مفتحتش بؤي بكلمة لحد ما سامح خرج وقفل الباب وراه. شريف لف المفتاح، ورجع المطبخ بنفس الابتسامة الصفرا هو كان عايز إيه؟ مفاتيحه كانت واقعة هنا. وأخد كل الوقت ده ليه عشان ياخد المفاتيح؟ هزيت كتافي ببرود تام كان بيسألني عن فاتورة شغل عادية. شريف ركز في عيني كام ثانية بيحاول يلقط أي توتر، وبعدين اتنفس براحة وبدأ يلم القزايز الفاضية من الصالة. في الليلة دي منطقتش، ومسألتوش مين دي اللي هتاخد مكاني؛ اللي بقاله أسابيع بيحفر ورا ضهري ومستغفلني، مش هديله ميزة إنه يعرف أنا كشفت إيه ولا واصلة لحد فين. تاني يوم الصبح، سامح بعتلي الملف كامل على تليجرام من رقم تاني. لما قعدت أقرأ الملف بروقان وتركيز، عيني وقعت على تفصيلة مكنتش واضحة في الأول الورق مكنش فيه طلاق، ولا سيرة جوازة تانية في السر. الملف كان بعنوان فترة تجريبية وتشغيلية مدة ست أسابيع. يومي كله كان متقطع بالساعة والدقيقة، ومتسعر بالقرش، ومحطوط قدام كل مهمة البديل اللي هيعملها، حتى تكلفة كل حاجة بعملها في البيت كانت محسوبة؛ وفي آخر الورقة كان في رقم إجمالي صادم 31800 جنيه في الشهر. وتحت الرقم شريف كاتب بإيده ملاحظة لو التجربة نجحت، مفيش أي احتياج ولا اعتماد على ه. سنين وشريف بيعايرني قدام أهله إن شغلي من البيت ده ملاليم وتسالي ستات، وهو في السر قاعد بالورقة والقلم بيحسب تكلفة استبدالي كأني مكنة في مصنع! الشخص اللي مكتوب إنه هيقعد مكاني على المكتب كان اسمه نبيل فريد. الاسم مكنش غريب على سامح، ده استشاري نظم وإدارة من بره الشركة شريف وزمايله جايبينه. الحكاية إن شريف وشلته كانوا بيجهزوا سيستم وشركة وسيطة عشان يقدموا خدمات محاسبية وإدارية للشركات الصغيرة فواتير، وتحصيل، وإدارة موردين.. نفس الشغل اللي بقالي تلت سنين بفرك فيه وببنيه بعرقي من البيت! سامح سألني شريف مجابلكيش سيرة عن الموضوع ده خالص؟ ولا نص كلمة. رجعت فتحت شات الجروب تاني؛ الصور اللي كان مصورهالي من غير ما أعرف مبقتش مجرد تريقة، ده كان بيوثق خطوة بخطوة إزاي بنظم الفواتير مع طلبات البيت وطبيخ الولاد في نفس الوقت! كان كاتب في رسايله ليهم البروفة دي عشان نثبت إن الموديل ده يقدر يشتغل ويدير كل حاجة من خلال شخص واحد بس من البيت. أنا كنت الشخص ده.. حقل التجارب اللي شغال ببلاش، ومحدش كلف خاطره يقولي إني داخلة في تجربة! استنيت لحد يوم الاتنين الصبح أول ما شريف نزل الشغل. فتحت إيميلات شغلي وفواتيري، ولقيت الكارثة تلات رسايل من عميلين عندي، بيسألوا عن المنصة الجديدة اللي المفروض أنا رشحتهالهم! واحد منهم كاتبلي بالحرف أستاذ شريف بلغنا إننا من أول الشهر الجديد هننقل كل الحسابات والفواتير على السيستم بتاعكم. حسيت بضربة في صدري نفسي اتكتم منها؛ العملاء اللي بنيت معاهم ثقة بالسنين مكنوش بيتعاملوا مع شريف صدفة، ده كان بياخدهم على الجاهز عشان يبقوا أول زباين في مشروعه الجديد! بالليل، حطيت العشا، وقعدت قدامه ورميت الكلمة في وشه مين نبيل فريد يا شريف؟ شريف ساب الشوكة من إيده وتنح. في الأول أنكر وعمل نفسه عبيط، بعدين قال دي فكرة شغل في الشركة، ولما حاصرته بالكلام اعترف إن شركتهم عايزة تفتح قسم جديد وهو قدم فكرة مشروع إدارة حسابات أونلاين. على طريقتي وتفاصيل شغلي أنا؟ كنت واخد الفكرة من اللي بنعمله هنا في البيت! من اللي أنا بعمله يا شريف! ده انت متعرفش الفواتير بتتقفل يوم إيه أصلاً! ساعتها فهمت الجملة اللي رعبتني مين اللي هياخد مكانها.. مكنتش ست تانية، نبيل كان هياخد مكاني جوه السيستم وطريقة الشغل. شريف كان محتاج يثبت لشركائه إن السيستم هيمشي وينجح من غير ما يعتمد عليا، عشان كده كانت عزومة الغدا يوم الجمعة؛ كانوا جايين يتفرجوا على المكنة وهي شغالة وأنا طالع عيني في المطبخ وبرص السفرة وبضايفهم وهو حاطط رجل على رجل! يعني عازم صحابك وموقفني أخدمكم عشان تثبتلهم نظريتك؟ كنت عايزهم يشوفوا إن الهيكل شغال وعملي! هيكل إيه؟! انت كنت بتخليهم يتفرجوا عليا وأنا بتفرم! شريف اتنرفز وزعق انتي بتخلطي الشغل بحياتنا! أنا كنت ناوي أدخلِك بنسبة لما المشروع يتقبل رسمي في الشركة! نسبة كام؟ سكت ومعرفش يرد. كام يا شريف؟! انطق! لسه مكناش حددنا! افتكرت ملف الإكسيل؛ خطة النقلة والبدائل كانت في أكتوبر عشان المشروع هيبدأ فيه؛ كانوا هيشيلوا عني عيالنا والبيت بأكل جاهز وشغالة عشان يفضولي وقت وأبقى موظفة عندهم! كنت ناوي تشغلني عندكم بمرتب؟ أعمل نفس اللي بعمله لعملائي؟ بس على أوسع، وهتكبري! هنا الصورة وضحت في دماغي زي الشمس يثبتوا إن طريقتي تنفع تتنسخ، يلهفوا عملائي لحسابهم، وبعدين يرمولي وظيفة في الكيان اللي اتبنى على قفايا! بصيتله وسألته طب ونبيل كان محطوط مكاني ليه؟ شريف دور وشه في الأرض. سامح كان باعتلي سكرين شوت للهيكل الإداري نبيل مدير العمليات، وشريف مدير التسويق، وتحتهم اسم تالت هدى فاروق منسق حسابات. وجنب اسمي كان مكتوب بخط صغير التعيين يتم بعد التنازل عن محفظة العملاء الخاصة بها. يعني إيه الكلمة دي يا شريف؟ شريف غمض لمحة نيوز عينه بقلة حيلة يعني العملاء بتوعك يتحولوا للشركة الأول. ولو كنت رفضت؟ سكوته طول زيادة عن اللزوم، لحد ما نطق بصوت واطي عشان كده كان لازم نتأكد إن السيستم هيشتغل من غيرك لو مكملتيش معانا. فهمت كل حاجة؛ مكنوش بيعملولي مكان، دول كانوا مأمنين نفسهم على الحالتين لو وافقت ياخدوا شغلي، ولو رفضت يسرقوا الفكرة بالعملاء ويرموني بره اللعبة! ملمتش هدومي ومسبتش البيت في ليلتها، ولا فضحت الدنيا. أول حاجة عملتها الصبح، كلمت العميلين بتوعي في التليفون؛ الاتنين أكدوا إن شريف دخلهم من سكة إن دي منصة جديدة وتطوير لشغلي اللي بعمله معاهم، ومحدش فيهم مضى حاجة ولا وافق ينقل داتا. قفلت معاهم، ومسحت كل ملفاتي من على أي لابتوب مشترك في البيت، وغيرت كل الباسوردات، وقفلت الحسابات البنكية اللي كان ليه توكيل بسيط عليها. مش عشان شريف هيمد إيده على الفلوس، بس لأول مرة استوعب إن الحدود بين بيتي وشغلي كانت سايحة ومستباحة بالشكل ده. سامح راح لإدارة الشركة وشرح الحقيقة كاملة، ووضح نقطة مهمة مش كل الناس اللي اتغدوا عندنا كانوا عارفين أصل الحكاية؛ في اتنين كانوا فاكرين إن شريف هو اللي مبرمج ومصمم الشغل ده كله من الصفر.. سامح شك لما سمع كلمة شريف وقت الشاي وشافني متبهدلة في المطبخ، وبعدها سمعه بيتمنظر إن هدى بتشيل عشر حاجات في وقت واحد والسيستم مش بيقع. حتى نبيل مكنش فاهم الصورة كاملة؛ لما واجهته في مكالمة، اتصدم وقالي إن شريف فهمه إني تعبت من الفري لانس ومحتاجة أسيب وجع الدماغ ده عشان أدخل الشركة بروقان، وإنه عمل خطة البدائل دي عشان يشيل عني ضغط البيت والعيال! يعني تاخد مكاني دي كان قصدكم بيها الشغل؟ أيوة يا فندم، كان مطلوب مني أثبت إن الإجراءات تنفع تتعمل من أي حد قبل ما حضرتك تدخلي معانا رسمي. بس أنا محدش عرض عليا ولا وافقت أدخل أصلاً. نبيل سكت ومقدرش ينطق بحرف. المشروع كله اتفركش ووقف في الشركة أول ما الإدارة عرفت إن أول عميلين في التجربة مسروقين مني، وإن تلات أرباع النماذج والملفات واخدينها من شغلي وتعبي؛ سامح كمل في مكانه، ونبيل كذلك، وشريف اتسحب منه ملف المشروع واتحقق معاه على الحركة الرخيصة دي واتحط في موقف مشبوه في شغله. في البيت، قعدنا القعدة الأخيرة. ليه مقولتليش يا شريف؟ ليه مقعدتش معايا زي أي اتنين متجوزين وشاركتني؟ رد وهو باصص في الأرض كنت خايف ترفضي وتفتكري إني بستغل شقاكي.. كنت عايز أثبتلك إنها فكرة كبيرة وتجيب فلوس الأول. يعني كنت عارف كويس أنا هحس بإيه! معرفش يرد؛ واعترف كمان إنه كان بيتعمد يصغر من شغلي قدام أهله وصحابه ويقول بتسلي وقتها من البيت، عشان يرسم قدامهم دور العبقري اللي بيخترع سيستم ويدير من بره، وهو في الحقيقة كان بينقل بالمسطرة من اللي بعمله على المكتب. وهنا.. الجوازة دي ماتت جوايا تماماً. مش عشان فكرة مشروع ولا ملف إكسيل؛ لكن عشان الراجل اللي عشت معاه سنين كان محتاج يدفن قيمتي ويهد حيلي في الخفاء، عشان يعرف يلمع هو في النور ويحط اسمه على تعبي. الطلاق تم بهدوء نسبي عشان خاطر ولادنا، اتفقنا على المصاريف من غير محاكم ولا شوشرة، والمفارقة المضحكة إن شريف لأول مرة بعد الانفصال عرف يعني إيه مسؤولية بيت؛ الحاجة ماجدة حماتي مقدرتش طبعاً تشيل توصيل العيال والمدارس يومياً، وشريف اضطر يعدل مواعيد شغله بنفسه وينزل يجيب طلبات ويطبخ لنفسه الحاجات اللي كان فاكرها بتتعمل بضغطة زرار! أنا فضلت في بيتي، كملت شغلي أونلاين، ومع الوقت زاد عندي عميل تالت، وعمري ما فكرت أكبر الموضوع لشركة ضخمة؛ كنت راضية بنظامي، بقفل اللابتوب وأقعد مع ولادي بمزاجي، كوني عرفت إن طريقتي كان ينفع تتباع وتعمل ملايين، مش معناه أبداً إني أجري ورا نفس الطمع. بعدها بحوالي سنة، سامح جه ياخد ولادي مع بنته يروحوا تمرين النادي سوا عشان البنات بقوا صحاب في المدرسة، وقبل ما ينزل بص على باب المطبخ وابتسم لسه فاكر يوم الجمعة وعزومة الغدا دي.. ضحكت وقولتله ولا عمري هنساها. تصدقي، يومها لما جيت أوريكي الموبايل، كنت فاكر إني بكشفلك خيانة وجوازة تانية! وأنا افتكرت زيك بالظبط! ضحكنا إحنا الاتنين ونزل. قفلت الباب وراهم وبصيت على ترابيزة السفرة مطرح ما شريف رفع كبايته وقال نشرب في حب الست الأصيلة اللي عارفة قيمتها. سنين كنت فاكرة إن قلة الأصل في اليوم ده كانت إهانته ليا وإنه بيعاملني كخدامة لضيوفه؛ بس بعدين فهمت الحقيقة المرة شريف كان عارف قيمتي وشطارتي كويس أوي.. كان قايسها بالمسطرة، ومصورها، وحاسبها بالقرش، وبيتمنظر بيها قدام الناس! عيبه الوحيد إنه مكنش طايق يعترف بالقيمة دي طول ما هي منسوبة ليا أنا؛ شريف مكنش شايف إن شغلي ملوش لازمة.. هو كان شايف إنه مش هيبقى ليه لازمة ولا قيمة بجد، إلا لو اتسرق مني واتكتب عليه اسمه هو. النهايه