بعد وفاة امي .. نور محمد

بعد وفاة أمي، كرّست حياتي كلها لخدمة أبويا بعد ما أصيب بجلطة خلّته قعيد السرير سبع سنين كاملة. رفضت الجواز، سيبت شغلي، وبقيت أنا الممرضة والبنت والصاحبة وكل حاجة في حياته. أخواتي الولاد، طارق وحسام، كانوا بييجوا كل فترة كأنهم ضيوف، يسألوا سؤالين، يشربوا الشاي، ويمشوا.

​ولما أبويا مات، حسيت إن آخر سند ليا في الدنيا راح.

​يوم التالت بعد العزاء، وبعد ما الناس كلها مشيت، لقيت طارق وحسام قاعدين في الصالة مستنييني. افتكرت إنهم هيقولوا لي: “إحنا معاكي”، لكن طارق فاجأني وهو بيقول:

​”شدي حيلك يا سلمى… وإحنا كنا عايزين نخلص موضوع الشقة بسرعة. أنا عليا ديون كبيرة، وحسام محتاج فلوس يسافر بيها، فقررنا نعرض الشقة للبيع.”

​بصيت له وأنا مش مصدقة.

​”تبيعوا الشقة؟ وأنا أروح فين؟”

​رد حسام بمنتهى البرود:

​”إنتِ ليكي نصيبك في الورث وخلاص، تقدري تأجري بيه مكان على قدك. محدش طلب منك تضيعي عمرك هنا. ده كان قرارك.”

​الكلمات نزلت على قلبي زي السكاكين.

سبع سنين من عمري ضاعوا بين المستشفيات والأدوية والسهر، وفي الآخر بيتعاملوا معايا كأني عبء لازم يتشال من طريقهم.

​لكن بدل ما أصرخ، قمت بهدوء، دخلت أوضة أبويا، وفتحت دولابه القديم.

طلعت ظرف بني كان مخبيه في درج سري عمرهم ما عرفوا عنه حاجة.

رجعت وحطيته قدامهم.

​”افتحوا.”

​فتح طارق الظرف، وبعد ثواني وشه اتغير.

كانت عقود بيع وتنازل رسمية ومسجلة باسمّي.

الشقة كلها بقت ملكي من تلات سنين.

​بدأ الاتنين يزعقوا ويتهموني باستغلال مرض أبويا، لكني فتحت باب الشقة وقلت لهم بجمود:

​”الشارع بره أهو… ومشوفش وش حد فيكم هنا تاني.”

​خرجوا وهما بيبصولي بنظرات مليانة غل وحقد، وتوعدوا إنهم مش هيسيبوا حقهم.

قفلت الباب، وسندت ضهري عليه وأنا باخد نفسي لأول مرة، حاسة إن أبويا حماني وأمّن مستقبلي.

​عدّى شهر بحاله.

الهدوء كان مالي البيت، وبدأت أحاول أرجع لحياتي الطبيعية وأدور على شغل جديد.

​لحد ما في يوم، الساعة ١٠ الصبح، جرس الباب رن.

​بصيت من العين السحرية، لقيت طارق وحسام واقفين.

كنت هسيبهم وأمشي، بس لاحظت إن معاهم راجل لابس بدلة، وظابط شرطة.

​قلبي انقبض. فتحت الباب نص فتحة وسألت: “خير؟”

​طارق زق الباب ببرود ودخل هو والي معاه، وقال:

“خير طبعاً… محامي العيلة، وجايين ننفذ القانون.”

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *