وصلنا القسم، والجو هناك كان يخنق. ريحة أوراق القضايا والكلبشات والحركة اللي ما بتهداش. جوزي وصاحبتي كانوا واقفين على جنب، وشهوم مفهاش نقطة دم واحدة. نظرات الضباط وأمناء الشرطة كانت كفيلة تخلي أي حد يتمنى الأرض تتشق وتبلعه. الفضيحة ما بقتش مجرد كلام بين أربعة حيطان، دي بقت محضر رسمي متسجل برقم وتاريخ، وكل الناس حوليهم بقوا فاهمين القصة وحجم الخيانة. دخلنا مكتب رئيس المباحث. المحامي بتاعي قدم كل المستندات: الفلاشة اللي عليها الصور والفيديوهات، صور قسيمة الجواز العرفي والرسمي، الفواتير، والشاتات اللي فيها التخطيط لسرقة حقوقي وطردي من البيت. الضابط مسك الورق وبدأ يقلب فيه ببطء شديد، وكل ما يقرأ سطر ولا يشوف صورة، كان ينفخ بضيق ويرفع عينه يبص لجوزي ولصاحبتي بنظرات كلها قرف وازدراء. الضابط وجّه كلامه لجوزي بنبرة حادة: “يعني أنت جايب واحدة بيتك، مرتك مستضيفاها ومأكلاها وشارباها، تروح تتجوزها من وراها وفي بيتها، وكمان بتتفقوا إزاي تطردوها وتسرقوا قايمتها وحقوقها؟ أنت فاكر البلد دي مفهاش قانون ولا إيه؟”. جوزي حاول يدافع عن نفسه بصوت مهزوز ومرعوب: “يا فندم والله الموضوع مش كده.. أنا اتجوزتها شرعي وعلى سنة الله ورسوله، وهي كانت ظروفها صعبة وما حبتش أرميها في الشارع، وأنا مراتي كانت مقصرة معايا و…”. هنا الضابط قاطعه بصوت هز المكتب، وخبط بيده على الترابيزة: “اتكمم خالص! تقصير إيه وخيبة إيه اللي بتتكلم عنها؟ أنت جايب صور لمرتك الثانية وهي لابسة هدوم مرتك الأولى وميكابها ومتصورة على سريرها! دي مش مجرد جوازة، دي قلة أدب وتعدي على حرمة حياة خاصة ورغبة في إهانة الست اللي صانتك! والهانم اللي جنبك دي متهمة صريحة بالتعدي وسرقة ممتلكات شخصية”. صاحبتي أول ما سمعت كلمة “متهمة”، في العياط ووقعت على ركبها قدام الضابط: “يا باشا والله أنا ما لي ذنب! هو اللي ، هو اللي قال لي إنه هيكتب لي الشقة باسمي لو طاوعته وساعدته يطفش مراته! هو اللي كان بيجيب لي الهدوم ويقول لي البسيها واتصوري عشان يضايقها لما تكتشف! أنا كنت مجبورة وما حيلتيش لقمة العيش بعد طلاقي الأولاني!”. جوزي بص لها بصدمة وعينيه كانت هتطلع من مكانها: “أنا اللي أجبرتك؟ يا يا واطية! أنتِ نسيتي لما كنتِ بتجيني وتستغلي إنها بره البيت وتقولي لي هنخلص منها إزاي؟ نسيتي الفكرة بتاعة القايمة إننا ننقل حاجتها بالراحة ونقول إنها اتسرقت؟ أنتِ اللي خططتي لكل حاجة عشان تاخدي مكاني وشقتي!”. اشتدت بينهم في مكتب رئيس المباحث، كل واحد فيهم بقى يرمي على التاني، ينهشوا في بعض زي الكلاب عشان كل واحد ينفد بجلده من النيابة والقضية. الأقنعة اتخلعت تماماً، والحب والغرور اللي كان بينهم اتقلب لكره وغل مش طبيعي. أنا كنت واقفة جنب أبويا وأخويا، حاطة إيدي في جيبي وببص عليهم ببرود تام. الوجع اللي كان في قلبي أتحول لقوة ورغبة جامحة في إني أشوفهم بياكلوا بعض لحد النهاية. المحامي بتاعي اتدخل بثبات ووجه كلامه للضابط: “يا فندم، بناءً على الاعترافات المتبادلة دي، وعلى المستندات والتحريات، نطلب تفريغ الهواتف فوراً بواسطة النيابة العامة، وتحرير محضر بتبديد المنقولات الزوجية، ودعوى طلاق للضرر مع حظر التصرف في أي من الممتلكات لحين استرداد كامل المستحقات والتعويض عن الأضرار النفسية والمادية”. الضابط حوّل المحضر للنيابة فوراً وأمر بحبسهم في التخشيبة لحين عرضهم على النيابة الصباح الباكر. لما أخدوهم العساكر عشان ينزلوهم التخشيبة، صاحبتي بصت لي وهي بتموت من الخوف والتوسل، مسكت في أيدي وقالت لي بصوت مخنوق: “يا فلانة أرجوكي، تنازلي عن المحضر بتاع السرقة والحرمة الخاصة، أنا مستعدة ألم هدومي وأمشي وموركيش وشي تاني طول العمر! أبوس إيدك ما ترمينيش في السجن!”. شيلت إيدي منها بمنتهى القسوة وقولتلها بصوت واطي جداً يوصل لإذنها لوحدها: “أنا لما فتحت لك بيتي، فتحته لوحدة مظلومة عشان أسترها.. لكن لما تطلع أفعى وتنهشي في لحمي، يبقى مكانك الطبيعي هو الجحر اللي نازلة فيه دلوقتي. السجن ده أقل حاجة تدفعيها ثمن لخيانتك ووساختك”. جوزي وهو ماشي ومكسور، بص لي بنظرة رجاء أخيرة، وقال لي: “أنتِ بتهدي بيتنا يا فلانة؟ السنين اللي بيننا تهون عليكِ تدخليني التخشيبة؟”. رديت عليه بابتسامة سخرية: “بيتنا أنت هديته من اليوم اللي دخلت فيه صاحبتي سريري ولبستها هدومي. السنين أنت بعتها برخيص، وأنا دلوقتي بقبض الثمن بالقانون”. مشيت من القسم وأنا حاسة بتقل كبير اتنزاح من على صدري، بس المعركة ما انتهتش. ثاني يوم الصبح في النيابة، المفاجآت كانت أكبر بكثير مما أتوقع. وكيل النيابة بدأ يحقق معهم واحد واحد، والمحامي بتاعي كان مجهز مفاجأة ثانية هتغير مجرى القضية تماماً وهتقلب الطاولة عليهم بشكل مش هيتخيلوه… في صباح اليوم التالي أمام نيابة الأسرة، كان الجو محدوماً بالتوتر. جوزي وصاحبتي خرجوا من التخشيبة وشهم باهت وعيونهم منتفخة من السهر والخوف. الكلبشات في إيديهم كانت بتعلن انكسار غرورهم، وكل التجبر والمسكنة اللي عاشوا بيها تحت سقفي راحت في الوباء. دخلنا غرفة وكيل النيابة، وأول ما جلسنا، المحامي بتاعي فتح شنطته وطلع ملف أسود كبير، وحطه على مكتب وكيل النيابة بثبات وقال: “سيادة المستشار، قبل ما نبدأ التحقيق في واقعة التعدي على حرمة الحياة الخاصة والتبديد، معانا مستندات ورسميات قاطعة هتغير تكييف القضية دي تماماً وتثبت جريمة التزوير واختلاس الممتلكات والتآمر المسبق”. وكيل النيابة بصلنا باهتمام وفتح الملف. كان فيه كشف حساب بنكي باسم جوزي، ومستندات نقل ملكية، وإيصالات أمانة بمبالغ ضخمة! المحامي بدأ يشرح بوضوح: “المتهم كان بياخد مبالغ مالية شهرية من الموكلة بحجة استثمارها في تجارته ورسم مستقبلهم، لكن المستندات دي بتثبت إنه كان بياخد الفلوس دي وينقلها أولاً بأول لحسابات باسم المتهمة الثانية (صاحبتها)، وفي خلال الشهرين اللي فاتت فقط، تم نقل ملكية عربية الموكلة ومبلغ مالي كبير لحساب صاحبتها بعقود بيع مزورة واستغلال توكيل قديم كانت الموكلة كاتباه له في بداية زواجهم لأمور إدارية!”. الصدمة نزلت عليا وعلى أبوي وأخوي زي الصاعقة. أنا كنت مأمناهم ومسلمة له توكيل يدير بيه بعض الأمور التجارية، لكن إنه يتفق معاها ويستغل التوكيل ده عشان ينقل فلوسي وعربيتي باسمها وهي قاعدة معايا في الشقة بتمثل دور الشغالة، دي كانت قذارة تتجاوز كل الحدود! جوزي وشه اتخطف وبقى يبص للمحامي برعب، وصاحبتي بدأت تترعش وتنكر بصوت مهستيري: “كذب! والله كذب! هو اللي قال لي امضي على العقود دي عشان يضمن حقنا بعد ما نطفشها! هو اللي قال لي الفلوس دي حلاوتك عشان سكتي ومشيتي معايا في السكة دي!”. وكيل النيابة خبط قبضة إيده على المكتب بصوت هز القاعة وقال بغضب شديد: “اسكتي خالص! أنتم قدام النيابة العامة مش في شارع! يعني الموضوع مش مجرد جواز في السر وخيانة زوجية، ده تشكيل عصابي للنصب والتزوير وسرقة أموال الموكلة بالتواطؤ!”. وكيل النيابة بدأ يواجه جوزي بالتواريخ والمستندات. التواريخ أثبتت إن نقل الملكية وسحب الفلوس كان بيتم في نفس الأيام اللي كانت صاحبتي فيها عندي في البيت بتقدم لي العصير وتكنس وتمسح، وفي الأوقات اللي كنت بطلع فيها أزور أهلي! التخطيط كان شيطاني ومحكم، كانوا عايزين يوصلوني للحظة اليأس، أطلب الطلاق، وأكتشف إن ماليش أي حق، ولا حتى عربيتي ولا فلوسي، وأطلع من الجوازة دي بشارع! جوزي لما وجد إن حبل الدماء اتخنق على رقبته، انهار قدام وكيل النيابة وبدأ يعترف بكل حاجة بنبرة مكسورة: “يا باشا أنا أخطأت.. هي اللي حسنت لي الموضوع، هي اللي قالت لي مرتك معاها فلوس وأنت بتعرق وشقيان، وضحكت عليا وقالت لي اأمن مستقبلنا سوا في شقتها بعد ما نخلص العدة. أنا كنت أعمى ومشاكلنا هي اللي خلتني أصغي ليها!”. صاحبتي لما سمعته بيلبسها التهمة كلها، قفزت من مكانها بالكلبشات وكانت عايزة تهجم عليه وتضربه، والعساكر مسكوها بالعافية وهي بتصرخ وتسب فيه: “يا خائن يا نذل! أنت اللي كنت بتجيلي أوضة النوم وتترجاني أعمل كده! أنت اللي قولت لي ألبس هدومها وأحط برفيومها عشان تحس إنك اتجوزت واحدة أحلى منها! أنت اللي كنت بتترجاني أستحمل القعدة في بيتها لحد ما تخلص من القايمة!”. الفضايح والاعترافات التفصيلية دي اتسجلت بالكلمة والحرف في محضر النيابة. وكيل النيابة أمر فوراً بإلغاء التوكيل الممنوع، وتحريز كل الحسابات البنكية والعقود المزورة، واستصدار أمر بمنع المتهمين من السفر، وتشميع الشقة محل النزاع لحين استكمال التحريات ومعاينة التلفيات وتفريغ الصور من الهواتف المحمولة بواسطة خبراء وزارة الداخلية. المحامي بتاعي وقف ووجه كلامه لوكيل النيابة بكل قوة: “بناءً على الاعترافات الواردة والتهم المثبتة بالتزوير والنصب والخيانية والتعدي على الحرمة الشخصية، نطلب حبس المتهمين احتياطياً على ذمة التحقيق وتطبيق أقصى عقوبة ينص عليها القانون”. وكيل النيابة بص للمتهمين بنظرة حازمة وقال: “قررنا حبس المتهم الأول والمتهمة الثانية أربعة أيام على ذمة التحقيق، مع مراعاة التجديد في الموعد القانوني، وإرسال الهواتف المحمولة للأدلة الجنائية لتفريغ محتواها بالكامل، وتحويل ملف التزوير للنيابة الكلية”. لما سمعوا قرار الحبس، صاحبتي وقعت على الأرض مغمى عليها من الصدمة، وجوزي نزل على ركبتيه يبكي ويترجى أبويا: “يا عمي أرجوك سامحني، استر عليا وأنا مستعد أطلقها فوراً وأرجع كل حاجة لفلانة وأكتب لها البيت باسمها! أرجوك بلاش السجن والفضيحة دي!”. أبويا بص له بقرف وشديد وزق إيده برجليه وقال له: “اللي يخون عرض بيته ويستغفل مراته ويحرمها من شرفها وحقها، مالوش عندي غير السجن والقانون. أنت انتهيت بالنسبة لنا من النهاردة”. العساكر شادوهم الإثنين بره القاعة وهما في حالة انهيار تام، والمشهد كان كفيل يطفي جزء من النار اللي كانت بتمشي في عروقي. خرجت من مبنى النيابة مرفوعة الرأس ومساندة على أبويا وأخويا، وورايا محامي شاطر مش هيسيب ثغرة إلا ويدمرهم بيها. لكن وأحنا في الطريق للبيت، المحامي جا له اتصال تلفوني مفاجئ من مصدر في الأدلة الجنائية، بلغنا بمفاجأة ثقيلة وغير متوقعة إطلاقاً كانت مستخبية في الموبايلات، حاجة أكبر وأخطر بكتير من مجرد الصور والتزوير، وهتقلب القضية دي لرعب حقيقي هيدمر كل مخططاتهم للأبد…