الرز البايت 2
الجزء الثالث
قعدت على طرف السرير في الأوضة وراء الباب المقفول، وصوت خناقهم في الصالة برة كان زي الطنين في ودني. الحاجة فاطمة صليت صبيانها وتزعق وتولول، وأحمد بينهج وبيحاول يدافع عن نفسه بصوت متوتر وطالع نازل.
ـ “يا أمي افهميني بس! سعاد مأفورة الموضوع، دي فلوسنا مع بعض، وإحنا بيت واحد!”
ـ “بيت واحد إيه يا ابن بطني؟! الشقة اللي في التجمع دي باسم مين؟ أختك منى كانت عارفة بالفلوس دي؟ إنت بتعمل من ورانا إيه يا أحمد؟!”
كنت حاسة بإحساس غريب جواه خليط من القرف والراحة. لأول مرة من تلاتين سنة تحس إن القناع اتقلع، وإن السكوت اللي كتمني العمر ده كله انزاح. بس في نفس الوقت، أنا مكنتش سريعة ولا عبيطة؛ أنا عاشرت أحمد تلاتين سنة وعارفة كويس قوي دماغه لما يتركن في الزاوية. أحمد من النوع اللي لما يتكشف، بدل ما يعتذر أو يراجع نفسه، بيهجم ويدوّر على أي طريقة يلوي بيها إيدك عشان يرجعك لنقطة الصفر.
سحبت شنطة إيدي، وطلعت منها فلاشة صغيرة كنت شايلة عليها نسخة إلكترونية من كل التحويلات وكشوفات الحسابات البنكية. عملت نسخ احتياطية على إيميلي الخاص بشغلي، وبعتّ نسخة تانية للمحامي بتاعي اللي اتصلت بيه على السريع في التليفون وشرحت له الخطوط العريضة.
المحامي قال لي كلمة واحدة: “يا مدام سعاد، أهم حاجة دلوقتي تحافظي على نفسك وتأمني الأوراق الرسمية، وأي حركة حسابات اقطعيها فورًا.”
وفعلاً، وأنا قاعدة على السرير، فتحت أبلكيشن البنك، وفي خطوات سريعة، لغيت كل الكروت الإضافية المربوطة بحسابي.. كارت أحمد، وكارت الحاجة فاطمة اللي كانت بتشتري بيه أونلاين وتدفع بيه للأوبر، وحتى الفيزا اللي كانت مع منى أخت أحمد عشان مصاريف ولادها. وقفلت خاصية السحب الآلي من حسابه هو اللي كان بيغديه من حسابي.
في ثواني معدودة، الحنفية اتسدت تمامًا.
خرجت من الأوضة بعد حوالي ساعتين، لما الصوت برة هدي خالص. لقيت البيت ساكت، الحاجة فاطمة دخلت أوضتها وقافلة على نفسها، وأحمد مكنش موجود.. عربايته مكنتش تحت البيت.
نزلت المطبخ، رميت طبق الرز الناشف اللي كان محطوط لي في الزبالة من غير ما يرف لي جفن. عملت لنفسي كوباية شاي دافية، وقعدت على ترابيزة المطبخ آكل حتة جبنة بعيش طازة كنت شرياه وأنا راجعة. كنت باكل بتلذذ، كإني باكل أكل من الجنة، مش عشان طعم الأكل، بس عشان لأول مرة باكل وأنا حاسة إن قيمتي مش مداسة تحت رجلين حد.
على الساعة سبعة بالليل، سمعت صوت الباب بيتفتح.
دخل أحمد، بس مكنش لوحده.
دخل ومعاه أخته منى وجوزها مجدي.
من أول ما دخلوا، كانت ملامحهم كلحة، ووشوشهم مقلوبة. منى دخلت تحس إنها داخلة تاخد حقها بدراعها، ومجدي جوزها واقف بكرشه ومنفخ صدره كأنه جاي يحل مشكلة بين عصابتين.
أحمد دخل ووراهم، وكان يحاول يبان هادي ومتماسك، بس عينيه كانت بتتنقل في المكان بقلة صبر.
منى نطت في وشي على طول من غير حتى ما تسلم:
ـ “جرى إيه يا سعاد؟ إيه الكلام الفارغ اللي بتقوليه للحاجة ده من الصبح؟ إنتِ خلاص كبرتي وخرفتي ولا إيه؟”
بصيت لها ببرود، وأخدت رشفة من الشاي:
ـ “أهلاً يا منى.. منورة. الكلام الفارغ ده هو الحقيقة اللي أخوكي كان مخبيها عليكم، وأنتِ بالذات أكتر واحدة مستفيدة منها.”
مجدي جوزها اتكلم بنبرة فيها تهديد ورخامة:
ـ “بصي يا مدام سعاد، إحنا مانسمحش إنك تتهمي أحمد أو تتهمي منى بالسرقة. أحمد سيد العيلة، والفلوس اللي بتدخليها البيت دي واجب عليكي، ده أكل وشرب وعيش وملح! وبعدين يعني إيه توقفي الكروت وتعملي الشوشرة دي كلها عشان قرشين؟”
قمت وقفت بثبات، وبصيت لمجدي في عينيه مباشرة:
ـ “مجدي.. إنت بالذات مالكش دعوة باللي بيني وبين جوزي وأهله. الفلوس اللي بنتك اتجوزت بيها، والـ 55 ألف اللي مرتك جابت بيهم عربيتها المستعملة، دي كانت فلوس مستقطعة من دم شقايا، من حساب معمول لرعاية ست كبيرة. إنت جيت هنا بصفتك إيه؟ جايبينك تحموا بعض ولا جايين ترهبوني؟”
منى صرخت بصوت عالي:
ـ “فلوسك إيه ويا زفت إيه! أحمد أخويا هو اللي عامل لك قيمة! إنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟ البيت ده بيت أخويا، والخير ده خيره! إنتِ حتة موظفة بتروحي وتيجي بالساعات بالليل والنهار وما حدش عارف إنتِ بتعملي إيه في شغلك ده أساسًا!”
الكلمة دي كانت قذرة.. طالعة من ست عارفة كويس قوي أنا بشتغل إيه وبسهر ليه في الشركة.
أحمد ما اتكلمش.. وقف ساكت، وساب أخته تطعن في شرفي وذمتي قدامه، كأنه عاجبه الكلام أو بياخد حقه مني بإيد أخته.
ابتسمت ابتسامة حادة وقربت من منى:
ـ “شغلي اللي مش عاجبك ده يا منى.. هو اللي دفع مصاريف ولادك في المدارس لما مجدي كان قاعد عاطل وما معاهوش جنيه. وشغلي ده هو اللي جاب العربية اللي بتتباهي بيها قدام قرايبك. بس تمام.. حلو قوي إنكم كشفتوا عن وشوشكم الحقيقية في الصالة هنا.”
أحمد اتكلم أخيرًا، بس نبرته كانت اتغيرت خالص.. بقت نبرة هجومية وخبيثة:
ـ “سعاد.. بلاش تفتحي على نفسك أبواب إنتِ مش قدها. إنتِ فاكرة إنك لما تقفلي الفيز والكروت إنك كده جيبتيني الأرض؟ إنتِ ناسية إن أنا جوزك؟ وناسي إن البيت ده باسمي؟ وناسي إن العقد بتاعه متسجل باسمي أنا بس؟”
ـ “وناسية إن الشقة اللي في التجمع متسجلة باسمك بفلوسي يا أحمد؟” ـ رديت عليه بنفس النبرة.
أحمد ضحك ضحكة شريرة، وقرب مني ووطى صوته بحيث مجدي ومنى يسمعوا بس:
ـ “شقة إيه؟ إنتِ معاكي إثبات؟ التحويلات طالعة من حسابي الشخصي للشركة.. إنتِ مالكيش أي صيغة قانونية في الشقة دي! حسسابك إنتِ كان بيحول لحسابي ‘مساعدات زوجية’ بعلمك، ورينى بقى قدام القاضي هتثبتي إزاي إن الفلوس دي كانت عشان الشقة! إنتِ قانونًا مالكيش عندي ولا مليم!”
مجدي ابتسم بشماتة، ومنى حطت إيدها في وسطها وبصت لي بنصر.
أحمد كمل كلامه وبكل جشع وبرود:
ـ “ومش بس كده يا سعاد.. البيت ده بيتي، وإنتِ لو مش عاجبك العيشة دي، تقدرِ تطلعي برة بشنطة هدومك، من غير ما تاخدي ورقة واحدة ولا مليم واحد من اللي حطيتيه هنا. 430 ألف بتوع التجديدات؟ اعتبريهم إيجار قعدتك معانا التلاتين سنة اللي فاتوا! وأزيدك من الشعر بيت.. لو ما رجعتيش الفيز والكروت واعتذرتِ لأمي حالا، أنا ممكن أعمل لك محضر عدم تعرض وأطردك من البيت الليلة دي!”
كنت حاسة بالدم بيغلي في عروقي، بس عقلي كان صاحي جداً. كشف أوراقه كاملة.. كان فاكر إن القانون معاه عشان العقود باسمه، وإن تحويلات الفلوس تحت مسمى “حسابات عائلية” هتخليه يهرب بفعلته.
الحاجة فاطمة خرجت من أوضتها في اللحظة دي، بتتكسع على عصايتها، وبصت لي وقالت بكل قسوة:
ـ “اسمعي كلام جوزك يا سعاد.. بدال ما تترمي في الشارع على كبر. أحمد ابني أصلح منك وأفهم منك، والبيت ده بيته، والفلوس اللي دخلت هنا دخلت برضاط.”
وقفوا هم الأربعة قدامي في صالة البيت.. أحمد، أمه، أخته، وجوز أخته. أربعة جدار من الجشع والاستغلال، فاكرين إن ست كبرت في السن، قضت عمرها بتشتغل وتصرف، هتنهار وتعيط وتترجاهم عشان تسيب لها أوضة تنام فيها.
بصيت لهم واحد واحد.
مسحت كل مشاعر الضعف من وشي، وبصيت لأحمد في عينيه.
ـ “طرد؟ إنت فاكر إنك تقدر تطردني يا أحمد؟”
أحمد حط إيده في جيبه وقال بثقة مزيفة:
ـ “القانون في صف صاحب الملك يا سعاد.. والبيت ده ملكي. قدامك لحد بكرة الصبح.. يا ترجعي كل حاجة زي ما كانت وتعتذري لأمي، يا تمشي بشنطة هدومك وورقك، وما تحلميش بمليم واحد.”
أخدت نفس عميق.. وتبسمت.
ـ “تمام يا أحمد.. إنت اختارت الطريقة دي.”
رفعت الموبايل وفتحت الواتساب، وبعت رسالة صوتية للمحامي بتاعي، وقلت فيها بصوت عالي وواضح قدامهم كلهم:
ـ “أستاذ عصام.. ابدأ في إجراءات القضية فورًا. ارفع دعوى إثبات صورية العقود، وقدم كشوفات الحسابات البنكية الموثقة اللي بتثبت الاستيلاء والتزوير، واعمل طلب تحفظ تحفيظي على شقة التجمع الخامس وعلى البيت هنا بصفة عاجلة بناءً على أوراق الميراث القديمة والجمعيات.”
أحمد وشه اتغير شوية، بس حاول يبان متماسك:
ـ “أوراق إيه يا روح أمك؟ إنتِ معندكيش حاجة!”
ـ “أنا معنديش؟” ـ ابتسمت له بثقة خلت ركبه تترعش ـ “إنت نسيت إن أنا مهندسة أنظمة وشبكات يا أحمد؟ نسيت إن كل حركة سحب، كل تحويل، وكل رسالة بينك وبين بنك الاستثمار العقاري، مسجلة إلكترونيًا ومصحوبة بتوقيعك الرقمي وإشعارات البنك اللي طالعة من إيميلي أنا المربوط بالحساب؟ نسيت إن كشوفات الحساب بتاعت ‘حساب مستقبل فاطمة’ فيها توقيعك على السحوبات الكاش اللي كنت بتعملها بالفيزا بتاعتي من مكنة البنك اللي جنب البيت وفي أوقات كنت أنا فيها في الشركة بالدليل والشهود؟”
منى بصت لأحمد بقلة صبر:
ـ “أحمد.. هي بتقول إيه؟ يعني إيه توقيع رقمي وكشوفات؟”
أحمد ماردش.. وشه بدأ يعرق، والارتباك ظهر في عينيه بشكل ملحوظ.
كملت كلامي بمنتهى الهدوء:
ـ “ومش بس كده يا أحمد.. إنت فاكر إن الـ 430 ألف بتوع تجديد البيت راحت عليا؟ الفواتير كلها، وإيصالات الشركات اللي عملت التعديلات والدرابزين وأرضيات الحمام، كلها باسمي أنا وصادرة لشركتي، ومسجلة في الضرائب العقارية كمصاريف تحسين مدفوعة مني شخصيًا على عقار ورث. يعني أنا ليا حصة دائنية في البيت ده تثبت حقي وتخليني أقدر أحجز عليه قانونًا!”
مجدي جوز منى رجع خطوة لورا، وبص لأحمد باستغراب:
ـ “هو الكلام ده صحيح يا أحمد؟ الفواتير باسمها هي؟”
أحمد اتلخبط وبقى يزعق بصوت هيستيري:
ـ “إنتِ كدابة! كل دي ألاعيب عشان تخوفيني! اطلعي برة بيتي! اطلعي برة حالا!”
قرب مني ومسك دراعي بقوة عشان يزقني ناحية الباب، لكن قبل ما يعمل أي حاجة، صوت تليفونه يرن بصوت عالي جداً.
رنة متواصلة.. نغمة إشعار من البنك.
أحمد بص في شاشة الموبايل.. وشه اتقلب أبيض زي الفراخ المسلوقة.
فتح الرسالة وإيده بتترعش.
كانت رسالة إشعار رسمية من البنك المركزي ومن تطبيق البنك:
“تم إيقاف الحساب الفرعي وتجميد المعاملات المالية بناءً على بلاغ رسمي وجود شبهة استيلاء وتحويلات مشبوهة قيد التحقيق.”
أحمد بص للشاشة ومش مصدق، ورفع عينيه ليا وهو مش قادر يتنفس.
ـ “إنتِ.. إنتِ عملتي إيه؟”
ـ “أنا ما عملتش حاجة يا أحمد..” ـ قلتها وأنا باخد شنطتي وبتجه ناحية الباب بمنتهى الثبات ـ “أنا بس فتحت الملفات اللي إنت حاولت تدفنها. والبنك وقف كل المعاملات لحد ما النيابة والمحكمة تقول كلمتها.”
الحاجة فاطمة قعدت على الكرسي وهي بتصوت:
ـ “يا لهوي يا أحمد! الفلوس اتجمدت؟ يعني مش هنعرف نسحب حاجة؟”
منى بدأت تصرخ في أحمد:
ـ “إنت عملت إيه يا أحمد؟! إنت مش قلت إن كل حاجة متأمنة وإن سعاد مش هتقدر تعمل حاجة؟! العربية اللي قسطها ينزل الأسبوع الجاي هدفعها منين دلوقتي?!”
المكان اتحول لساحة حرب بينهم.. هم الأربعة بقوا ياكلوا في بعض. منى بتزعق لأحمد، وأحمد بيصرخ في مجدي، والحاجة فاطمة بتولول وتضرب على صدرها.
وقفت عند باب الشقة، ولفت ببتسامة باردة:
ـ “أنا ماشية دلوقتي يا أحمد.. هروح أقعد في فندق نضيف، وأرتاح بعد الشفت الطويل بتاعي. وأنتوا اتفضلوا اقعدوا مع بعض، وكلوا المكرونة بالبشاميل والفراخ المشوية.. بس المرة دي، ادفعوا تمنها من جيبكم.”
فتحت الباب وخرجت، وسبت الباب مفتوح ورايا على أصوات خناقهم اللي كانت جايبة آخر الشارع.
نزلت السلم بخطوات ثقيلة بس بثبات.. حسيت إن الهواء برة الشقة له طعم تاني.
بس وأنا ماشية في الشارع ورايحة أركب عربيتي، جالي إشعار تاني على التليفون.. رسالة غريبة من رقم غير معروف، فيها تهديد واضح وصريح، وصورة لأوراق متفبركة كانت هتغير مجرى القضية كلها وتكلّفني حريتي مش بس فلوسي.
أحمد مكنش بيلعب لعبة فلوس بس.. أحمد كان مجهز لي مصيبة أكبر بكتير مكنتش تتخيلها عقلية أي ست عاشت مع راجل تلاتين سنة.
يتبع…