بيت عيلة 4

الدخان الأسود كثف في ثوانٍ معدودة، وريحة الغاز النفاذة المخلوطة بريحة شرار الكهرباء شاطت في جو السطح زي الفتيل اللي مستني شرارة. عبير كانت صريخة جاب آخر الناحية، القفلة الكهربائية مسكت في رجليها بسبب المية المكبوبة، وجسمها بدأ يترعش ويترفض من شدة التيّار وهي ماسكة العتلة الحديد اللي نزلت من إيدها ودبت على الخرسانة.
أنا في اللحظة دي، العقل طار من رأسي. الغل والقهر والذكريات السودة كلها اتمحت في ثانية قدام منظر روح بتموت ونار ممكن تأكل البيت كله ومريم بنتي تحت في قلب المصيدة!
ما فكرتش مرتين، لمحِت لوح خشب ناشف كان مرمي جنب السور، مسكته بكل قوتي وزقيت بيه عبير على جنب بعيد عن المية الموصلة للكهرباء. عبير وقعت على ظهرها بتئن وتتنفس بالعافية، والمية السودة كانت لسه بتجري. تجريت على القاطع الرئيسي بتاع موتور المية والمحابس العمومية، نزلت السكينة بإيدي اللي بتموت من الرعب، وقفلت محبس الغاز الرئيسي اللي كان بيهس بسرعة مرعبة قبل ما الشرار يوصل له وتولع العمارة باللي فيها.
صوت الصريخ تحت جاب العيلة والجيران. فاروق طلع يجرّي على السلم، ووراه حماتي بتلطم وتصوت: “الحقوا البيت بيولع! الساحرة ولعت في البت وفي السطح!”
فاروق أول ما فتح باب السطح ودخل في وسط الدخان، شاف مراته عبير مرمية على الأرض هدمها مبلولة ومبقعة بالهباب، وريحة الغاز ماليّة المكان، وأنا واقفة ماسكة لوح الخشب وجسمي كله بيترعش من الخضة.
فاروق جري على مراته وشالها وهو بيزعق بانهيار: “عملتي إيه في مراتي تاني يا فاطمة؟! ولعتِ في البيت وفي الغاز عشان تخلصي منا أجمعين؟!”
رديت عليه وأنا بنهج وصوتي طالع بالعافية ومخنوع من الدخان: “شوف مرتك كانت بتعمل إيه الأول يا فاروق! كانت بتكسر مواسير المجاري والغاز بعتلة حديد عشان تغرق شقتي وتخرب البيت! أنا اللي قطعت الغاز والكهرباء ونقذت مرتك من الموت قبل ما تتكهرب وتولع فينا كلنا! انزل شوف السقف والمية اللي نازلة على شقتي تحت!”
في اللحظة دي، كان محمود راجع من البندر، سمع الصوت والجيران ملمومين قدام البيت والناس بتقول: “السطح كان بيطلع دخان وريحة غاز عند الحاج جاد!”
محمود طلع السلم أربع درجات في النطة الواحدة، ودخل السطح زي الأسد المجهد، شاف المنظر: عبير مغمى عليها في حضن فاروق، وأمه بتلطم، وأنا واقفة قدام محبس الغاز، والمية مغرقة السلم ونزلة على شقتنا تحت.
محمود بص لفاروق ومراته بنظرة كفيلة تهد جبال، وقرب مسك المحبس والأكياس والعتلة الحديد اللي كانت مكسورة بيها المواسير، وقال بصوت حاد يقطع النفس: “ده لعب عيال؟ ده الشغل النظيف اللي اتفقتوا عليه؟! تكسروا الغاز والمية وتخاطروا بأرواح البيت كله عشان غل وحقد؟!”
فاروق حاول يدافع ووشه اصفر لما شاف العتلة والأكياس في إيد محمود: “أنا ما اعرفش حاجة يا محمود! عبير كانت طالعة تغسل..”
محمود قاطعه بصوت زلزل البيت: “تغسل بالعتلة الحديد يا فاروق؟! تغسل وهي بتفتح طبات المجاري وترمي فيها زبالة وقماش عشان تسد الصرف على شقتي؟!”
حماتي نزلت على الأرض من الخوف، لأن المرة دي الجيران وأهل الحارة كانوا طالعين ورا محمود وشافوا العتلة والمواسير المكسورة بأعينهم، والشيخ عبد الجليل قال بغضب شديد: “اتقوا الله يا آل جاد! الست دي كانت هتولع في الحارة كلها بغلها! إيه الإجرام ده؟!”
