دفنا امي بفلوس الجيران 1

دفنا أمي بفلوس الجيران بعد ما عاشت عمرها كله تقول إنها مش لاقية تمن دوا الضغط… لكن بعد موتها بتلات تيام بس وأنا بنقل حاجتها.لقيت حاجة تحت حتة صاج مصدية خلت رجلي متبقاش شايلاني. والله العظيم لحد النهارده مش عارفة ألوم نفسي ولا ألومها. أمي طول عمرها بتقول إن الحال على قده.بتبيع فطاير وعيش في السوق يومين في الأسبوع وتلف على البيوت تساعد الستات في التنضيف عشان توفر حق الدوا والأكل
وكل ما أقولها يا أمي اشتري لنفسك حاجة عدلة. كانت تضحك نفس الضحكة المكسورة اللي عمرها ما فارقت وشها وتقول: أنا كويسة يا بنتي.أهم حاجة أنتِ تاكلي وتشبعي. وكنت بصدقها. كنت فاكرة فعلًا إن أمي ماعندهاش غير اللي في جيبها. لحد اليوم اللي ماتت فيه. أمي ماتت على سرير المستشفى وإيديها كانت ساقعة بشكل عمره ما هيفارق خيالي ورجليها كانوا ورمين من التعب والمرض.. وأنا قاعدة جنبها ماسكة إيدها وبقولها متسبنيش لكنها سابتني.
ولما دفناها والله العظيم ما كان معايا فلوس الجنازة كاملة. الجيران هما اللي وقفوا جنبي واحد دفع تمن الكفن وواحد جاب الأكل وواحدة ساعدتني في مصاريف العزا. وأخويا سامح كان أول واحد يسأل على البيت مش على أمي. بعد الدفنة بيومين بس دخل عليا وقال: بصي يا هناء… البيت ده قديم وخربان.نبيعه ونقسم تمنه وخلاص. بصيتله كأني أول مرة أشوفه وقولت: إحنا لسه راجعين من المقابر. مراته نهلة ضحكت وقالت:هو يعني الست الله يرحمها كانت سايبة إيه؟ ده البيت واقع أصلاً.
ساعتها حسيت إن النار ولعت جوايا.لكني سكت لأني كنت تعبانة وموجوعة ومكسورة. ومن يوم ما أمي تعبت وأنا شايلة كل حاجة لوحدي أنا اللي كنت بجيب دواها وأكشف عليها وأبات جنبها في المستشفى. أما أخويا فكان بيقول: انا معايش مليم.اتصرفي أنتي. وأحتفظت بكل الرسائل دي كل كلمة كل موقف كل إهانة. يمكن علشان جوايا كان حاسس إن يوم الحساب جاي. وفي ليلة بعد العزا.كنت قاعدة لوحدي في البيت. البيت كان ساكت بشكل يخوف.
ريحة القهوة البايتة لسه موجودة وطرحتها لسه معلقة ورا الباب. وكأنها هتدخل دلوقتي وتقولي: اعمليلي كوباية شاي يا بنتي. ورغم إني كنت بموت من التعب.فضلت ألف بعيني في البيت. وفجأة عيني وقعت على مفتاح صغير جدًا مربوط فيه شريط أحمر. المفتاح ده كان مع أمي طول عمرها وأنا صغيرة كنت أسألها: بيفتح إيه يا أمي؟ فتضحك وتقول حاجات أحسن تفضل مقفولة. افتكرت كلامها وحسيت بقشعريرة غريبة. وفي اليوم اللي بعده وأنا برتب البيت.المطر بدأ ينزل.والسقف القديم بدأ يسرّب مية زي عادته.
طلعت أحط جردل تحت النقطة اللي بتنقط وساعتها لاحظت حاجة غريبة. حتة صاج في السقف شكلها مختلف طلعت فوق الكرسي وبعدين فوق الترابيزة ومديت إيدي جوه الفتحة ولمست حاجة ملفوفة. سحبتها وكانت علبة صاج قديمة متربة عليها قفل صغير. قلبي كان بيدق بشكل مرعب طلعت المفتاح الأحمر وحطيته والقفل اتفتح من أول مرة. فتحت العلبة ولقيت جواها دفتر بنك وظرف أصفر وصورة قديمة. مسكت الصورة الأول والله العظيم إيدي كانت بتترعش.
لأن الست اللي في الصورة كانت أمي. بس مش أمي اللي أعرفها. ست شيك جدًا. لابسة فستان أبيض وشعرها متظبط وحواليها ناس شكلهم من عالم تاني خالص. قلبت الصورة ولقيت اسم عمري ما سمعته قبل كده. اسم مش اسم أمي. ساعتها فتحت دفتر البنك وفي اللحظة دي حسيت إن روحي خرجت مني. لأن الرقم اللي قدامي كان بالملايين. ملايين!أمي اللي كانت بتعد الجنيهات قبل ما تشتري الدوا. أمي اللي كانت تقول معنديش. أمي اللي دفناها بتبرعات الناس.
كان عندها ملايين وقبل ما أستوعب اللي شوفته.موبايلي رن. كان أخويا سامح. رفضت أرد. بعدها بثواني بعت رسالة صوتية. شغلتها وفجأة سمعت صوت مراته وهي بتقول من بعيد: هو لقى الصندوق ولا لسه؟ وفي نفس اللحظة سمعت أخويا يهمس بصوت خلّى الدم يتجمد في عروقي… نزلت الرسالة الصوتية على قلبي زي الصدمة الكهربائية. صوت نهلة مراته كان جاي من بعيد، واضح ومكتوم في نفس الوقت، كأنها بتكلمه وهو واقف في البلكونة أو على السلم: “هو لقى الصندوق ولا لسه؟” وصوت سامح أخويا جه بعده مباشرة، ووشيش الهواء مغطي عليه، لكن النبرة كانت وطيّة ومرعبة، خالية تماماً من أي طيبة أو حزن على أمنا: “اصبري يا نهلة.. البت هناء عبطية ومصصدقة إن البيت ممتلكات قديمة وخرابة، ساعتين زمن وهطلع البيت وهطلع الصندوق من تحت السقف، الصندوق ده جواه الشفرة كلها، وساعتها مش بس هنبيع البيت، إحنا هنبقى في مكان تاني خالص.. الملايين دي مش هتروح للست اللي ماتت في تربتها ولا للبت اللي بتعيط طول الليل”. في اللحظة دي، حطيت إيدي على بقي عشان أمنع صرخة كانت طالعة من زوري. الموبايل وقع من إيدي على الكنبة القديمة. الدم جمد في عروقي، ورجلي ما بقتش شايلاني نهائياً. قعدت على الأرض، جنب العلبة الصاج المفتوحة، والمطر بره صوت ضرباته على السقف بيكبر وبيزيد، والماية نازلة بتنقط في الجردل البلاستيك بصوت منتظم زي دقات الساعة. أمي اللي كنت بجمع لها جنيهات حق دوا الضغط.. أمي اللي دفناها بفلوس تبرعات الجيران.. سامح مراته عارفين بالصندوق؟ عارفين بالملايين؟ وعارفين الاسم اللي على ضهر الصورة؟ مديت إيدي وأنا بترعش ورفعت الظرف الأصفر اللي كان تحت دفتر البنك. الظرف كان مقفول بشمع أحمر قديم ومكسور من الجناب من طول الزمن. فتحته بصباعي بسرعة وأنا بصص للباب، خايفة أسمع خطوة سامح وهو طالع على السلم القديم. جوه الظرف كان فيه ورق رسمي، أوراق عقود ممتلكات، وثيقة تنازل، وورقة مكتوبة بخط إيد أمي..
نفس الخط الضعيف اللي كنت بشوفها بتكتب بيه حسابات الخضار والفطاير في أجيندة المطبخ. بس الكلام اللي مكتوب في الورقة ما كانش يمت لحياتنا بأي صلة. قريت السطور الأولى، وكل كلمة كانت بتنزل عليا زي الخنجر: “بنتي هناء.. لو بتقري الكلام ده، تبقى روحي راحت للي خلقها، وتبقى الحقيقة المرة ظهرت ليكي. أنا عارفة إنك دلوقتي بتلعنيني، أو بتقولي إني حرمتك وحرمت نفسي، وإني خليت الناس تعطف علينا وتدفع حق كفني. بس والله العظيم يا بنتي، الملايين دي ما كانتش ملكي، الملايين دي كانت ديّة وسر لموت أبوكي الحقيقي.” رجلي سابت خالص، وسندت ضهري على الحيطة المقشرة. أبويا الحقيقي؟ أنا طول عمري عارفة إن أبويا اتوفى وأنا صغيرة جداً، وعشت أنا وسامح على إننا ولاد راجل بسيط كان شغال سواق، وهو ده الراجل اللي بنحمل اسمه! كملت قراءة السطور اللي تحتها، وإيدي بتهز الورقة: “أبوكي الحقيقي كان راجل أعمال غني جداً.. أنا كنت شغالة عنده، اتجوزني في السر، ولما حملت فيكي، أهله ومراته الأوليين عرفوا. الراجل مات في حادثة غامضة بعد ولادتك بأسابيع، وأهله طردوني ورموني في الشارع ودفعوا لي المبلغ ده من التركة بشرط واحد: إني أختفي تماماً، وأغير اسمي، وأتنازل عن أي حق ليكي في ورثه الفعلي اللي بيساوي عشرات الأضعاف. المبلغ ده اتحط في حساب باسم مستعار، مقفول بقضايا وشروط، وما أقدرش أسحب منه مليم واحد إلا لما تصلي لسن ثلاثين سنة، أو لما أموت وأسيب لك الوثائق دي.. لو كنت ظهرت الفلوس دي أو استعملتها، كانوا هيوصلوا لنا وياخدوكي مني، أو يقتلوكي زي ما قتلوا أبوكي.” بقيت أقرأ والدموع نازلة تغرق الورقة. كملت أمي في الجواب: “سامح أخوكي مش ابن الراجل ده.. سامح ابن الراجل البسيط اللي اتجوزته بعد كده عشان يستر عليا وعلى السر، وعشان أربيكم في حارة بعيدة محدش يعرفنا فيها.
سامح طول عمره نمرود، وعرف السر ده من كام سنة لما فتش في كراكيب المطبخ ولقى ورقة قديمة، ومن يومها وهو بيحاول يوصل للصندوق. سامح مش أخوكي من الأب يا هناء.. سامح عاوز الأوراق دي عشان يبتز عيلة أبوكي الحقيقي وياخد منهم ملايين زيادة ويبيعك أنتِ.” في اللحظة دي، سمعت صوت خطوة رجل على السلم الخشبي بره الشقة. صوت خشب البيت القديم وهو بيزيق تحت وزن تقيل. قلبي وقف. المسافة بين السلم والباب الخشبي بتاع الشقة ما تكملش مترين. بصيت للصندوق الصاج، وبصيت للدفتر والورق والصورة القديمة. مسكت كل حاجة بسرعة وحطيتها جوه الظرف الأصفر، وقفلته، وحطيت المفتاح الأحمر في جيبي. العلبة الصاج الفاضية سبتها زي ما هي على الترابيزة تحت الماية اللي بتنقط من السقف. أنا مش بس اكتشفت إن أمي مظلومة وعاشت في فقر وعذاب عشان تحميني من عيلة نفوذها يهد جبال.. أنا اكتشفت كمان إن الأخ اللي قاسم معايا اللقمة طول عمره، مجرد تعلب مستني الفرصة عشان يدفن الحقيقة وياخد تمن سكوتي. صوت الخبط على الباب جه هزيل في الأول، وبعدين بقى أقوى: “هناء! افتحي يا هناء.. أنا سامح. المطر بره شديد وجايب لك حاجة تاكليها.” صوته كان ناعم، ناعمة الحية وهي بتلتف حوالين رقبة فريستها. وقفت ورا الباب مباشرة، وأنا ماسكة الظرف الأصفر في حضني زي ما أكون ماسكة طفل صغير. حطيت إيدي على الترباس الحديد القديم، وريحة أمي وطرحتها اللي متعلقة ورا الباب كانت بتديني قوة غريبة عمرها ما كانت عندي. سكت ثواني، وحطيت الموبايل في جيبي، وفتحت الترباس ببطء شديد. الباب اتفتح، وظهر سامح. كان لابس جاكيت أسود عليه نقط مطر، ووشه فيه ابتسامة صفرا، وجنبه مراته نهلة واقفة على السلم ماسكة مظلة ومبتسمة نفس الضحكة الشماتة. عين سامح ما جاتش في عيني أول ما فتحت.
عينه راحت مباشرة لسقف المطبخ، للفتحة اللي تحت الصاج المصدية. قال وهو بيدخل ويذق الباب بركبته: “إيه يا بنتي.. ما بترديش على التليفون ليه؟ المطر نازل جامد وقلت أجي أطمن عليكِ ونشوف موضوع البيت ده عشان نخلص من الكراكيب دي.” نهلة دخلت وراه وقالت بصوت شامت: “الله يرحمها بقى، البيت ريحته غم، إحنا لازم ننضف كل حاجة من جزرها يا هناء.. من جزرها.” وقفت في نص الصالة، وحطيت الظرف الأصفر ورا ضهري، وبصيت لسامح في عينه بثبات، ورجلي اللي كانت بتترعش من شوية ثبتت على الأرض زي الحديد. قلت له بنبرة أبرد من مية المطر اللي نازلة من السقف: “الصندوق فاضي يا سامح.” سامح اتجمد في مكانه. الابتسامة الصفرا اختفت من وش مراته فوراً. عينيه وسعت، وبص لي بنظرة كلها غل وشك: “صندوق إيه؟ أنتِ بتتكلمي عن إيه؟” ضحكت ضحكة مكسورة، شبه ضحكة أمي اللي كانت بتضحكها لما تقول “الحال على قده”. قلت له وأنا بطلع الموبايل وبشغل الرسالة الصوتية بتاعته هو ومراته بصوت عالي في نص الصالة: “الصندوق اللي مرتك بتسأل عنه.. والصفر اللي في الحساب اللي أنت فاكر إنك هتبتز بيه الناس. أمي ما ماتتش وسايبة فلوس يا سامح.. أمي ماتت وسايبة لي حقي وحقها.. وأنت مش أخويا.” في اللحظة دي، سامح خطى خطوة سريعة ناحيتي وعينيه حمرا زي الدم، ورفع إيده عشان يمسكني من رقبتي، ونهلة صرخت: “هات الورق منها يا سامح! هات الورق قبل ما تخرج بيه!” لكن في نفس اللحظة اللي مد فيها إيده، صوت الباب الخارجي للعمارة اتهز بشدة، وسمعت صوت خطوات جزمة تقيلة طالعة على السلم.. خطوات مش خطوة راجل واحد، خطوات ناس كتير طالعين بثبات، وصوت راجل في الخمسينات بنبرة صارمة بيقول من تحت: “افتحي يا هناء يا بنتي.. إحنا أمانة المرحومة والدتك، وجايين ننهي الكابوس ده.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *