اطلقت 2
الجزء الرابع ⬇️إيدي كانت بتترعش وأنا شايفة الست أمونة بتسحب كرسي خشب وبتطلع عليه ببطء، فتحت الدرفة الفوقانية من الدولاب القديم، وطلعت من ورا كومة بطاطين قديمة شنطة جلد سودا عليها تراب السنين. نزلت وقعدت جنبي على السرير، نفضت التراب بإيدها العروق فيها زارقة، وحطت الشنطة في حجري: “خدي يا هدى.. الأمانة دي تقلت على كتافي سنين، وكل ما كنت أشوف كمال ماشي في الحارة نافخ ريشه كنت أقول صبراً، ربنا مش بيسيب حق غلبان”.
فتحت السوستة بصعوبة وصوت الحديد بيزيق، جوة الشنطة كان فيه ريحة ورق قديم وريحة عطر أبويا اللي كنت بشمه في هدومه وهو راجع من صلاة الجمعة. مديت إيدي وطلعت ملف بلاستيك شفاف؛ جواه أصل عقد ملكية البيت الأخضر القديم، مسجل شهر عقاري من سنة تمانين، وفيه كمان دفتر توفير بريدي أصفر باسمي، أبويا كان حاطط فيه كل شهر مبلغ بسيط على مدار عشرين سنة، ومكتوب بخط إيده في ورقة صغيرة مدبسة مع الدفتر: “حق بنتي هدى.. سندها في الدنيا لو غدر بيها الزمان”.
نزلت دموعي على الورقة بللت الحبر، بس المرة دي مكنتش دموع كسر، دي كانت دموع نار وكرامة بترجع لمطرحها. عرفت ساعتها إن كمال كداب، ومعهوش غير عقد صوري تافه كتبه لنفسه أو ناوي يزوره، وإن أصل الملكية والشرع والقانون كله في صفي. نمت الليلة دي وأنا حاضنة الشنطة في حضني، وعيالي التلاتة نايمين في دفا الأوضة الصغيرة بعد ما شبعوا، ولأول مرة من سنين أحس بنومة فيها راحة وسط كل الوجع ده.
الصبح شقشق بنوره، صحيت من الفجر، غسلت وشي بمية ساقعة خلت كل عرق في دماغي يصحى. قومت يوسف وندى وسبت سيف الصغير نايم في أمان في حضن أمونة بعد ما حلفت عليا ما أبهدلوش معايا في المأموريات. أخدت الشنطة وطلعت على مكتب محامي في أول الشارع الرئيسي، واحد من بتوع ربنا كان يعرف أبويا زمان اسمه “الأستاذ رأفت”.
دخلتله المكتب المتواضع، حطيت الورق قدامه وحكيتله الحكاية من أول طرد جوزي لحد المحضر اللي عملته في القسم بالليل، وحكاية الورق ده. الراجل لبس نضارته وقعد يقلب في العقود، عينه وسعت وهو بيبص في الورق، وابتسم ابتسامة هادية وهو بيخبط على المكتب: “يا بنتي ده كمال بيحفر قبره بإيده! البيت ده مسجل رسمي ومفيش فيه أي تصرف قانوني يخصه لوحده، ودفتر التوفير ده ليكي بموجب وصية وتوكيل خاص من والدك الله يرحمه ليكي الحق في سحبه بالكامل.