كل ما انزل مع جوزي
كل مانزل مع جوزي نشتري حاجة للبيت، كان يقف ساعة يختار أحسن وأغلى حاجة لأمه أما لما أوصل عند احتياجات بيتنا، يقول هاتوا الأرخص إحنا نستحمل. فضلت أقول يمكن بر أمه، لحد اليوم اللي احتجت فيه حاجة ضرورية، واكتشفت إن كلمة إحنا نستحمل كانت ليها معنى تاني خالص.
من أول جوازنا، كنت بحب أنزل مع جوزي نجيب طلبات البيت.
كنت فاكرة إن دي من الحاجات البسيطة اللي أي اتنين بيستمتعوا بيها.
لكن مع الوقت، لاحظت حاجة كانت بتوجعني.
كل ما ندخل محل أجهزة أو مفروشات أو حتى سوبر ماركت
أول سؤال يسأله
ماما محتاجة إيه؟
ولو كانت محتاجة خلاط، يختار أغلى نوع.
ولو بطانية، يجيب أفخم خامة.
ولو موبايل، يقول للبياع
هات أحدث موديل.
كنت أبتسم وأسكت.
وأقول بيني وبين نفسي
دي أمه ربنا يخليهاله.
لكن أول ما ييجي الدور على بيتنا
كل حاجة تتغير.
أقوله
الثلاجة باظت، نجيب واحدة كويسة تعيش معانا.
يرد بسرعة
هاتوا الأرخص إحنا نستحمل.
أقوله
المرتبة وجعت ضهرنا.
يقول
نأجلها شوية إحنا نستحمل.
حتى لما كنت أختار نوع جبنة أحسن أو زيت أنضف، كان يقول
فيه أرخص من ده إحنا نستحمل.
الجملة دي بقت بتطاردني.
إحنا نستحمل.
وفي يوم، كنا في معرض أجهزة.
كنت محتاجة غسالة جديدة، لأن القديمة بقت تتعطل كل أسبوع.
وفجأة، حماته اتصلت.
قالت إنها عايزة غسالة أوتوماتيك.
من غير ما يفكر، دخل على أغلى موديل في المعرض.
وقال للبياع
دي لماما.
بصيتله وقلت
طب وإحنا؟
ابتسم وقال
إحنا نستحمل شهر كمان.
رجعت البيت وأنا مكسورة.
لكن سكت.
بعدها بأسبوع، ابني سخن بالليل.
الدكتور كتبله علاج غالي شوية.
قلت لجوزي
هات العلاج بسرعة.
بص في الروشتة، وقال
خلينا نجيب البديل الأرخص إحنا نستحمل.
أول مرة انفجرت.
قلتله
ابنك مش هيستحمل.
سكت.
لكن برضه جاب الأرخص.
في نفس الأسبوع، حماته قالت إنها عايزة كرسي طبي جديد.
تاني يوم كان الكرسي عندها.
من غير ما يسأل عن السعر.
ومن غير ما يقول
نستحمل.
ابتديت أراجع حساباتنا.
وأشوف كشف البنك.
لقيت حاجة خلت دمي يتجمد.
كل شهر فيه تحويل ثابت لحساب حماته.
غير المشتريات.
وغير الأجهزة.
وغير الهدايا.
ولما جمعت المبالغ
اكتشفت إن اللي اتصرف على بيتها في سنة واحدة
كان يكفي يفرش بيتنا كله من أول وجديد.
استنيته يرجع.
وحطيت كشف الحساب قدامه.
قلتله بهدوء
إنت شايف إننا نستحمل ولا شايف إننا آخر أولوياتك؟
وشه اتغير.
لكن قبل ما يرد
وقفت الكلمات في حلقي، وكانت ورقة كشف الحساب البنكي على الترابيزة بيننا كأنها صاعقة ثلجية، السطور والأرقام فيها واضحة ومسطرة بالقرش والجنيه.
عينان جوزي حسام اتسعتا بذهول وهو شايف المبالغ والتحويلات الشهرية الثابتة اللي كانت بتطلع من حسابه لحساب أمه، غير الفواتير المطبوعة بتاعة الأجهزة والمفروشات والهدايا الفاخرة اللي مالهاش حصر.
حسام حاول يتدارك الموقف بسرعة، وشه اتلون بأحمر قانٍ، ورفع أيديه يحاول يقفل الورقة أو يداريها، وقال بصوت متوتر وعالي عشان يداري على ارتباكه
إيه اللي أنتِ جايباه ده يا منى؟! أنتِ بتفتشي في أوراقي وفي حساباتي البنكية من ورا ضهري؟! إيه قلة الثقة دي?!
بصيت له بثبات تام، دموعي كانت متحجرة في عيني لكنها رفضت تنزل، وقلت له بنبرة حادة وباردة هزت أركان الغرفة
أنا مابفتش من ورا ضهرك يا حسام… الورقة دي جتلي في البريد باسمنا إحنا الاتنين على العنوان! أنا بقالي سنين عايشة معاك باكل الأرخص، ولابسة الأرخص، وبركب الأرخص، ولما ابننا المريض يسخن ويحتاج دواء مظبوط، تقولي بكل بساطة هاتوا البديل الأرخص إحنا نستحمل! وأكتشف في الآخر إن كلمة إحنا نستحمل دي مش شظف عيش ولا ظروف صعبة… دي كانت خطة عشان توفر كل جنيه من عرقنا وقوت بيتنا وولادنا عشان تدفعه رفاهية ممتازة وماركات عالمية لبيت أُمك وأخواتك!
حسام قام وقف على حيله، وداس على الترابيزة بيده وقال بغضب ومكابرة
أنا بَبَرّ أُمي! بر الوالدين عندك بقى اسمه خطة واستنزاف؟! أُمي هي اللي ربتني وكبرتني، ومن حقها تعيش في عز وأحسن عيشة، وأنا الراجل والمسؤول عن الفلوس دي أوديها مطرح ما أنا عايز!
قربت منه خطوة، وبصيت في عينيه مباشرة وقلت له بمرارة يقطع القلب
البر برحمة وعدل يا حسام! البر مش معناه إنك تجوع بيتك وتستخسر في ابنك الدواء اللي يشفيه وتستخسر في مراتك الغسالة اللي تغسل هدومك والمرتبة اللي تسند ظهرك المكسور، عشان تجيب لأمك أحدث أوتوماتيك وأفخم كرسي طبي وأغلى موبايل في السوق!
البر مش معناه إن بيتك يتقال له استحملوا وبيتك الثاني يتقال له شبيك لبيك! أنت ماكنتش بتبر أُمك… أنت كنت بتعوض عقدة نقص جواك على حساب صحتي وكرامتي وقوت ولادي!
المفاجأة الكبرى وانكشاف المستور
قبل ما حسام يرد عليّ أو يكمل زعيقه، رن جرس الباب برنة متواصلة ومستفزة.
مشيت فتحت الباب… لقيت حماتي واقفة، ومعاها بنتها عبير وزوج بنتها شريف. حماتي كانت لابسة أحسن ثياب، ورامية على كتفها الشال الصوف الفاخر اللي حسام اشتراهولها الشهر اللي فات بضعف مرتبنا.
دخلت حماتي المطبخ والصالة بدون سلام ولا كلام، وبصتلي من فوق لتحت وقالت بنبرة استعلاء
إيه يا سي حسام؟! الصوت عالي ليه من على السلم؟! كأنكو بتتخانقوا على حاجة!
حسام حاول يظبط وشها وقال بارتباك
مافيش يا أمي… موضوع بسيط بيني وبين منى وبنتكلم فيه.
عبير أخت جوزي ضحكت بتهكم وقالت وهي بتبص لشنطة أيديها الفاخرة
موضوع بسيط إيه يا حسام؟! ده إحنا جايين عشان تسحب لنا المبلغ بتاع حجز الصيف في الشاليه اللي اتفقنا عليه مع شريف جوزي، أصل أُمك قالت إنك هتتكفل بالمصاريف كلها زي كل سنة!
الصالة سكتت تماماً!
أنا بصيت لحسام بذهول ملهوش حدود، وحسام وشه