عيلة خطيبي 2

الأب مسك القلم بإيد بتترعش، وققبل ما يمضي بصلي وقال: “إنتي معندكيش قلب؟ إزاي واحدة بالبرود ده كانت عايشة وسطينا ست شهور وتمثل إنها طيبة وبسيطة؟”
“أنا مكنتش بمثل يا عمو مجدي..” رديت بصوت واطي وواثق: “أنا فعلاً كنت طيبة وبسيطة وبحب ابنك بجد.. بس إنتوا اللي افترضتوا إن الطيبة عجز، وإن البساطة غباء. إنتوا اللي اخترتوا تلعبوا مع الشخص الغلط.”
الأب غمض عينيه ومضى على كل أوراق التنازل والاستحواذ. في لحظتها، شركة “الماسة للتطوير العقاري” انتهت رسمياً، وبقت رسمياً أصل من أصول شركتي. أخدت المستندات، ودست على زرار الإنتركوم: “الأمن يرافق الأستاذ مجدي ورامي بره المبنى.. وإلغاء أي كروت دخول ليهم لأي مقر يخصنا.”
خرجوهم مطأطئي الرؤوس، بس القصة مكنتش انتهت عند كده.
بعد أسبوع واحد، نقلنا مقر شركة الماسة لعهدة شركتي، وغيرنا اسمها لـ “فيكتور العقارية”. وفي اليوم اللي تسلمنا فيه أصول المشروع، عملت مؤتمر صحفي ضخم في أكبر فندق في البلد عشان أعلن عن انطلاق مشروع “المدينة الجديد” تحت إدارتي أنا شخصياً وضخ 20 مليون دولار سيولة مباشرة فيه.
المؤتمر كان متغطى من كل الصحف والقنوات الفضائية.
وأنا واقفة على المنصة، بدلة حمرا فخمة والمايك في إيدي، المحت في آخر القاعة أمه وأخته واقفين ورا الكاميرات، لابسين هدوم بسيطة أوي ومجرد حضور متفرجين بين الزحمة، بيحاولوا يدخلوا عشان يكلموني أو يوصلولي. عين أمه كانت مليانة قهر والحسرة وهي شايفاني بتصور مع كبار رجال الأعمال والوزراء، والكل بيقف قفل ويصفقلي.
الصحفيين بدأوا يسألوا، وجالي سؤال مباشر من صحفي في جريدة اقتصادية كبيرة:
“أستاذة سارة.. شركة الماسة كانت على وشك الإفلاس والانهيار الإداري تحت إدارة عيلة ‘مجدي’.. إزاي قدرتي تسيطري على الشركة في وقت قياسي كده وتنقذي المشروع؟”
مسكت المايك، وبصيت بثبات ناحية الباب الأخير حيث كانت أمه وأخته واقفين، وقلت بابتسامة متألقة وصلتهم في مكانهم:
“في عالم الأعمال.. أكبر غلطة ممكن يعملها أي رجل أعمال، إبرامه لصفقة وهو فاكر إن اللي قدامه ‘سهلة’ أو مالهاش قيمة. شركة الماسة سقطت لأن أصحابها شغلهم التكبر والاستعلاء عن إنهم يشوفوا الحقيقة.. وأنا مأنقذتش الشراكة، أنا اشتريت جثتها، وعدت بنائها من جديد بقواعدي أنا.”
الكاميرات كلها كانت بتصور، والتصفيق هز القاعة. أمه غطت وشها وعيطت وخرجت تجري بره الفندق هي وأخته، متقدرش تستحمل الإهانة العلنية اللي عاشوها.
في نفس اليوم بالليل، وأنا راجعة بيتي، كانت المطرة نازلة بغزارة. لما نزلت من عربيتي قدام مدخل العمارة، لقيت رامي واقف تحت المطر، سهران ومبلول كله، جسمه بيلف من البرد، وفي إيده بوكيه ورد ذبلان من المية.
أول ما شافني، أسرع عليا والحرّاس بتوعي اعترضوا طريقه فوراً ومسكوه.
صرخ بقلة حيلة ودُموع: “سارة! سارة أرجوكي دقيقة واحدة بس! أرجوكي اسمعيني!”
شاورت للحرّاس يسيبوه، وقفت تحت المظلة وبصيت له وهو مبلول ومكسور قدامي: “عايز إيه يا رامي؟ أعتقد مفيش أي أوراق بيننا متبقية.”
رمى الورد على الأرض وقرب خطوة وهو بيعيط بحرقة: “أنا أتلعنت يا سارة.. من يوم ما سيبتيني وأنا حياتي جحيم. بابا جاله جلطة خفيفة ومحجوز في البيت، وأمي قاطعت أختي وبنبيع عفش الفيلا عشان نسدد إيجار الشقة الجديدة اللي أجرناها.. أنا ضعت! أنا اشتغلت في شركة شحن صغيرة كاتب حسابات براتب لا يذكر.. أنا حاسس إني بفيلم مرعب ومش عارف أصحى منه!”
بصيت له بمنتهى الجمود: “دي مش لعنة يا رامي.. دي النتيجة الطبيعية لأفعالك. إنتوا جنيتوا اللي زرعتوه.”
نزل على ركبه في الطين قدام الجراج، ومسك أطراف جزمتي بقلة حيلة: “سامحيني.. أنا مستعد أكون خدام تحت رجليكي، اشتغل عندك سواق، أعمل أي حاجة بس ترجعيلي.. أنا اكتشفت إني بحبك بجد، ومش قادر أعيش من غيرك!”
وطيت شوية وبصيت في عينيه المليانة طين ودموع: “إنت مابتحبنيش يا رامي.. إنت بتحب الفلوس والسيطرة، ولما لقيت إن القوة بقت في إيدي إنت بقى عندك هوس بيا.. إنت زيك زي طليقي بالظبط، بس هو كان واضح من الأول، إنما إنت كنت جبان ومستخبي ورا قناع الطيبة.”
سحبت رجلي بهدوء، ورامي صرخ وهو بيمسك في الهوا: “أرجوكي يا سارة! متسبينيش كده! أنا هموت نفسي!”
وقفت عند باب العمارة، ولفيت بصيت له أخر بصة: “اللي بيموت نفسه بيموت بشرف.. إنت حتى الشرف ده معندكش منه.. ومتحاولش تجيلي هنا تاني، لأن المرة الجاية مش هطلب من الأمن يبعدوك.. هطلب البوليس بتهمة التعرض والتدخل في حياتي.”
دخلت العمارة، والباب القزاز الضخم اتقفل بيني وبينه، وسيته ورايا محطوم في الطين والمطر.
طلعت شقتي، دخلت وقفت قدام مراية الحمام الكبيرة، نفس المراية اللي وقفت قدامها من أسبوعين لما سمعت كلامهم بره القاعة. بصيت لنفسي، ابتسمت ابتسامة هادية وراضية تماماً.
لكن وأنا بفتح شنطتي عشان أطلع التليفون، لقيت ظرف أسود مقفول ومكتوب عليه اسمي بخط يد غريب.. ظرف مكنش موجود في الشنطة لما خرجت الصبح.. حد حطه جوه شنطتي في المؤتمر الصحفي بدون ما أحس!
فتحت الظرف بإيد ثابته، وطلعت منه ورقة واحدة فيها رسالة مكتوبة بالأسود:
“لعبة انتقامك من عيلة رامي كانت ممتعة جداً يا سارة.. بس للأسف، إنتي اشتريتي شركة ‘الماسة’ من غير ما تعرفي إن الشريك المتخفي اللي كان بيغسل أمواله من خلالها هو أنا.. ودلوقتي، إنتي بقيتي مسؤولة عن دين بـ 40 مليون دولار لشخص مابيرحمش.. قدامك أسبوع ترجعي الفلوس، يا إما الشركة الجديدة بتاعتك هتبقى مجرد رماد.”

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *