طليقي 3

الجزء الخامس ساد الذهول أرجاء القاعة بالكامل، وتوقفت الموسيقى فجأة ليعم هدوء مريب. الشخص الذي اقتحم الفرح لم يكن سوى “أستاذ كامل”.. المحامي القديم لعائلة طليقي، والذي كان يُعتبر الذراع الأيمن لوالد حازم والكاتم لجميع أسرارهم المالية والشخصية لسنوات طويلة!

كان الرجل يلهث ويتصبب عررقاً، يحمل في يده حقيبة جلدية سوداء ومجموعة من أوراق القضايا والمستندات الموثوقة. النظرات كلها اتجهت نحوه باستغراب، بينما تقدم دكتور آسر بخطوات واثقة وهادئة ووقفت أنا بجانبه ممسكة بيده، وحازم وأمه وعائلته بالطبع لم يكونوا متواجدين بعد أن أصبحت أقدامهم في النيابة العامة بسبب المحاضر والشيكات.
تقدم الأستاذ كامل ونظر إلى دكتور آسر وإليّ بنبرة ملؤها الندم والاحترام، وقال بصوت جهوري مسموع للموجودين في الصفوف الأولى: “مساء الخير يا دكتور آسر.. ألف مبروك يا مريم يا بنتي. أنا عارف إن وجودي هنا وفي التوقيت ده غريب وممكن يزعجكم، بس أنا ضميري أبت عن السكوت أكتر من كده بعد ما شفت المفترين دول وصلوا لدرجة التشهير بيكي والمحاربة في أكل عيشك!”.
دكتور آسر بصله بنظرة حادة ومركزة وسأله بثبات: “خير يا أستاذ كامل؟ إيه الأوراق اللي في إيدك دي وإيه الموضوع اللي يخليك تيجي لغايه هنا؟”.
أخرج المحامي أوراقاً رسمية مختومة بختم النسر ومستندات بنكية، وقال بنبرة قاطعة: “الأوراق دي هي رد الحق لأصحابه! الأوراق دي تثبت إن حازم وأمه مش بس ظلموا مريم وافترا عليها.. دول كانوا سرقوا حقوقها المادية كاملة قبل الطلاق!”.
القاعة كلها بدأت تتهمس بذهول، والمحامي كمل كلامه فوراً: “حازم وأمه استغلوا توكيل عام كانت مريم عملته لحازم أيام ما كانت مغفلة وبتحبه ونفسها تعيش في أمان، وقبل الطلاق بأسبوع واحد بس، نقلوا ملكية الشقة الكبيرة اللي كانت مكتوبة باسمها من ورث أبويها المرحوم، وسجلوا الشقة باسم حازم! مش بس كده.. دول كمان سحبوا شهادة الاستثمار اللي كانت مريم حطاها باسم بنتها جودي، وحولوها لحساب أمه!”.
شحبت ملامحي وشهقت بصوت مكتوم، ودموعي نزلت فوراً وأنا مش مصدقة حجم الغدر والبشاعة! أنا كنت فاكرة إنهم بس هانوني ودمروا كرامتي، لكن اتضح إنهم حافيين ورايا وسارقين شقايا وشقى بنتي وورثي من أبويا بالكامل!
كمل المحامي كامل بثبات: “أنا لما شفت الفيديوهات وشفته في النيابة بيتبلى عليها ويقطع أرزاق الناس، قررت أقدم الأوراق دي للنيابة العامة النهاردة، وأنا جيت هنا بنفسي عشان أسلمكم صورة رسمية من بلاغ السرقة وخيانة الأمانة والتزوير اللي اترفع ضد حازم وأمه رسمياً!”.
دكتور آسر أخذ الأوراق من يد المحامي، وقرأ المستندات بتمعن وسرعة. ملامحه الحادة تحولت لابتسامة ثقة وارتياح، ونظر للمحامي وقال بثقل: “شكراً يا أستاذ كامل.. موقفك ده يحسب لك، والقانون وياخد مجراه ويجيب حاق كل مليم اتسرق من مريم وبنتها بالقوة والعدل”.
التفت دكتور آسر إليّ، ومسح دموعي بمنتهى الحنية والحب قدام القاعة كلها، وقال بصوت دافئ سمعته أذني وقلبي: “شفتي يا مريم؟ ربنا مش بس بيعوض.. ربنا بياخد الحق تالت ومتلت وبيفضح الظالم في أوج افتراءه. شقتك وورثك وفلوس جودي هيرجعوا بالقانون، وهم دلوقتي لابسين قضية سرقة وتزوير خيانة أمانة بغير قضايا السب والشيكات!”.
الموسيقى رجعت تشتعل تاني في القاعة، والمعازيم تفاعلوا بالتصفيق والحماس، واستكملنا ليلة العمر وأنا حاسة إن كابوس سنوات طويلة زال من حياتي للأبد، وتوجت بحب ورجل حقيقي بيحميني وبيحافظ عليا وعلى بنتي.
مرت ثلاثة أيام على الفرح العظيم..
كنت قاعدة في فيلا دكتور آسر الفخمة والأنيقة، جودي بتلعب في الحديقة بضحكات صافية ورست راحة البال على وشها، وأنا لابسة فستان أنيق وقاعدة جنب آسر بنشرب القهوة في بلكونة الفيلا.
وفجأة.. رن هاتف آسر.
رد آسر وفتح الميكروفون المباشر بناءً على طلبي لمعرفة التطورات. كان المتصل هو المحامي الخاص بـ دكتور آسر.
قال المحامي بنبرة رسمية وحاسمة: “مساء الخير يا دكتور آسر.. حبّيت أبلغ حضرتك بالتطورات الأخيرة في النيابة. حازم وأمه اعترفوا بكل حاجة تحت ضغط المستندات وبلاغ التزوير وشيكات المستشفى. هم دلوقتي صدر ضد أمره حبس احتياطي ١٥ يوماً على ذمة التحقيق في قضايا التزوير والسرقة والتعدي، والشقة وفلوس جودي اتحفظ عليها رسمياً وترجع لـ المدام مريم خلال أيام”.
سكت المحامي لحظة ثم كمل بنبرة فيها مفاجأة: “بس فيه حاجة جديدة حصلت دلوقتي يا فندم في الحجز.. حازم يرجوك ويتحايل على حراسة السجن عشان يوصلك رسالة.. بيبكي ومنهار وبيقول إنه مستعد يوقع على أي تنازل ويطلب العفو والسماح من المدام مريم في مقابل إن حضرتك تتنازل عن قضايا الشيكات والتعدي عشان أمه تعبانة ومش متحملة الحبس!”.
آسر بصلتي بتمعن ونظرة هادئة يسألني فيها عن رأيي وموقفي..
أخذت نفس عميق، وابتسمت ابتسامة كبرياء وقوة لأول مرة في حياتي، وكنت على وشك النطق بالقرار النهائي اللي هيحدد مصيرهم للأبد..
الجزء السادس (قبل الأخير)
مسكت الهاتف من إيد آسر بثبات، ونبرة صوتي مكانش فيها أي أثر للمرأة الضعيفة المكسورة اللي حازم وأمه كانوا يعرفوها قبل شهرين. بصيت لآسر اللي كان بيبصلي بفخر، وقُلت للمحامي بصوت واضح ورزين: “استاذ المحامي.. وصل لحازم وأمه الرد ده بالحرف: الحقوق المالية والمال المغصوب وشقة أبويا وفلوس بنتي، للقانون إنه يرجعهم لي بالقوة والمستندات اللي معاك. أما بالنسبة للتنازل عن قضايا التزوير والسرقة والتعدي والشهادة الزور.. فاللي يبيع شرفه ويسرق حق بنته ويهين كرامة أمها قدام الناس، ما يستاهلش الرحمة ولا الشفقة. القانون ياخد مجراه للنهاية، وأمه اللي كانت بتتفنّن في ذلي وإهانتي، خليها تذوق نتاج عملها وتربيتها لابنها”.
آسر ابتسم بامتنان، وسحب الهاتف وقفل المكالمة بعد ما أكد على المحامي يستمر في كل الإجراءات المشددة. قفل آسر الخط، وقرب مني وحضن إيدي بين إيديه بحنان وقال: “أنا النهاردة بس اتأكدت إن مريم اللي اخترتها وقفت على رجلها بجد، وإن الماضي خلاص اترمى تحت رجلينا وبقى صفحة وانطوت للأبد”.
مرت الأيام والأسابيع، وكانت الأحكام القضائية بتنزل على حازم وأمه زي الصواعق. المحكمة قضت بحبس حازم ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ بتهم التزوير وخيانة الأمانة وسرقة أموال القاصر، وحكمت على أمه بالسجن سنة مع الشغل بتهمة الاشتراك والتعدي والسب العلني والتشهير! الشقة الكبيرة رجعت لملكيتي رسمياً، وفلوس شهادة جودي ردت لحسابها بالفوائد والتويضات المادية اللي فرضتها المحكمة عليهم، بينما والد حازم انهار صحياً وتم إلزام العيلة بدفع قيمة الشيكات المتبقية لشركة الأدوية، ليجدوا أنفسهم في الشارع بلا مال ولا كرامة ولا حماية.
في المقابل، حياتي مع آسر كانت بتتغير للأفضل كل يوم. آسر أصر إن جودي تتسجل رسمياً بمدارس دولية راقية، وكان بيعاملها كإنها بنته من صلبه، يخرجها ويهتم بتفاصيل دراستها ولعبها، وجودي بقت تناديه “بابا آسر” بحب وتعلّق شديد. أما في المستشفى، آسر ترقاني وبقت مشرفة على قسم التمريض كاملاً بعد ما كملت دراساتي العليا بدعمه وتشجيعه، وبقت نظرات الاحترام والتقدير هي العنوان الوحيد اللي بشوفه في عيون كل اللي حواليا.
وفي يوم دافئ ومميز، وبعد مرور سنة كاملة على جوازنا.. كنا قاعدين في الفيلا بنحتفل بعيد ميلاد جودي السادس. الفيلا كانت متزينة بأجمل الديكورات، وآسر واقف بيضحك وبيلعب مع جودي، وأمه قاعدة جنبنا بتدعيلي بقلب صافي وهي ماسكة إيدي.
وفي وسط الزيطة والفرحة، حسيت بدوخة خفيفة وتعب مفاجئ.. آسر لاحظ على طول، قرب مني بلهفة وقلق وهو بيسندني: “مريم! مالك يا حبيبتي؟ وشك أصفر فجأة ليه؟ تعالي استريحي!”.
ابتسمت بكسوف وهدوء، وسحبت ظرف أبيض من شنطتي واديتهوله في إيده وأنا بهمس في أذنه: “مفيش داعي للقلق يا دكتور آسر.. دي مجرد أعراض طبيعية جداً للخبر اللي جوه الظرف ده!”.
آسر فتح الظرف بسرعة، وكانت عينيه بتتحرك بين السطور بذهول وشغف، لحد ما وقفت عينيه على نتيجة التحليل الطبي..
الجزء السابع والأخير
اتسعت عيون آسر بذهول وفرحة عارمة عمري ما شفتها في ملامحه الحادة والصارمة من قبل! النتيجة كانت بتؤكد حملي في الشهر الثاني. آسر شالني من على الأرض ودار بيا في نص الصالة قدام أمه وجودي، والضحكة كانت طالعة من أعماق قلبه وهو بيقول بصوت هز الفيلا: “الحمد لله والشكر لله! يا أجمل وأعظم عوض في حياتي يا مريم!”.
والدته زغرطت بفرحة ودموعها نازلة، وجودي جرت علينا وهي بتسقف وتقول ببراءة: “بابا آسر.. هو أنا هيجيلي بيبي صغير العب معاه؟!”. انحنى آسر وجاب جودي في حضنه وحضنّا إحنا الاتنين مع بعض وهو بيهمس: “أحلى بيبي في الدنيا يا جودي، وهيكون عنده أعظم وأحنّ أخت وأم في العالم”.
مرت الشهور بحب وأمان واستقرار، وآسر كان بيحيطني برعايته واهتمامه في كل لحظة. وبعد تسعة أشهر، وضعت طفلنا الأول.. ولد جميل وملامحه تشبه آسر تماماً، وسميناه “ياسين”.
في يوم سبوع “ياسين”، كانت الفيلا مليانة بالمهنئين والأطباء والأهل والأصدقاء، والكل بيشهد على حجم الحب والعز والأمان اللي عايشة فيه. وخلال الحفل، المحامي الخاص بآسر استأذن ودخل سلم عليا وباركي، واداني خبر أخير عن حازم وأمه..
قال المحامي بصوت خفيض: “حبيت أطمنك يا مدام مريم.. حازم وأمه خرجوا من السجن الأسبوع اللي فات بعد انتهاء مدتهم، بس خرجوا للشارع، بيوتهم اتباعت وممتلكاتهم راحت لسداد الديون والشيكات والقضايا، وحازم شغال حالياً بائع متجول ومش لاقي قوته، وأمه قاعدة في أوضة إيجار بائسة، وكل ما حد يجيب سيرتك قدامهم، بيتحسروا وبيموتوا بغلهم من العز والرفعة اللي ربنا كرمك بيها”.
سمعت الكلام، ونظرت لآسر وهو شايل ابننا ياسين وبيضحك مع جودي، وحسيت بغيمة سوداء ثقيلة انزاحت عن صدري للأبد. ما حسيتش بأي تشفي أو انتقام، لكن حسيت بعدل ربنا العظيم.. العدل اللي بيطيح بالمستكبرين ويرفع الصابرين.
وقفت جنب زوجي وحبيبي وسندي، ومسكت إيده بثبات وقوة، وبصيت في عينيه وقُلت بصوت مليان يقين: “أنا زمان كنت فاكرة إن حياتي انتهت يوم طلاقي وإهانتي.. بس اكتشفت إن ربنا كان بيبعدني عن الباطل عشان يهديني لأجمل حقيقة وأعظم عوض في الدنيا.. شكراً لأنك كنت الراجل اللي رجّعلي كرامتي ورجّعلي الحياة”.
آسر بصلها بابتسامة حنونة وقبل جبينها قدام الكل وقال: “أنتِ اللي أنرتِ حياتي يا مريم.. والفضل لربنا اللي جمعنا في اللحظة اللي كنا محتاجين فيها بعض”.
وعشنا من يومها في حب وأمان، وكتبنا نهاية قصة كانت بدايتها ألم وكسرة، ونهايتها عز وعوض وكرامة لا تزول.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *