طليقي 2
الجزء الثالث برقت عيوني بذهول، وحسيت إن كلامه نزل عليا زي الصدمة الكهربائية! رجعت خطوة لورا وأنا مش قادرة أستوعب الجملة، وبصيتله بتوتر وقلت بصوت بيترعش: “دكتور آسر.. حضرتك بتقول إيه؟! أنت أكيد بتقول كده عشان تهديني من الصدمة.. أنت عارف الفرق اللي بيننا كويس! أنت رئيس الهيئة الطبية وصاحب المستشفى، وأنا مجرد ممرضة بسيطة مطلقة ومعايا بنت، وغير كده حضرتك لسه طالع من تجربة خطوبة فشلت مع عيلة العروسة اللي جوه.. مستحيل تكون بتتكلم بجد!”.
دكتور آسر بصلتي بنظرة عميقة جداً، ملامحه الحادة هديت تماماً، وسحب نفس طويل وقال بنبرة هادية ورزينة: “يا مريم.. أنا مش من النوع اللي بيقول كلام في الهواء أو بيمثل دور البطل في دراما تلفزيونية عشان ينقذ حد.. أنا مراقبك في شغل المستشفى من أكتر من سنة. شفت فيكي الالتزام، والأخلاق، والنظافة النفسية اللي بقيت بفتقدها في أغلب الناس اللي حواليا في الوسط ده. لما خطبت بنت عم العروسة اللي جوه، اكتشفت أطماعهم وشفت قلة أصلهم، وفسخت الخطوبة وأنا قرفان من النموذج ده كلو.. النهاردة لما شفتك داخلة الفرح وبنتك في إيدك، وشفت طليقك وأمه بيحاولوا يكسروكي ويستغفلوا طيبتك.. حسيت إن المشهد ده لازم يتقفل صح”.
دموعي نزلت بغير إرادة مني.. كلامه كان بيلمس جروح جوايا، كرامتي اللي اتهانت لسنين تحت جزمة حماتي السابقة وطليقي، حسيت إن ربنا بعتلي الشخص ده في أكتر لحظة كنت مكسورة فيها عشان يردلي اعتباري.
كمل دكتور آسر كلامه وهو بيعدل زار بدلتو: “أنا مش بقولك يلا نتجوز بكرة.. أنا بطلب منك تديني وتدي لنفسك فرصة. فرصة نتعرف فيها بجد بعيداً عن جو المستشفى والشغل، وقبل أي حاجة.. أنا عملت كده عشان البنت الصغنونة دي ما تطلعش فاكرة إن حد يقدر يقلل من أمها قدام عيونها”.
جودي بنتي كانت مسكاني من إيدي وبتبص لـ دكتور آسر بابتسامة صغنونة، وقالت بطفولة: “أنكل.. أنت بجد هتاخدنا ناكل عشاء؟”.
دكتور آسر انحنى لمستواها وابتسم ابتسامة دافية جداً وقالها: “أكيد يا جودي.. أحلى عشاء في المكان اللي تختاريه”.
ركبنا معاه العربيات، وطول الطريق كنت قاعدة في الكنبة الوراانية ومكسوفة تماماً، عيني مش قادرة تيجى في مراية العربية عشان ما التقيش بعيونه. أخدنا لمطعم هادي وراقي جداً، وقعدنا.. وطول القعدة كان بيعاملني بتقدير واحترام عمر طليقي ما وراني ربع منه.
بس المشكلة الحقيقية بدأت تاني يوم الصبح!
وصلت المستشفى الصبح عشان أبدأ شيفت التمريض بتاعي.. أول ما دخلت من الباب الرئيسي، لقيت المستشفى كلها حالة من اللغط والوشوشة! كل الممرضات والدكاترة والعمال بيبصولي بذهول، فيه اللي بيبتسم بشماتة، وفيه اللي بيبصلي بقرف وحسد.
الموضوع مكنش مجرد شائعة جوه المستشفى.. اتفاجأت إن فيديو الفرح واللحظة اللي دكتور آسر مسك فيها إيدي وأهان فيها حازم وأمه انتشر زي النار في الهشيم على صفحات التواصل الاجتماعي في المحافظة! الفيديو بقى تريند، والناس عمالة تتداول قصتي وقصة صاحب المستشفى اللي أعلن خطوبته من ممرضة عنده في فرح خطيب أخت خطيبته السابقة!
وفجأة.. وأنا واقفة في الطرقات مش عارفة أداري وشي فين من نظرات زمايلي، لقيت حركة مش طبيعية عند الأمن وباب المستشفى الرئيسي.
صوت زعاق وعياط طالع من البوابة!
تطلعت بسرعة عشان أفهم في إيه.. اتفاجأت بـ حازم طليقي ومعه أمه ومعاهم كمان أخت العروسة (خطيبة دكتور آسر السابقة)!
حماتي السابقة كانت بتصرخ بقلة أدب وبتهجم على أمن المستشفى وتقول: “أنا مش ماشية من هنا إلا لما أفضحه! بقى الدكتور المحترم يطرد والد طليقها من الشغل ويقطع أرزاقنا عشان خاطر ممرضة صايعة كانت مطلقة من شهرين؟! تعالوا شوفوا الدكتور اللي ماشيها مع الممرضات بتوعه!”.
الناس في صالة الانتظار بدأت تتجمع والموبايلات تترفع وتصور.. حازم كان واقف وشة أحمر من الغل بيشتم وبيقول: “دي خطفت خطيبي القديم وجاية تتأمر علينا! أنا مش هسيب حق أبويا وحقي.. يا إما يرجع أبويا الشغل ويطلع يعتذرلنا، يا إما هفضحهم في كل الفضائيات والأجهزة الأمنية!”.
أخت خطيبة دكتور آسر السابقة قربت مني بغل وقالت وهي بتشاور عليا قدام الناس: “يا خطافة الرجالة! فاكرة نفسك هتعدي بيها؟ أنتِ مجرد لعبة دكتور آسر بيلعب بيها عشان يضايق عيلتنا، ولما يزهق منك هيرميكي في الشارع زي الكلبة!”.
كنت واقفة مصدومة، جسمي كله بيموت من الخوف والكسفة.. سمعتي وشغلي اللي باكل منه عيش أنا وبنتي كان بيتأمر عليهم قدام المستشفى كلها!
وفجأة.. صوت سرينة عربيات شرطة رنت بره المستشفى، وأبواب المصعد اتفتحت ونزل منها دكتور آسر ومعه الفريق القانوني بتاعه والمحاميين، وملامحه كانت المرة دي حادة زي السيف ومفهاش أي رحمة!
بص لـ حازم وأمه وأخت العروسة، وقفل المسافة بينه وبينهم وهو بيقول بثبات يرعب: “أنا كنت مستني الحركة الواطية دي منكم بفارغ الصبر.. وعشان كده المحضر اللي اتعملكم بالسب والقذف والتشهير واقتحام منشأة طبية جاهز، وللأسف يا حازم بيه.. الشيكات اللي على والدك لشركة الأدوية التابعة للمستشفى هتتقدم للنيابة حالاً!”.
الجزء الرابع
شحبت وجوههم تماماً، والصرخات اللي كانت مالية الصالة تحولت لسكون مرعب. الشيكات اللي اتكلم عنها دكتور آسر كانت بمبالغ ضخمة جداً كان والد حازم أخدها كضمان للأدوية والمستلزمات لما كان ماسك إدارة الصيدلية التابعة للمستشفى، وكان دكتور آسر ساكت عنها ومأجل تحصيلها كنوع من التسهيل والتغاضي المهني.
حازم اتسمر مكانه والغل اللي كان في عيونه تحول لخوف حقيقي، أمه لجلجت ورجعت لورا وهي بلعَت لسانها، أما أخت خطيبته السابقة فكانت بتبص لـ دكتور آسر بذهول وهي بتقول بنبرة مرعوبة: “دكتور آسر.. أنت بجد هتوصلها للنيابة والحبس عشان خاطر واحدة زي دي؟! أنت بتدمر مستقبلي ومستقبل عيلتي عشان ممرضة عندك؟!”.
دكتور آسر قرب خطوات أسرع، وبصلها ببرود قاتل ونبرة صوت هزت أركان المكان: “أنا بدمر اللي يحاول يمس كرامة إنسانة محترمة تحت حمايتي وفي شغلي.. مريم مش مجرد ممرضة عندي، مريم هي خطيبتي وحرم دكتور آسر الشافعي المستقبلي، واللي يقلل منها أو يفتري عليها، أياً كان مين، هيدفع الثمن بالقانون ومن كرامته وفلوسه”.
ضباط الشرطة دخلوا الصالة فوراً، وبدأت التحقيقات الميدانية والتحفظ على حازم وأمه وأخت العروسة بتهمة التعدي على منشأة طبية وإحداث شغاب والسب والقذف العلني والتشهير. حازم كان بيبصلي بنظرة انكسار ورجاء، بيحاول يناديني بصوت واطي: “مريم.. قولي كلمة! عشان خاطر البنت.. اتكلمي مع الدكتور يفركش المحضر!”.
بصيتله بثبات وعيوني جافة تماماً من دموع الخوف.. افتكرت ليلتها اللي رمى فيها كرامتي تحت جزمة أمه، افتكرت لما حرمني من بنتي وكان عايز يذلني قدام الناس في الفرح. أدركت في اللحظة دي إن ربنا بيخلصلي حقي تالت ومتلت، وما نطقش بكلمة واحدة.. درت وشي عنه ومسكت فايل الشغل في إيدي.
سحبتهم الشرطة لخارج المستشفى، والهدوء رجع للمكان بالتدرج. المعازيم والعمال والممرضات اللي كانوا وافقين بيتفرجوا اتفرقوا فوراً وكل واحد رجع لشغله وهو مصدوم ومتفاجئ من موقف دكتور آسر الصارم واللي غير مفهوم بالنسبة لكتير منهم.
دكتور آسر التفت ليا، وبصلي بتمعن عشان يطمن عليا. شاف إيدي اللي كانت لسه بترعش خفيف، قرب مني بخطوات هادية وقال بصوت واطي ومريح: “مريم.. تعالي معايا على المكتب”.
طلعت معاه المكتب، ودخلت وقعدت على الكرسي قدام مكتبه الفخم. كان ساكت لحظات وبيصب كوباية مية، حطها قدامي على الترابيزة وقال بنبرة حنونة: “أنا عارف إن الأحداث سريعة ومرعبة بالنسبة ليكي.. وعارف إنك مكنتيش متوقعة إن الأمور توصل للحجم ده، بس الناس دي مكنش ينفع معاهم غير الكارت الأحمر والرد القاسي ده عشان يتربوا وما يفكروش يقربوا منك تاني”.
رفعت عيني وبصيتله بامتنان شديد وقُلت: “دكتور آسر.. أنا بجد مش عارفة أشكرك إزاي، حضرتك رجعتلي كرامتي اللي ضاعت ونصرتني قدام الناس كلها.. بس أنا جوايا خوف كبير. الناس في المستشفى والشارع مش هيرحموني، الشائعات هتزيد، والكل هيفضل يقول إني استغليتك أو إنك بتعمل كده عشان تنتقم من عيلة خطيبتك القديمة.. أنا خايفة على بنتي جودي وعلى شغلي”.
دكتور آسر قعد على الكرسي بتاعه، وسند إيديه على المكتب وبصلي بعيون مليانة جدية وصدق وقال: “الشائعات والحديث الفارغ بيختفي فوراً لما بيتحول الحلم لحقيقة رسمية قدام الناس كلها يا مريم”.
سكت لحظة وكمل بصوت هادي وزي النغم: “أنا مش عايزك تخافي.. أنا أخدت قراري وخلاص. أنا ووالدتي اتكلمنا الصبح، وأمي مرحبة جداً بعد ما حكيتلها كل حاجة عنك وعن أصلك وأخلاقك.. النهاردة بالليل، أنا وأمي هنكون عندك في البيت عشان نطلب إيدك رسمي من أهلك ونكتب الكتاب خلال أسبوع واحد بس!”.
قلبي دق بسرعة رهيبة حسيت بيها في زوري، وقفت بسرعة وقلت بذهول: “نكتب الكتاب؟! بسرعة دي يا دكتور آسر؟! أنت بجد بتتكلم ولا ده جزء من التخطيط لحمايتي؟!”.
ابتسم دكتور آسر بابتسامة دافية ونادرة، وقام وقف قدامي وقرب مني خطوة وقال بنبرة حاسمة: “أنا بعمري ما دخلت جوازة أو قرار مصيري كتمثيلية يا مريم.. أنا عايزاكي زوجة ليا وأم لبنتي وبنتك جودي تكون بنتي، والرد على كل القيل والقال هيكون بقسيمة جواز رسمية وفرح كبير يشهد عليه كل اللي حاولوا يذلوكي”.
في المسا دي.. كانت شقتي البسيطة بتشهد تجهيزات غير العادية، أمي كانت طايرة من الفرحة وممش قادرة تصدق إن بنتها المطلقة المكسورة ربنا هيعوضها عوض كبير زي ده. الساعة دقت تمانية بالليل، وجرس الباب رن.
فتحت الباب.. وكان دكتور آسر واقف ولابس بدلة أنيقة جداً، ومسكه إيد والدته.. ست وقورة وطيبة الملامح بتبتسم بدفء، ومعاهم باقة ورد أحمر كبيرة وهدايا راقية.
دخلوا الشقة، واستقبلهم أهلي بأعلى درجات الترحيب. القعدة كانت دافية جداً، ووالدة دكتور آسر مسكت إيدي وقالتلي: “يا مريم يا بنتي.. آسر حكالي عن كل حاجة وعن صبرك وجدعنتك.. أنتِ نورتي حياتنا وربنا يعلم إنك هتكوني زي بنتي وأكتر”.
وتم الاتفاق على كل حاجة، وحددوا ميعاد كتب الكتاب والفرح بعد أسبوع واحد بالتمام والكمال!
مر الأسبوع زي البرق.. كنت بجهز نفسي لحياة جديدة تماماً، وحازم وأمه كانوا محبوسين على ذمة التحقيق ومقهورين من اللي حصل، ووالده طردوه من الشغل وغرق في الديون بسبب الشيكات اللي اتفتحت عليه.
وجاء يوم الفرح.. أكبر وأفخم قاعة أفراح في المحافظة كلها!
كنت لابسة فستان أبيض زي الأميرات، وجودي بنتي لابسة فستان أبيض صغير زي الملائكة. القاعة كانت مليانة بالشخصيات العامة والأطباء والمعازيم، والكل بيتهامس على العوض العظيم والجمال والوقار اللي طالع مني.
وفي نص الفرح والجميع بيمرح وبيرقص.. اتفتحت أبواب القاعة فجأة!
ودخل شخص مكنش حد يتوقع وجوده إطلاقاً، شخص كان ماسك في إيده أوراق ومستندات خطيرة هتسقلب الموازين كلها في اللحظة دي!