محمود مسك فاروق من جلبابه قدام الناس كلها وقال بمنتهى الحسم والصرامة: “الميعاد اللي بيننا مابقاش شهر عقاري ولا قضايا فرز.. الاتفاق اللي بيننا ينتهي فورًا! البيت ده مابقاش يسعنا إحنا الاثنين يا فاروق. أنت ومرتك تسحبوا حاجتكم وتخرجوا أجار بره البيت ده نهائيًا، وإلا والله العظيم المحضر اللي هقدمه النهاردة هيكون بتهمة الشروع في إحراق عقار وتخريب ممتلكات وتعريض أرواح للخطر، والشهود هم أهل الحارة كلهم!”
عبير فتحت عينها بالعافية وهي بتعيط من الخوف وجسمها بيوجعها من الكهرباء، وحاسين إن الحبل بيلف حوالين رقابهم بجد المرة دي وما فيش مفر.
محمود نزل مسك إيدي وإيد مريم اللي كانت بتعيط، وطلّعنا فوق الشقة، وبدأنا ننظف المية اللي نزلت على السقف بجهد وشقا، وهو واقف جنبنا حيطة سد ومش راضي يسيبنا دقيقة واحدة.
تحت في الشارع، كانت شنط عبير وفاروق بتتلم في نص الليل، بعد ما فاروق أدرك إن وجوده في البيت بقى مستحيل وإن أخوه محمود المرة دي مش هيرحم حد، وحماتي قاعد في الصالة لوحدها تبكي على البيت اللي انخرب بسبب الغل والشر.. لكن عبير وهي طالعة بشنطتها من باب البيت البراني، بصت لفوق ناحية شقتنا، وعيونها كانت مليانة شر وحقد جديد كأن الحكاية لسه ما انتهتش!
مرت الأيام بعد ليلة الطرد الثقيلة، والبيت بقى زي المحبرة الفاضية، هدوء يسبق العاصفة، وصمت يخنق الصدر. فاروق أخد عبير وشنطهم وطلعوا أجروا شقة صغيرة في أطراف القرية، وحماتي الحاجة أم فاروق انزوت في شقتها بالدور الأرضي زي البومة المكسورة، لا بتخرج ولا بتكلم حد، بس عيونها المليانة غل كانت تلاحقني كل ما أنزل أو أطلع على السلم.
محمود أوفى بوعده، وبدأ يجهز في الورشة بتاعته في البندر، كان بيخرج من الفجر ويرجع مع أذان المغرب محمل بطلبات البيت، وكان مطمن إن الشقة أصبحت ملكي رسمياً، وإن الفتيل انطفى.. بس هو مكنش يعرف إن عبير لما تخرج من المكان، الشر جواها بيزيد ويكبر زي المرض الخبيث.
في يوم، ومحمود في الورشة في البندر، والجو كان غيم ومطرة خفيفة بتمسح شوارع البلد، سمعت صوت حركة غريبة في حوش البيت الأرضي. نزلت ببطء وبصيت من السور، لقيت واحد من غفراء الأراضي اللي شغالين عند فاروق داخل بشنطة خيش كبيرة، ودخل شقة حماتي وقفل الباب وراه. قلبي انقبض وساعتها حسيت إن في طبخة سودة بتستوي في الضلمة.
ساعة زمن، وسمعت صوت صريخ وعويل جاي من شقة حماتي تحت، صريخ يقطع القلب ويجيب الحارة كلها! طلعت أجري على السلم، وفتحت الباب الأرضي، لقيت حماتي مرمية على الأرض، وشها أصفر زي الليمونة، وبتستفرغ مية سودا وجسمها بيتنفض زي الفراخ المذبوحة، وعبير واقفة جنبها بتصوت وتلطم وتقول للجيران اللي بدأوا يدخلوا البيت: “الحقووووونا! الساحرة سممت الحاجة! فاطمة حطت زنيخ في شاي حماتي عشان تخلص منها وتاخد البيت كله لها ولجوزها!”
الكلمة نزلت على دماغي زي المرزبة! الجيران بصوا لي باستنكار ورعب، وأنا وقفت اتسمرت في مكاني مش فاهمة حاجة. عبير كانت ماسكة البراد والفنجان في إيدها وبتصرخ: “أنا جيت أزور حماتي ولقيتها بتموت، ولقيت الباقي من الشاي اللي فاطمة نزلته لها الصبح مليان بودرة بيضا! قتلتها! قتلت ست كبار عشان البيت يخلو لها!”
فاروق جه يجري زي المجنون، وشال أمه وهو بيزعق ويبص لي بعيون حمرا زي الدم: “والله العظيم ما هسيبك الليلة يا فاطمة! المرة دي مش محضر تزوير.. المرة دي شروع في قتل وسجن مؤبد!”
أنا صرخت وقلت: “والله ما نزلت ولا حطيت حاجة! أنا ملمستش شقتها النهاردة خالص!” بس محدش كان بيسمع، الصراخ كان عالي وعبير كانت بتزيد في التمليح واللطم وتلم الناس.
نقلوا حماتي في عربية نص نقل على المستشفى العام بالبندر، والبيت اتقلب لمناحة. أنا طلعت شقتي وقغلت الباب عليا وأنا برتعش ومسكة مريم في حضني، اتصلت بمحمود وأنا بصرخ وببكي: “الحقني يا محمود! عبير وحماتي دبسوني في مصيبة جديدة.. بيقولوا إني سممت أمك!”
محمود ساب كل حاجة في إيده وجاء يطير بالعربية. وفي المستشفى، كان فاروق عامل هيصة، وطلب الشرطة فوراً، وألزم الدكاترة يعملوا تقرير سموم وتحليل معدة للحاجة أم فاروق. الشرطة جمدت الوضع وجاءت قوة من المركز للبيت عندي عشان يقبضوا عليا ويأخدوا معاينة من المطبخ والشاي!
محمود وصل البيت مع ظابط المباحث. وقف محمود قدام الظابط وقال بثبات رغم الكسرة اللي في عينه: “يا باشا، مراتي ما تعملش كده، دي مؤامرة ملفقة عشان يكسروا التنازلات اللي اتكتبت الأسبوع اللي فات!”
فاروق كان واقف مع الظابط وبيقول: “تفتيش المطبخ هيثبت كل حاجة يا باشا! فتشوا شقتها وفوق السطح، هتلاقوا باقي علبة السم!”
الظابط طلع معايا ومع محمود وشقتنا، وبدأوا يفتشوا المطبخ والفرن والأرفف. وفجأة.. العسكري حط إيده ورا غسالة الهدوم، وطلع كيس بلاستيك صغير فيه بودرة بيضا وعلبة حشرية فارغة!
عبير اللي كانت طالعة ورا القوة، صرخت بلؤم وشامـتة: “أهو! أهو السم اللي قتلت بيه الحاجة! الظاهر طلع موجود في شقتها!”
أنا اتجمدت في مكاني، ومحمود بص للكيس وشه اتغير.. التهمة بقت لابسة وشة وثابتة بالأدلة، وأصفاد الحديد كانت جاهزة في إيد العسكري عشان تتقفل على إيدي وأروح التخشيبة بتهمة الشروع في قتل حماتي!
وقفت والحديد في إيد العسكري بيلمع، والدموع مغرقة وشي وأنا بصل لمحمود وبقوله بصوت بيترعش: “والله يا محمود ما حطيت حاجة، ولا أعرف الكيس ده جه ورا الغسالة إزاي!”
محمود ما ينطقش، عيونه كانت بتتحرك بسرعة بين الكيس، ووش عبير اللي كانت واقفة ورا الظابط وراسمة نصرة صفرا، وبين فاروق اللي كان بيتنفخ وبيتظاهر بالحزن على أمه. وفجأة.. محمود قرب من الظابط وقال بثبات وهدوء مرعب: “يا باشا، الكيس ده يتحرز طبعًا.. بس قبل ما تقفل الكلبش في إيد مراتي، اطّلع معايا على التليفون ده دقيقة واحدة، واطلب رفع البصمات من على الكيس كإجراء قانوني رسمي.”
عبير أول ما سمعت سيرة “رفع البصمات”، عينها لفت وربكتها بانت، وزاحت رجليها لورا خطوتين.
محمود فتح تليفونه وورّى الظابط فيديو صامت سجلته كاميرا المراقبة الصغيرة اللي كان حاططها مخفية عند السلم فوق باب الشقة، عشان يطمن على فاطمة ومريم وهو في البندر. الكاميرا كانت كاشفة دخلة الشقة والسلم.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *