الشقة الجديدة 1
فتح سامح بقه عشان يتكلم، لكن لسانه عجَز، والنظرة اللي في عينيه اتغيرت من التوتر والخوف لجمود شخص اتكشف كدبه للآخر وما بقاش فاضل عنده خط دفاع يدافع بيه.
وطّى إيده اللي فيها التليفون، وغمض عينيه وقفل الموبايل كأنه بيحاول يهرب من مكالمة الشريكة اللي كانت على الناحية التانية.
— ندى.. افهمي الأول قبل ما تحكمي.
صوته كان خالي من أي نبرة انفعال، صدمتني برودته اللي حلّت فجأة محل التوتر. قربت منه خطوة، ومسكت في الأوراق اللي في شنطتي بقوة كأني بتمسك بالحقيقة الوحيدة اللي في إيدي.
— أفهم إيه؟ أفهم إنك استغليت وجودي في المستشفى، وأنا تعبانة، عشان تاخد بصمتي؟ ولا أفهم إنك دبستني في ديون وقرض لشركة واحدة أنا معرفهاش؟ مين رانيا يا سامح؟! انطق!
قعد على طرف السرير، حط إيديه الاثنين على وشه، واستمر في الصمت لثواني مرّت عليا كأنها سنين. ولما رفع راسه، كانت عينيه حمرا من الحيرة والارتباك.
— رانيا دي.. كانت شريكتي.
— شريكتك في إيه؟ إحنا متجوزين من 7 سنين، وطول العمر بتقولي شغلك في التسويق العقاري ماشٍ تمام، ومستقل، وعمرك ما جبت سيرة شريكة!
— كانت شريكة من تحت لتحت.. مشروع أرض كنا بنحاول نخلص أوراقها ونبيعها، وكان لازم سيولة عشان نعدي الأزمة. الشركة كانت باسمها هي، والبنك طلب ضامن متضامن له مليئة مالية ومستندات ملكية ثابته.. وأنا وقتها ما كانش عندي أي عقار مسجل رسمي غير الشقة القديمة اللي كنتِ واخدة حقك فيها من ورث والدك!
الكلمات نزلت عليا .
— يعني إنت ما اكتفيتش إنك تسرق بصمتي وأنا تعبانة.. إنت استغليت ورثي من بابا اللي أمّنتك عليه؟!
قام وقف بسرعة وقرب مني، محاولًا يمسك كتفي لكنني بعدت عنه بصرخة:
— ما تلمسنيش!
— يا ندى افهمي! أنا ما كنتش ناوي أضرك! القرض كان مفروض يتسدد في سنة واحدة! رانيا هي اللي هربت بالفلوس! هي اللي لبستني ولبستك.. الفلوس اتصرفت لحساب الشركة وهي خذت الأرباح واختفت من سنة، وأنا من ساعتها بحاول أوصلها أو ألم الموضوع من غير ما أسببلالك أي مشاكل!
— ما تسببيليش مشاكل؟! إنت بوظت حياتي! عليا حظر تصرف! شقتي الجديدة اللي بننقلها مهددة، والبنك هينزل يحجز على كل حاجة باسمي بسببك! إنت مش بس خنتني.. إنت زوّرت توقيعي وبصمتي!
وفجأة.. الموبايل في إيده رن تاني.
بصيت للشاشة اللي أضاءت، والاسم ظهر صريح: رانيا تسويق.
الست اللي كان لسه بيقول إنه بيحاول يوصلها وإنها هربت بالفلوس وخدعتهم.. كانت بتتصل بيه في نفس اللحظة!
انقبض قلبي، وبصيت لسامح بصدمة أشد من الأولى.
سحب الموبايل لورا بسرعة ومسح الاسم.
— دي اللي هربت واختفت؟ دي اللي ما تعرفش عنها حاجة ومن سنة بتدور عليها؟! إنت لسه على تواصل معاها يا سامح! إنت بتكذب عليا لحد دلوقتي!
هز راسه بنفي ارتباكي:
— لأ.. دي.. دي مش هي.. دي واحدة تانية بتشتغل معاها!
— هات التليفون ده!
هجمت عليه عشان أشد التليفون من إيده، لكنه زقني بحدة وخلاّني أرجع لورا وأتخبط في ضلفة الدولاب. مسك التليفون وحطه في جيبه، ونظرة عينيه اتغيرت تمامًا.. ما بقتش نظرة الزوج الخايف، بقت نظرة الشخص المهدد اللي بيحارب عشان يخرج منها.
— لحد هنا وكفاية يا ندى! إنتِ فاكرة إن الطعن ده هيحميكي؟ لو التحقيق فتح، أنا مش لوحدي اللي هروح في داهية.. إنتِ كمان هتتدبسي في س و ج ومحاكم وهتتفضحي قدام أهلك والناس! الطعن ده لازم يتسحب بكرة الصبح!
— مش هسحبه! لو فيها سجني أنا مش هسيبه يضيعني بسبب قذارتك! أنا هفضحك وهياخدوا البصمة ويتأكدوا إنها مش بصمتي!
ابتسم ابتسامة باهتة ومسمومة وهو بيبصلي ببرود:
— هيتأكدوا إزاي؟ إنتِ فاكرة البصمة دي اتسحبت وإنتِ تعبانة بس؟ إنتِ نسيتي الأوراق اللي كنتِ بتبصمي عليها للعملية وللمستشفى ولإجراءات التأمين؟ أنا أخدت البصمة الحقيقية من إيدك وبطريقة ما تخليش حد يشك بسهولة.. البصمة بصمتك يا ندى! الحبر حبر إيدك! حتى لو خبير أثبت إنها فيها إزاحة، القاضي هيشوفها بصمتك الحية.. هتقولي إيه للنيابة؟ جوزي خد بصمتي وأنا في المستشفى؟ مين هيصدق إنك ما كنتيش موافقة وزعلانة دلوقتي لأن القرض تعثر؟!
الكلمات نزلت عليا زي المية الساقعة.
كان مرتب كل حاجة. كان حاسب حساب اليوم ده من سنتين!
الشيطان اللي كنت عايشة معاه تحت سقف واحد لسبع سنين، كان بيبني قبري القانوني خطوة بخطوة وهو بيبتسم في وشي.
وقف ببرود، تعدّل ياقة قميصه، وقال بصوت واطي ومحسوب:
— بكرة الصبح هتروحي الشهر العقاري، وهتسحبي الطعن، وهتقولي إنك افتكرتي وإن الموضوع كان بموافقتك.. وأنا هتكفل إني أسدد للبنك جزء من المبلغ وأعمل إعادة جدولة. لو عملتي غير كده.. مش بس شقتك هتروح، أنا هسيب الورق كله يلّبسِك القضية لوحدك، ورانيا عندها مستندات تثبت إن الفلوس دخلت في حسابات تخص أوراق باسمك إنتِ كمان!
— إنت بتفبركلي قضايا؟
— أنا بظبط موقفي يا ندى.. والذكية هي اللي تحافظ على بيتها ونفسها.
ساب الأوضة وخرج، وسمعت صوت باب الشقة بيتقفل بقوة.
قعدت على الأرض، الدموع جفت في عيني وتحولت لنار. الشنطة كانت جمبي، فتحتها وطلعت أوراق العقد الممسوحة اللي أخدتها من الشهر العقاري.
بدأت أقرا كل كلمة، كل بند، كل توقيع.
اسم رانيا.. اسم الشاهد الثاني.. اسم الشركة: (الشركة المصرية للتطوير والعقارات).
وفجأة.. عيني وقعت على السجل التجاري المرفق في ظهر العقد.
رقم السجل: 104582.
تاريخ التأسيس: يناير 2022.
اسم المالك الأساسي: رانيا محمود عبد السلام.
واسم المدير المسئول اللي ليه حق التوقيع والتعامل مع البنوك:
سامح الشريف عبد الفتاح.
ما كانش مجرد شاهد أو ضامن.. سامح كان المدير التنفيذي للشركة!
هو الشريك المستتر والرأس المدبر لكل حاجة!
لكن المفاجأة الأكبر ما كانتش هنا..
في آخر ورقة من الملف، كان فيه صورة من كشف حساب بنكي أترفق في ملف الضمانات.. كشف حساب جاري باسمي أنا، عليه حركة سحب وإيداع بمبالغ ضخمة طوال سنة 2021!
حساب في بنك أنا عمري ما دخلته ولا فتحت فيه حساب في حياتي!
مسكت الموبايل وإيدي بتترعش، وجبت رقم المحامي الخاص بوالدي الله يرحمه، الأستاذ حسام.
رنيت عليه، ولما رد، كان صوته دافي ومشفق:
— أهلاً يا ندى يا بنتي.. خير؟
— أستاذ حسام.. أنا في مصيبة.. ومحتاجة حضرتك فورًا.
شرحتله اللي حصل في الشهر العقاري باختصار، وعن العقد ورانيا والبصمة.
الأستاذ حسام سكت فترة طويلة، وسكوت المحامين ده دايماً بيبقى معناه إن الموضوع أكبر من مشكلة عادية.
— ندى.. اسمعيني كويس. اللي بتقوليه ده مش مجرد تزوير قرض.. ده تشكيل عصابي وتبييض أموال لو الحساب اللي باسمك ده حقيقي وفيه الحركات دي. سامح مش بيحمي نفسه منك، سامح خايف من حاجة أكبر بكثير.
— حظر التصرف يا أستاذ حسام.. الشقة الجديدة والقديمة؟
— حظر التصرف ده إجراء تحفظي مؤقت صدر بناءً على أمر قضائي من البنك.. لكن المصيبة إن البصمة لو اتفحصت وأثبتت إنها بصمتك بالفعل زي ما هو بيدعي، الطعن بالتزوير هيتقلب ضدك قضية بلاغ كاذب!
— يعني إيه؟ يعني أستسلم له وأسحب الطعن زي ما قال؟
— إياكي! لو سحبتِ الطعن تبقى أقرّيتي بصحة العقد والمديونية، وكده البنك هيحجز على كل أملك فورًا، وغير كده هتكوني شريكة رسمية في الديون والأحكام الصادرة!
— أومال أعمل إيه؟
— بكرة الصبح بدري، هتقابليني قدام مجمع المحاكم.. قبل ما يروح هو الشهر العقاري أو يعمل أي حركة. فيه نقطة ضعف في الكلام اللي قالهولك.. ونقطة الضعف دي هي “المستشفى”.
— المستشفى؟
— أيوه. هو فاكر إن البصمة طالما حقيقية يبقى خلاص حسم القضية. لكن القانون مش بس بصمة وتوقيع.. القانون فيه حاجة اسمها “انتفاء الإرادة”. لو أثبتنا بالتقارير الطبية ودفاتر المستشفى إنك يوم 14 مارس 2022 كنتِ تحت تأثير المخدر أو تعبانة في غرفة العمليات في نفس ساعة توقيع العقد.. يبقى حتى لو البصمة بصمتك، العقد باطل بطلان مطلق لانعدام الإرادة، وسامح هيتحول من مدعي إلى متهم بتهمة استغلال ظروف مريض وتزوير محررات رسمية!
أول ما الأستاذ حسام قال الجملة دي، حسيت بنور بسيط بيطلع من وسط الضلمة.
— لكن يا أستاذ حسام.. المستشفى دي مستشفى خاص، وسامح كان يعرف أطباء فيها.. ممكن يكون غير في الدفاتر أو شال التقرير!
— عشان كده مش هنستنى لبكرة الضحي. هنتحرك فورًا نطلب إثبات حالة وتحفظ على دفاتر المستشفى الليلة دي عن طريق النيابة قبل ما يعرف إننا بنتحرك في الاتجاه ده!
قفلت مع الأستاذ حسام، وقمت بسرعة لبيت أختي عشان أبيت عندها وأبعد أوراقي بعيد عن سامح.
جمعت كل أوراقي الشخصية، دهبي، وصور العقود، وحطيتها في شنطة صغيرة.
وأنا نازلة على السلم، سمعت صوت عربية سامح بتقف تحت العمارة.
نزلت من باب الخدمات الخلفي للعماره بسرعة ووقفت في الضلمة.
شفت سامح نازل من العربية، وبيرد على التليفون، وبيتكلم بصوت عالي وعصبي وهو طالع:
— بقولك مش هتقدر تعمل حاجة! أنا أخدت الاحتياطات دي من زمان.. الدكتور اللي كان ماسك حالتها في المستشفى مسافر بره مصر من سنة، والملف الورقي القديم اتحرق في حريق الأرشيف بتاع المستشفى السنة اللي فاتت! الأوراق الوحيدة المتبقية هي اللي معايا ومع البنك! هي مالهاش أي مخرج!
وقفت مكاني والدم اتجمد في عروقي.
الملف اتحرق؟ والدكتور مسافر؟
سامح ما كانش بيراهن على البصمة بس.. سامح كان مسح كل أثر يثبت إنني كنت في المستشفى في اليوم ده!
طلبت تاكسي بآيادي بترتعش، وركبت وأنا حاسة إن الأرض بتميل بيا.
العقل المدبر اللي ورا القصة دي مش مجرد زوج خاين.. ده شخص كان مرتب لكل خطوة من سنتين.
وصلت بيت أختي، وحكيت لها كل حاجه.
أختي مسكتني من إيدي وقالتلي:
— ندى.. افتكري! يوم عملية الزائدة.. إنتِ ما كنتيش في المستشفى الخاص بس!
بصيت لها بعدم فهم:
— يعني إيه؟ أنا عملت العملية في مستشفى السلام الخاص!
— أيوه.. بس لما حالتك تدهورت بعد العملية ونزلتي المستشفى، نقلتك الإسعاف بالليل لمستشفى حكومي عشان تدخلوكي رعاية مركزة فورًا! الإسعاف هي اللي نقلتك، ورقم البلاغ وسجل الطوارئ مستحيل يقدر يمسحه أو يحرفه.. ده سجل حكومي ومربوط بالشبكة القومية للطوارئ!
رفعت راسي، وشرارة أمل جديدة ولعت جوايا.
يوم 14 مارس.. تاريخ العقد.. كان هو نفس اليوم اللي اتنقلت فيه بالإسعاف الحكومي بين المستشفتين!
مسكت الموبايل وبصيت في الساعة.. كانت 2 بعد نص الليل.
كتبت مسج للأستاذ حسام:
“أستاذ حسام.. فيه هيئة إسعاف ونقل حكومي شالتني يوم 14 مارس بين المستشفى الخاص والحكومي.. ده الخيط اللي هيثبت وجودي في الإسعاف غايبة عن الوعي وقت توقيع العقد!”
وفجأة.. رسالة ثانية جالتلي على الواتساب من رقم غريب، ما فيهوش صورة شخصية:
“لو عايزة تعرفي سامح ورانيا مخبيين الفلوس فين، ومين الشريك الثالث اللي بيحميهم في البنك.. تقابليني بكرة الساعة 9 الصبح في الكافيه اللي قدام مجمع المحاكم قبل ما تقابلي محاميكي. أنا واحدة كانت ضحية لسامح قبلك.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”