انا من محافظة 3
في عز الصريخ ده كله، كنت واقفة متصلبة في مكاني، هدومي عليها د,م البنت، وبرد الفجر بينخر في عظامي، بس روحي كانت باردة كأنها تلج. بصيت لأبو البنت اللي كان ساند على عكازه وبيترعش، دموعه نزلت تغسل تجاعيد وشه العجوز، راجل مهدود كان باعت بنته بفستانها الأبيض على أمل يشوف عيالها، مش يشوفها في ملاية على طريق زراعي. قربت من الظابط بهدوء، ومسكت تليفوني بإيد ثابتة مفيهاش أي ارتعاش:= يا باشا.. كلام الضراير والحكاوي الوسخة دي متمشيش مع البوليس.
أنا طلبت الإسعاف وسجلت كل كلمة من أول ما البنت وقعت من طولها في الشقة، والتسجيل ده معاه توقيت دخولهم وتوقيت خروجنا من البيت، وفيه صوته وهو بيتحايل عليا أنقذها بصفتي ممرضة عشان ميفضحش نفسه إنه بلعها حبوب ومقويات غلط سببتلها نزيف حاد، وفيه صوت أمه وهي بتقوله نرمي الجثـ،،ه في المصرف ونقول للبلد إنها هربت!
فتحت السماعة الخارجية للتليفون على أعلى صوت، وضغطت على زرار التشغيل. صوت جوزي المخنوق الرعديد طلع في الهوا نقي وواضح:(نرميها في المصرف هنا جنب الغيط، ونقول صحينا الفجر ملقيناهاش، هربت ولا اختفت.. والبلد عارفة إنها كانت بتعيط قبل الفرح)وبعده صوت أمه الخبيث وهو بيتردد في السكون:(أيوة يا سيد، نرميها هنا والمية تشيلها بعيد، ونرجع على بلدنا قبل ما النهار يشقشق ونعمل نفسنا بندور عليها مع أهلها.. محدش يعرف إنها طلعت معانا في العربية)
الصوت نزل على أهل البنت زي المية المغلية. أبو العروسة فتح بؤه بصدمة ومقدرش ينطق، وإخواتها الاتنين اتحولوا لوحوش بجد. الشوم نزل من إيديهم وطلعوا سكاكين مطاوي من جيوبهم، وهجموا مش عليا.. هجموا على جوزي وأمه اللي كانوا مربوطين في البوكس.= يا ولاد الحرام! عايزين ترموا بنتنا في المصرف وتلصقوا فيها العار؟!
الضرب اشتغل على جوزي المكلبش، والعساكر بيحاولوا يخلصوه بالعافية، وصريخ حماتي كان مالي الدنيا وهي بتستنجد بالظابط اللي لقى نفسه في وسط معركة دموية. في اللحظة دي، عربية الإسعاف وصلت وسارينتها بتنور الطريق، ووراها عربيتين بوكس تانيين للدعم.
الظابط شاور للعساكر يفرقوا الناس بالقوة، وقرب مني وشد التليفون من إيدي بحذر، وبص لملامحي اللي مكنش فيها أي انكسار وقال:= الحرز ده هيروح النيابة دلوقتي.. وإنتِ يا مدام هتطلعي معانا على المركز تدلي بأقوالك، بس بصفتك شاهدة إثبات مش متهمة.. الموضوع أكبر من مجرد خناقة عائلية، ده فيه تقرير طب شرعي هيقلب موازين البلد دي كلها الصبح.