طليقي1
الجزء الثاني
وقفت متخشبة في مكاني، النبض بيطرق في دماغي زي الطبول، وعيوني معلقة على الشاب اللي أنا شاورت عليه برعونة عشان أنقذ ما تبقى من كرامتي. الشاب ده لم يكن إلا دكتور “آسر”.. رئيس الهيئة الطبية في المستشفى اللي بشتغل فيها، وأكبر استشاري جراحة جراحة مخ وأعصاب في المحافظة! أزمة الدكتور آسر مش بس إنه مديري المباشر في شغل التمريض ومعروف بصرامته وجديته اللي تطير العقل، ولا إنه شخصية عامة ومرموقة ومستحيل يبص لي.. المصيبة الكبرى والسبب اللي خلى القاعة كلها تنفجر بالضحك الهستيري، إن الدكتور آسر كان بيمتلك المستشفى الخاص اللي أصلًا والد طليقي شغال فيها، بالإضافة لإنه خطيب أخت العروسة اللي فسخ خطوبته منها من أسبوع واحد بس بعد مشاكل كبيرة بين العائلتين، وكان جاي الفرح مجاملة لوالد العروسة بصفته شريكه في العيادات!
ضحكات حماتي السابقة كانت طالعة من قلبها، مليانة شتيمة وشماتة وهي بتهز رأسها: “يا مريضة! بقى دكتور آسر الشافعي خطيبك أنتِ يا جربانة؟! أنتِ اتجننتي رسمي ولا عقلك طار من الصدمة؟!”.
وطليقي حازم قرب مني وهو بيضحك بقلة أدب وقال وهو بيشاور عليا قدام المعازيم: “لا دي هربت منها خالص! دكتور آسر اللي نص البلد بيتمنوا سلام وإيد منه، يخطب واحدة مطلقة ومعاها بنت وشغالة عنده في الممرضات؟! أنتِ فاكرة نفسك في فيلم سينما يا مريم؟!”.
العروسة كانت بتضحك بشماتة وهي بتقول لأمها: “شايفة يا ماما الجنان؟ جاية تتفشخر علينا بمديرها اللي طارد أختي الأسبوع اللي فات وشايف نفسه على عيلتنا كلها!”.
في اللحظة دي، حسيت الدم انسحب من جسمي بالكامل، رجليا مكانتش شايلاني، وجودي بنتي مسكت في زيي وهي خايفة من صوت الضحك والعياط اللي كاتماه بالعافية في زوري. غمضت عيني واتمنيت لو اللحظة دي تنتهي.. لو الأرض تتشق فعلاً وتبلعني أنا وجنوني اللي وصلني للموقف ده.
وفجأة.. الضحك كله بدأ يتلاشى بالتدريج.
الهدوء خيم على القاعة زي الموت.. الصوت الوحيد اللي كان مسموع هو صوت خطوات جزام جلد تقيل بتقرب بثبات.
فتحت عيني بسرعة.. لقيت دكتور آسر قام من على طاولته. كان لابس بدلة كحلي أنيقة جداً، ملامحه حادة وزي الصخر، مفيهاش أي تعبير يوضح هو ناوي على إيه. نظرته كانت مرعبة، وطوله وقيمته خلت الناس اللي كانت بتضحك تبتلع لسانها وتفتح طريق عشان يعدي.
حازم طليقي أول ما شاف دكتور آسر بيقرب، الضحكة اختفت من وشو فوراً وحل مكانها ارتباك ملحوظ، وحماتي رجعت خطوة لورا بحذر.. دكتور آسر مكنش شخص أي حد يقدر يتطاول عليه أو يهزر معاه.
وصل دكتور آسر لحد عندي، وقفل المساحة اللي بيني وبينهم. بصلهم بنظرة ثاقبة خلت حازم يتنحنح بحرج ويحاول يلطف الجو: “دكتور آسر.. معلش يا فندم، أنت طبعاً ميعادك أكبر من الهبل ده، الهانم كانت شغال…”
قبل ما حازم يكمل جملته، دكتور آسر رفع إيده بمنتهى الهدوء ووقفه.. الحركة كانت كفيلة تلجم حازم تماماً.
وبعدين دكتور آسر مد إيده بثبات، وأخد إيد جودي الصغيرة بين إيديه، وبص للبنت بابتسامة دافية وهادية جداً غيّرت ملامحه الحادة تماماً، وقال بصوت رزين ومسموع لكل اللي واقفين: “أهلاً يا جودي يا حبيبتي.. معلش يا مريم، تأخرت عليكِ أنتِ والبنت في العربية عشان كنت بخلص مكالمة شغل مهمة مع المحامي”.
القاعة كلها شهقت بصوت واطي! حازم أمه فتحت بقها بذهول مش قادرة تتكلم، والعروسة وقفت مكانها مصدومة ومبلمة!
أنا نفسي كنت هقع من طولي، بصيت لـ دكتور آسر بذهول وحيرة، ولساني اتلجم.. مش قادرة أستوعب هو ليه بيعمل كده؟! ليه بيلعب اللعبة دي معايا ويدافع عن كرامتي بالشكل ده وهو اصلاً معروف إنه إنسان صارم ومش بيقبل التفاهات؟!
دكتور آسر التفت لـ حازم وأمه، وبصلهم بنظرة احتقار هادية من فوق لتحت، وقال بنبرة صوت قاطعة وزي الموس: “أظن يا أستاذ حازم.. لو كنت حابب تعزم خطيبتي السابقة عشان توريها إنك اتجوزت، كان لازم تكون أرجل من كده وتستقبلها بأدب، مش تتلم أنت ووالدتك عشان تتنمروا على ست محترمة شايلة اسمك القديم وبنتك في إيدها!”.
أمي السابقة اتكلمت بصوت مرعوش ومصدم: “يا.. يا دكتور آسر.. أنت بتقول إيه؟! دي ممرضة عندك ومطلقة من شهرين بس! أنت أكيد بتهزر عشان تكسر عين عيلتنا بعد موضوع أخت العروسة!”.
دكتور آسر حط إيده ورا ظهري بمنتهى الحماية، واللمسة دي خلت قلبي يدق بطريقة جنونية.. وبصلها وقال ببرود قاتل: “المطلقة المحترمة دي يا هانم.. هي الإنسانة الوحيدة اللي عرفت قيمة نفسي معاها بعد ما اتخدعت في ناس قرايبكوا. وموضوع خطوبتنا كنا مأجلين إعلانه لحد ما أمورها القانونية تخلص، بس أظن إن حضورنا هنا كان غلطة.. لأن المكان والناس اللي فيه أقل بكتير من إن مريم وبنتها يطئوا برجليهم فيه”.
بص لـ حازم اللي كان وشه جاب ألوان الطيف، وقال وهو بيعدل زار بدلتو: “ومعلش يا حازم بيه.. بكرة الصبح تمر على الإدارة القانونية في المستشفى، لأن نقل والدك للفرع الجديد اتلغى، وبناءً على قلة الأدب اللي شفتها هنا.. عقده معايا منتهي بنهاية الشهر”.
حازم اتسمر مكانه والصدمة شلت لسانه، وأمه صرخت بذهول: “أنت بتقل قطع أرزاقنا عشان دي؟! دي جاية تتمسح فيك عشان تدافع عنها!”.
دكتور آسر مأداهاش أي اهتمام، مسك إيد جودي الصغيرة ببراعة، ولفت إيده التانية حوالين كتفي بضغط خفيف وأنيق، وبصلي في عيني وقال بنبرة دافية قدام كل المعازيم اللي كانوا واقفين يصوروا بالموبايلات: “يلا يا مريم.. مفيش داعي نضيع وقتنا أكتر من كده في مكان مش شبهنا.. العشاء مستنينا في المطعم”.
مشيت جنبه وأنا حاسة إني بحلم.. حازم وأمه والعروسة كانوا واقفين في نص القاعة زي الأصنام، الضحك اللي كان مالك القاعة اتحول لوشوشات وصدمة من المعازيم على اللي حصل، وحازم كان بيبصلي بنظرة حسرة وغل عمري ما شفتها في عيونه قبل كده.
خرجنا من باب القاعة، والهواء البارد خبط في وشي.. أول ما بعدنا عن القاعة ودخلنا في الجراج البهتاني، أنا وقفت فجأة وسحبت كتفي من إيده بسرعة.
كنت بترعش كلي، وبصيت له وعيوني مليانة دموع وإحساس بالذنب والخوف، وقولت بصوت متقطع: “دكتور آسر.. أنا.. أنا مش عارفة أقول لحضرتك إيه.. أنا آسفة جداً على الهبل اللي أنا هببته جوه.. أنا والله العظيم مكانش قصدي أشوه سمعتك أو أدخلك في مشاكلي الش any.. أنا بس كرامتي كانت بتتذبح قدامهم وما حسيتش بنفسي وأنا بشاور عليك.. أنا مستعدة أطلع أعتذر قدام القاعة كلها وأقول إنك كنت بتمثل عشان تنقذني!”.
دكتور آسر وقف وبصلي بمرونة، وحط إيديه في جيوب بنطلونه، الملامح الحادة رجعت لوشه تاني بس كان فيها لمعة غريبة.. قرب مني خطوة وقال بثبات ومفيش في صوته أي ندم: “مين قالك إن الكلام اللي أنا قولته جوه ده كان تمثيل يا مريم؟”.