاني. قفل المأذون دفتره، ولم حاجته وقام مشي بعد ما بارك لـ "العرسان" بكلمتين باهتين. أول ما الباب اتقفل، اتنفضت من مكاني وقولت بصوت متقطع: ـ أنا نفذت شرطك ومضيت.. فين ولادي؟ عايزه أشوفهم. قبل ما ينطق، حماتي قربت مني، حطت إيدها في وسطها وبصتلي بعين ضيقة وقالت بنبرة كلها غل: ـ عيال إيه اللي تشوفيهم دلوقتي؟ الشقة دي الشقه محتاجه تتنضف و المطبخ مقلوب شوفي وراكِ إيه، والعيال نايمين جوه ومش هتقلقي راحتهم. بصيتله وأنا بستنجد بيه بنظرة أخيرة، يمكن يكون فيه ذرة رحمة، لكنه دار وشه الناحية التانية وقعد حط رجل على رجل ومسك تليفونه وقال ببرود: ـ كلام أمي يتسمع حرفياً.. من أولها كده هتعبيني؟ ادخلي المطبخ ولما العيال يصحوا هتشوفيهم، ده لو وريتيني شطارتك وخلصتي اللي وراكِ من غير لوع. حسيت إن روحي بتتسحب مني، الشنطة وقعت من إيدي على الأرض. مشيت بخطوات تقيلة مكسورة ناحية المطبخ، وبمجرد ما دخلت وقفت ورا الباب، كتمت بوقي بإيديا الاتنين وانفجرت في عياط مكتوم وهستيري.. دموع قهر على عمري، وعلى كرامتي اللي اتهانت، وخوف من الأيام اللي جاية تحت السقف ده. مسحت دموعي بسرعة بكم عبايتي لما سمعت صوت خبط كعب حماتي وهي بتقرب من المطبخ. حاولت أتحكم في شهقاتي وأبلع ريقي الناشف، وقفت قدام الرخامة وبدأت أطلع الحاجه اللي سيباها ليا.. كوم مواعين، وخضار عايز يتنظف، وطلبات م تخلصش، كأنهم كانوا مستنيين "الخدامة" توشك على الوصول عشان يبدأوا يعيشوا حياتهم. كنت بشتغل وإيديا بترتعش، وكل شوية عيني تروح على باب المطبخ المفتوح، وداني متعلقة بأي صوت يجي من الأوضة الجوانية. فجأة.. سمعت صوت باب الأوضة بيتفتح، وصوت خطوات صغيرة وناعمة على الأرض. قلبي دق بسرعة جنونية، لدرجة حسيت إنه هيقف. ـ ماما؟ الكلمة طلعت صغيرة، مهزوزة، كأن صاحبها مش مصدق عينيه. لفيت بسرعة، المواعين وقعت من إيدي في الحوض وعملت دوشة، وبصيت ناحية الباب.. كانوا هما. واقفين على عتبة المطبخ، ملامحهم الواحشاني، عينيهم اللي كنت بشوفها في أحلامي كل ليلة. رميت كل حاجة من إيدي وجريت عليهم، رميت نفسي على الأرض وبقيت في مستواهم، فتحت دراعاتي والدموع نزلت شلالات مكنتش قادرة أوقفها. هما كمان جريوا عليا، اترمو في حضني وكل واحد فيهم بيتشعلق في رقبتي وبيعيط. ـ وحشتيني أوي يا ماما.. إنتي كنتِ فين؟ بابا قالنا إنك مش هتيجي تاني. ـ أنا هنا يا قلب ماما.. أنا معاكم أهو، مش هسيبكم تاني أبداً، والله ما هسيبكم. كنت بشم ريحتهم، ببوس كل حتة في وشوشهم وأياديهم الصغيرة، بضمهم لحضني بكل قوتي كأني عايزة أدخلهم جوه ضلوعي عشان محدش يقدر ياخدهم مني تاني. في اللحظة دي، ورغم الوجع والذل والكسرة، حسيت إن روحي ردت فيا، وإن نار قلبي اللي كانت قايدة بقالها شهور بدأت تهدى شوية. لكن الفرحة مش مكتوب لها تدوم في البيت ده. صوت حماتي جه زي الكرباج من ورايا، وهي بتزعق وتشد العيال من حضني بقسوة: ـ جرى إيه يا هانم؟ إحنا جايبينك هنا تندبي وتعيطي وتعطلي العيال وتنسي الشغل اللي وراكِ؟ قسماً بالله لو ما قمتي دلوقتي تشوفي الأكل اللي على النار، لأخلي ابنى يرميكِ بره بالورقة والقلم اللي لسه مامضية دي، وماتلمحيش ضلهم تاني! العيال اتخضوا ورجعوا لورا وهم خايفين وبيبصوا لمجدة برعب. بصيتلها والغل مالي عينيها، وبصيت لولادي اللي انكمشوا في جنب.. بلعت كرامتي للمرة الألف، وقفت على رجلي وأنا كلي كسرة، وقولت بصوت واطي ومخنوق: ـ حاضر.. حاضر، داخلة المطبخ أهو. بصيت لولادي نظرة أخيرة بطمنهم بيها، ودخلت المطبخ وأنا عارفة إن دي مجرد البداية لطريق طويل من العذاب.. بس عشان خاطرهم، هتحمل أي حاجة .قعدت على ركبي في أرض المطبخ بلم حتت المواعين اللي وقعت، وبحاول ألم معاها شتات نفسي. عيالي بره، بيني وبينهم حيطة واحدة، وسامعة صوت حماتي وهي بتزعق فيهم وتجبرهم يدخلوا أوضتهم عشان "ميقفوش في طريق الست هانم وهي بتشتغل". كل كلمة منها كانت بتنزل على قلبي زي مية النار، بس كنت بكتم صرختي جوه صدري. عرفت ساعتها إن تمن وجودي جنبهم مش بس إني أكون خدامة، التمن الحقيقي هو إني أشوفهم بيتوجعوا ومقدرش أدافع عنهم، عشان لو اتكلمت.. الباب جاهز يترمي في وشي تاني. عدت الساعات وأنا واقفة على رجلي مش حاسة بيها. طبخت، وغسلت، ورتبت السفرة زي ما هما عايزين بالظبط. على المغرب، بدأ عمام الولاد يوصلوا. كنت سامعة صوت ضحكهم بره، وصوت طليقي وهو بيتكلم بفخر وكأنه انتصر في معركة حربية، وبيرد على مباركتهم بـ "الحمد لله، عرفت أربيها وأرجعها لطوعي من تاني". طلعت بالصواني وأنا حاطة عيني في الأرض، مش عايزة أبص في وش حد فيهم. حماتي كانت قاعدة تتأمر عليا قدامهم: ـ هاتي المية يا بت.. شوفي عمك فلان ناقصه إيه.. اغرفي الشوربة دي بردت. كنت بنفذ كل حاجة وأنا زي الآلة، مفيش في وشي أي تعبير. لحد ما عيني جت في عين طليقي؛ كان قاعد على رأس السفرة، بيبصلي بنظرة شماتة صافية، عينيه بتقولي "شفتي أخرة عفرتك إيه؟". خلص العشا، ودخلت المطبخ تاني عشان أكمل كوم المواعين اللي مبينتهيش. الشقة هديت والضيوف مشيوا، وحسيت إن البيت بقى كئيب وتقيل. دخلت حماتي المطبخ، رمت فوطة وسخة على الرخامة وقالت ببرود: ـ خلصي اللي في إيدك ده، وامسحي الصالة مطرح الناس، وبعدين تعالي خدي فرشتك عشان تنامي في الأوضة الصغيرة اللي جمب المطبخ.. إنتي عارفة طبعاً إنك مالكيش مكان في أوضة ابني، إنتي هنا بصفة تانية خالص. هزيت راسي من غير ولا كلمة. مشيت من قدامي وهي بتتحرطم بكلام مش مفهوم. على نص الليل، الشقة كلها ضلمت ونامت. خلصت كل حاجة، ومسحت الصالة في الضلمة وأنا بمسح معاها دموعي. مشيت براحة وعلى طراطيف صوابعي لحد أوضة ولادي. فتحت الباب براحة أوي عشان ميعملش صوت. كانوا نايمين.. شكلهم زي الملايكة في الضلمة. قربت منهم، قعدت على طرف السرير، ووطيت راسي أشم ريحتهم وأبوس جبينهم واحد واحد. دمعة سخنة نزلت مني على وش ابني الصغير، فتح عينه نص فتحة وشافني، ابتسم بضعف وهمس وهو بيقفل عينه تاني: ـ إنتي هنا بجد يا ماما؟ مش حلم؟ نزلت لمستواه وهمست في ودنه وصوتي مخنوق: ـ هنا يا قلب ماما.. جمبك ومش هسيبك، نام يا حبيبي نام. طبطبت عليه لحد ما غرق في النوم تاني. قمت وخرجت من الأوضة، ورحت على الأوضة الصغيرة اللي جمب المطبخ. رميت جسمي التعبان على المرتبة الصغيرة اللي على الأرض، وبصيت للسقف الضلمة. جسمي كله كان بيوجعني من التعب، وقلبي كان مفروم من الذل.. بس وأنا سامعة صوت نفس عيالي في الأوضة اللي جمبي، عرفت إني هتحمل بكرة، واللي بعد بكرة، وأي حاجة هتيجي بعد كده، مهما كان التمن غالي. في يوم، كنت قاعدة في الصالة براجع مع ابني الصغير درس الحساب، وبضحك معاه على نكتة قالها. فجأة، خرج مجدي من أوضته على صوت ضحكتنا. وقف فوق راسنا، وحط إيديه في جيبه، وبصلي بنظرة كلها برود وقسوة وقال: ـ جرى إيه يا شريفة؟ أنا شايفك واخدة على الوضع أوي وبقيتي بتضحكي وتفرفشي.. إنتي نسيتي نفسك ونسيتي شروط قعدتك هنا ولا إيه؟ الضحكة هربت من وشي في ثانية، وبصيت في الأرض وأنا ببلع ريقي. ابني اتخض وخاف، ولم كشكوله وقرب مني وهو بيترعش. كمل مجدي بصوت واطي ومخيف وهو بيميل عليا: ـ اللعب والضحك ده مش ليكي، إنتي هنا عشان تخدمي وبس، والعيال دول ليهم أب وأهل يربوهم، مش عايز أشوفك قاعدة معاهم القاعدة دي تاني.. قومي فزي شوفي أمي عايزة إيه في المطبخ، ويلا يا واد إنت وهو على أوضتكم مش عايز أشوف وشكم في الصالة. العيال جريوا على جوه وهم مرعوبين. قمت وقفت، وجسمي كله بيترعش من قهر ملوش آخر. بصيتله، ولأول مرة من يوم ما رجعت، طلعت مني كلمة مكنتش قادرة أكتمها: ـ حرام عليك يا مجدي.. أنا بعمل كل اللي بتقولوا عليه ومن غير ولا نفس، مستخسر فيا حتى الضحكة في وش عيالي؟ اتقي الله، دي القسوة دي ميرضاش بيها ربنا. ملامحه اتغيرت وفجأة ضيق عينيه وخطى خطوة سريعة ناحيتي، ورفع صباعه في وشي بتهديد صريح: ـ صوتك ميعلاش في البيت ده، وإلا وقسماً بالله العظيم أرميكِ بره الشارع في دقيقتك دي، وأخلي المأذون يطلقك طلقة تالتة مفيهاش رجوع، وساعتها مش هتشوفيهم لا بورقة ولا بغيره.. هترجعي لطوعك وتخرسي، ولا لسه فيكي حيل تعافري وتجربي قسوتي بجد؟ النَفَس ضاق في صدري، وحسيت بالحيطان بتقفل عليا. بصيت لِباب أوضة العيال اللي كان موارب، وشوفت عينيهم الصغيرة وهي بتبص عليا من ورا الباب برعب وخوف من إن أمهم تمشي وتسبهم تاني. نزلت عيني في الأرض، وكتمت غيظي وقهرتي وسكت. لفيت ضهري ومشيت ناحية المطبخ بخطوات مكسورة، وأنا بقول لنفسي: "استحملي يا شريفة.. عشان خاطرهم لازم تستحملي، مفيش فايدة من العفرة مع حد معندوش قلب". مرت الأسابيع الأولى بعد جلسات التحقيق وصدر قرار التمكين، لكن شريفة كانت عارفة كويس إن قعدة المحاكم بتطول، وإن واحد بنذالة مجدي وغِل أمه مش هيسكتوا، وممكن في أي لحظة يلعبوا لعبة جديدة أو يحاولوا يخطفوا العيال من قدام المدرسة عشان يلووا دراعها من تاني. الحيطان في القهوة والشارع والمنطقة كلها بقت بتفكرها بالوجع، وعيون الناس وكلامهم مبيخلصش. ومن هنا، أخدت شريفة قرارها الأخير عشان تقفل الصفحة دي بالضبة والمفتاح: هتمشي، وتبعد، وتبدأ من جديد في مكان محدش يعرفهم فيه. لمت شريفة حاجتها وحاجة عيالها في كام شنطة، المرة دي مكنتش شنطة سجن وذل، دي كانت شنطة العمر الجديد. ودعت صاحبتها المحامية اللي أمنتلها كل الإجراءات القانونية اللي تضمن سلامتها وسلامة العيال، وركبت القطر المتجه لمحافظة تانية بعيدة، محافظة ساحلية هادية، ملامحها مفيهاش أي أثر لمجدي أو لأيامه السودة. طول طريق السفر، وعينيها على عيالها السرحانين في الطريق من شباك القطر، كانت شريفة بتنفذ خطة "العزل الكامل". أول حاجة عملتها، طلعت خطوط التليفونات القديمة كلها من الموبايلات، وبكل قوة رميتها من الشباك، كأنها بترميهم هما وأيامهم في الهوا. اشترت خطوط جديدة بأسماء مالهاش علاقة ببياناتها القديمة، وقفلت كل حسابات السوشيال ميديا اللي ممكن حد يتتبعها منها أو يوصل لمكانها من خلالها. حتى شغلها وعلاقاتها القديمة، قطعت خطوطها تماماً ومبقاش معاها غير رقم صديقتها المحامية بس، للاطمئنان على سير القضية من بعيد لبعيد. وصلت المحافظة الجديدة مع أول خيوط الشمس. الهوا هناك كان مختلف، هوا نضيف مفيش فيه ريحة قهر. أجرّت شقة صغيرة وبسيطة في حي هادي وناسه طيبين في حالهم. وفي خلال أيام، نزلت بنفسها وقدمت لورق نقل العيال في مدرسة جديدة، ونبهت على الإدارة هناك بتقديم صورة من قرار الحماية الرسمي: "محدش يستلم العيال غيري أنا بشخصي". بدأت شريفة تدور على شغل جديد يناسبها، وفعلاً لقت فرصة في مشغل ملابس كبير وبدأت تثبت نفسها فيه بسرعة بفضل ذكائها وتفانيها. وفي ليلة، بعد ما العيال ناموا في أوضتهم الجديدة والأمان مالي وشوشهم، وقفت شريفة في بلكونة الشقة، وبصت للبحر الواسع قدامها وأخدت نَفَس طويل أوي، نَفَس كان محبوس في صدرها بقاله سنين. ابتسمت ودمعة دافية نزلت على خدها، بس المرة دي مكنتش دمعة كسرة.. دي كانت دمعة شكر لربنا اللي قواها. مسحتها وقالت لنفسها بثقة: "خلاص يا شريفة.. الطريق اتقطع، والماضي اترمى ورا الضهر، والنهاردة بيبدأ عمرك الحقيقي إنتي وولادك". دارت الأيام في المحافظة الجديدة، والهدوء اللي عاشته شريفة مع عيالها مكنش مجرد راحة، ده كان بداية لترميم كل حاجة انكسرت جواهم. العيال بدؤوا ينتظموا في مدرستهم الجديدة، وضحكتهم اللي كانت غايبة ورا الخوف رجعت تملى البيت الصغير من تاني. شريفة مكنتش بتسيبهم دقيقة، توديهم المدرسة وتجيبهم، وفي وقت شغلها في المشغل كانت علطول مطمنة عليهم، وبقت صاحبة المشغل بتعتمد عليها في كل حاجة بعد ما شافت أمانتها وشطارتها في الإدارة وتنسيق الشغل. على الجانب التاني، في قاهرتهم القديمة، كان مجدي وأمه عايشين في قلب بركان. مجدي اللي افتكر إن الساحة فضيت له وإنه قفل على شريفة كل السكك، لقى نفسه مطلوب في النيابة بتهم تزعزع مركزه قدام أهله وناسه. التسجيلات والفلاشة اللي سابتها شريفة وراها كانت عاملة زي الحبل اللي بيتدور حوالين رقبته، كل ما يحاول يكدب أو ينكر، يواجهوه بصوته واعترافاته وهو بيتفاخر بتزوير الأحكام ورشاوي شهود الزور والابتزاز. مجدي جاله جنون.. بقى يقلب الدنيا عليها، يدور في بيوت قرايبها، يسأل أصحابها، يروح للأماكن اللي كانت بتردد عليها، لكنه خبط دماغه في الحيط؛ شريفة فصت وملح وداب. التليفونات مقفولة، السوشيال ميديا ممسوحة، وحتى المحامية بتاعتها لما استدعاها في المحاضر، وقفت بكل برود وثقة وقالت للقاضي: "موكليتي بتمارس حقها القانوني في حماية نفسها وأولادها بعد التهديد الصريح بالقتل والابتزاز اللي موثق في الأحراز، ومكانها مش من حق حد يعرفه طالما ملتزمة بحضور الجلسات من خلالي". وفي يوم من الأيام، والشمس دافية على شاطئ البحر في المحافظة الجديدة، كانت شريفة قاعدة على الرمل بتراقب عيالها وهم بيلعبوا ويجروا ورا الموج، والضحكة طالعة من قلبهم صافية من غير خوف. تليفونها الجديد رن، كانت صاحبتها المحامية. ـ "مبروك يا شريفة.. المحكمة أصدرت حكمها النهائي والبات بسقوط الحضانة عن مجدي وأمه تماماً، وبأحقيتك الكاملة في الولاية التعليمية والضم، والقضية بتاعة التزوير اتأحلت للجنايات وبقيت هو وأمه بيدوروا على واسطة تنجدهم من الحبس.. إنتي كسبتي يا شريفة، كسبتي بالضربة القاضية". شريفة نزلت التليفون من على ودنها، والدموع نزلت من عينيها، بس المرة دي كانت دموع فرحة ونصر غسلوا كل نقطة قهر عاشتها تحت سقف البيت الداكن داك. بصت لولادها اللي جريوا عليها وارتموا في حضنها وهم بيضحكوا والموج بيغسل رجليهم، ضمتهم لقلبها بكل قوتها، وبصت للسما وقالت بصوت مسموع: "الحمد لله يا رب.. الحمد لله إنك مكسرتش بخاطري، وجمعتني بيهم على حق وكرامة". قفلت شريفة صفحة مجدي وأيامه للأبد، وبدأت تكتب بملامحها الواثقة وبضحكة عيالها السطور الأولى في كتاب حياتهم الجديدة، حياة مفيهاش ذل، ولا فيها كسرة.. فيها بس أم قوية عرفت تحمي حتة من قلبها. دارت السنين والوقت جرى كأنه في ثانية، والمدينة الساحلية الهادية شهدت على ملحمة حقيقية بطلتها أم قررت إنها متستسلمش. شريفة مكنتش مجرد أم بتأكل وتشرب، دي كانت بتبني في عيالها حيطة حيطة، بتزرع فيهم الأصول، عزة النفس، والنجاح اللي يخليهم يبصوا للدنيا وراسهم مرفوعة فوق في السما. المشغل الصغير اللي بدأت فيه كعاملة باليومية، بفضل ذكائها، وتعبها، وسهر الليالي، اتحول لواحد من أكبر مصانع الملابس الجاهزة في المحافظة كلها. شريفة بقت "الحاجة شريفة"، الاسم اللي الكل بيعمل له ألف حساب، الست بمليون راجل اللي بنت إمبراطورية من مفيش، وبقى شغلها بيتصدر لبره والمحافظ كله بييجي يفتتح خطوط الإنتاج الجديدة بتاعتها. بس نجاح شريفة الحقيقي مكنش في الفلوس ولا في اسم المصنع.. نجاحها كان واقف قدام عينيها. ابنها الكبير، اللي كان زمان بيترعش من صوت أبوه وجدته، كبر وبقى مهندس قد الدنيا، مخلص جامعتة بتفوق وبقى دراعها اليمين في إدارة المصانع والتطوير. وبنتها الصغيره اللي كانت بتستخبى ورا ضهرها، بقت دكتورة صيدلانية شاطرة، والكل بيحلف بأدبها وشطارتها. العيال كبروا وهم شايفين أمهم مثال للشرف، والقوة، والكفاح، فطلعت نفوسهم نضيفة وشبعانة، ومليانة حنية على الأم اللي ضحت بعمرها عشانهم. وفي يوم من الأيام، كان فيه حفلة تكريم كبيرة في المحافظة لرجال وسيدات الأعمال المتميزين، وكانوا أولاد شريفة قاعدين في الصف الأول، لابسين أشيك ما عندهم، وعيونهم بتلمع بالفخر وهم باصين للمنصة. لما المذيع نطق اسمها: "والآن مع تكريم سيدة الأعمال الأولى، رمز الكفاح والنجاح.. الحاجة شريفة". القاعة كلها اتهزت من كتر التصقيف. وقفت شريفة بوقارها وهيبتها، وعبايتها السودا الراقية، وطلعت السلم بخطوات ثابتة قوية، نفس الخطوات اللي نزلت بيها سلم الذل زمان، بس المرة دي طالعة لقمة الدنيا. وهي بتستلم درع التكريم، عينيها جت في عين عيالها. المهندس الصغير وقف وبقى يصقف بحرقة والدكتورة عيونها دمعت من الفرحة. شريفة مسكت المايك وقالت كلمتين هزوا القاعة: ـ "النجاح ده مش بتاعي لوحدي.. النجاح ده لولادي، اللي عشانهم عفرت، وعشانهم عشت، وعشانهم دُست على أي وجع.. هما دول استثماري الحقيقي وجائزتي الكبيرة من الدنيا". وفي نفس التوقيت ده، في زقاق ضيق في قاهرتهم القديمة، كان مجدي قاعد على قهوة بلدي، شعره شاب، وصحته اتهدت من شيل الهم، وأمه ماتت بغلها وحسرتها بعد ما المحاكم أخدت كل حاجة منهم، وفلوسهم راحت في قضايا وتعويضات. كان مجدي ماسك الجرنان في إيده بالصدفة، وعينه جت على صورة شريفة وهي بتتكرم، وجنبها عيالها، المهندس والدكتورة، ملامحهم بقت رجالة وأوانس، ناجحين وفي أعلى المراكز. مجدي حس بسكينة بتتغرس في قلبه، دموعه نزلت وهو مش قادر حتى ينطق اسمهم. عرف في اللحظة دي إن الست اللي استقوى عليها زمان وافتكر إنه كسرها، دافعت عن لحمها بذكاء، وبنت لعياله مستقبل هو نفسه مكنش يحلم بيه. قفلت شريفة الرواية وهي واقفة في وسط عيالها، سانده عليهم وهم ساندين عليها، بعد ما أثبتت للدنيا كلها إن اللي بيعافر بالحق والضمير والصبر، ربنا بيخليه في الآخر حاجة كبيرة أوي.. والكل بيعمله ألف حساب.