عمّ الصمت المكتب لأوان، ولم يكن يُسمع فيه سوى صوت أنفاس أحمد المتسارعة وزفير الشريك الجديد الغاضب. كان أحمد ينظر إليّ وكأنه يرى شخصًا آخر لم يعرفه طوال سنوات زواجه؛ شخصًا لا ينطلي عليه الخوف، ولا تميل جوارحه للضعف أمام التوسلات المزيفة. رفع أحمد رأسه ببطء، وشفتاه ترتجفان، ثم قال بصوت مبحوح وخافت: — موافق يا مريم… هبيع الشقة وهسدد لك كل دين، بس بلاش النيابة… بلاش السجن يا مريم، أرجوكي. وقف الشريك الجديد وضغط على الطاولة بيده حاسمًا الأمر: — قدامك أسبوع واحد يا أحمد! تسدد لي فلوسي وتصفي موقفك القانوني مع المدام، أو البلاغات هتوصل للنيابة بنفسها، وساعتها الشيكات اللي معايا كفيلة توديك ورا الشمس. خرج الشريك ورزع الباب وراءه بقوة هزت أركان الغرفة. وقف أحمد ببطء شديد، وجلس على كرسيه وكأنه عجوز في الثمانين من عمره. نظر إليّ وقال بنبرة انكسار حقيقية: — للدرجة دي بقيتِ تكرهيني يا مريم؟ أنا أخطأت… أعترف إني أخطأت وجنيت على نفسي وعلى بيتي، بس ما توقعتش إنك تشفي غليلك مني بالشكل ده. بصيت له بثبات وابتسامة خفيفة، وقلت له ناهيةً الجدال: — ده مش كره يا أحمد، ولا أخذ ثأر… دي مجرد “قواعد” أنت اللي حطيت أساسها بنفسك. أنت اللي علمتني إن الظروف الشخصية والإنسانية ملهاش مكان لما القوانين تتطبق. أنا بطلب حقي الشرعي والقانوني فقط، حقي اللي أكلته بالباطل واستضعفتني بسببه. المحامي بتاعي أخرج عقود الجدولة والتنازل المشروط، وحطها قدامه على المكتب: — قدامك 72 ساعة يا أستاذ أحمد عشان تورد المبلغ الصافي في حساب المدام مريم، وإلا المحضر الرسمي جاهز للعرض على النيابة صباح الأحد. خرجت من الشركة وأنا أشعر بخفة غير عادية، وكأن حملاً ثقيلاً كان بركبتي سنوات طويلة وقدمًا انزاح دفعة واحدة. خلال الأيام الثلاثة التالية، انقلبت حياة أحمد وأمه رأساً على عقب. عرض أحمد الشقة الفاخرة للبيع بأقل من سعرها السوقي للبيع السريع لإنقاذ نفسه من السجن. نوال، أم أحمد، التي كانت تراني مجرد خادمة تطبق عليها “قوانين البيت”، كانت تلملم أثاثها لتنتقل مع ابنها إلى شقة صغيرة بالإيجار في حارة ضيقة بعدما ضاع مجدهم المزيف وفقدوا كل ما يملكون. في اليوم المحدد، جلست في مكتب المحامي، وحضر أحمد وهو يحمل إيصال التحويل البنكي الفوري بحق أصولي بالكامل. وقّع على الأوراق بأيدٍ ترتعش، ثم سلمني الإيصال بدون أن يجرؤ على رفع عينيه في عيني. عندما استلمت أوراقي كاملة، أخذت حقيبتي وقمت للمغادرة، لكنه وقف فجأة عند الباب وقال بصوت مخنوق: — مريم… أختي سلمى قطعت علاقتها بينا ورفضت ترجع تعيش معانا، والمشروع ضاع، والشقة اتبرعت بسعرها عشان أسدد لك وللشريك… أمي مريضة وكسيرة، وأنا أصبحت بلا عمل وبلا مأوى يلمنا… هل كده حقك رجع ورضيتي؟ التفتُّ إليه عند باب المكتب، وقفت وابتسمت له بنضج وثبات: — حق مريم الإنسانة رجع بالكامل يا أحمد… بس حق دم سلمى والظلم اللي مارسوه في البيت ده، ده حساب تاني مع ربنا. أنت حصدت نتيجة القوانين الجافة اللي زرعتها. خرجت للشارع وأنا أتنفس الحرية بكل جوارحي. المبلغ الذي استرددته كان كفيلاً بفتح مركز تعليمي كامل باسمي، وتأمين مستقبلي للأبد بدون الحاجة لأحد. لكن المفاجأة التي لم تكن في الحسبان، ظهرت في مسار آخر تماماً… بعد شهر واحد من إغلاق صفحة أحمد النهائية، جاءتني سلمى إلى المركز الجديد وهي تحمل خبرًا غير متوقع؛ خبرًا يتضمن شخصية جديدة دخلت على الخط، أوراقًا قديمة كانت مخبأة في مكتب أحمد لم أكن أعلم عنها شيئًا، ومفاجأة ستقلب الموازين للمرة الأخيرة. جلسَت سلمى أمامي في مكتبي الجديد بالمركز التعليمي، كانت عيناها تتسع بذهول وهي تنظر إلى المساحة الواسعة، والمكاتب المجهزة، والطلاب الذين يروحون ويجيئون في الطرقات. ابتسمَت ابتسامة خفيفة مليئة بالفخر، لكن سرعان ما عادت ملامح الجدية والاضطراب لتسيطر على وجهها. سحبت من حقيبتها ملفًا جلديًا أسود قديمًا، وحطّته على الترابيزة قدامي. نظرْتُ إلى الملف باستغراب، ثم رفعت عيني إليها وتساءلت: — إيه ده يا سلمى؟ افتكرت إن كل الأوراق والمستندات بيني وبين أحمد اتصفّت تمامًا، وكل واحد أخد حقه والقانون أخد مجراه. تنهدت سلمى بعمق، وسندت ظهرها على الكرسي وهي بتقول بصوت هادئ ومحمل بمرارة الماضي: — الأوراق دي ماكنتش في الشركة يا مريم… الأوراق دي كانت مخبأة في القاع الخشبي المزدوج لكرسي المكتب اللي كان أحمد بيقعد عليه في البيت. لما أحمد وأمي كانوا بيلموا العفش القديم عشان يعزلوا للشقة الإيجار الصغيرة بعد ما باعوا الشقة الكبيرة، الكرسي اتكسر وهو بيتشرّف على السلم، والملف ده وقع منه. أمي كانت مصلوبة ومذهولة، بس أنا أخدت الملف وخبّيته في شنطتي من غير ما حد يحس. عقدتُ حواجبي، ومددت إيدي وفتحت غلاف الملف الأسود. كانت الأوراق صفراء بعض الشيء، وتعود لتاريخ يسبق زواجي بأحمد بسنتين كاملتين. بدأت أقرأ السطور الأولى، ومع كل سطر كانت عيناي تتسعان، وجسمي يمرّ فيه قشعريرة باردة. لم تكن الأوراق مجرد عقد شراكة عادي أو إيصالات أمانة، بل كانت عقد تأسيس لشركة استيراد وتصدير باسم والد أحمد المتوفى، وتتضمن بندًا خطيرًا جدًا: والد أحمد كان قد كتب نصف أصول الشركة ومبنى تجاريًا كاملاً في وسط البلد باسم زوجة أحمد المستقبلية بشرط أن تكون من فصيلة دم معينة ونادرة (نفس فصيلتي ونفس فصيلة سلمى)! رفعت راسي بصدمة وبصيت لسلمى: — إيه الكلام ده يا سلمى؟! يعني إيه “شرط فصيلة الدم”؟! إيه العلاقة بين الجواز والفصيلة والمبنى التجاري؟! سلمى اقتربت مني، ونبرة صوتها أصبحت همسًا شاحبًا: — والدنا الله يرحمه كان رجل أعمال قديم وكان عارف إن العيلة فيها جين نادِر جدًا في فصيلة الدم. لما تعب زمان، ما أخدش باله غير بعد ما فات الأوان، وكان خايف إن السلالة دي تنقطع أو إن أخته أو بنته يقعوا في أزمة صحية وميلاؤوش حد ينقذهم. فكتب وصية وشروط مشددة في الشهر العقاري: اللي يتجوزها أحمد ولازم تكون تحمل الفصيلة النادرة دي عشان تضمن استمرار العيلة وتكون سَنَد وطوق نجاة، ليها نصف مبنى وسط البلد بالكامل كـ “مؤخر وثيقة حماية أسرية”، ولا يحق لأحمد تصرف فيه أو بيعه إلا بموافقتها الكتابية الصريحة! وقفتُ من على الكرسي والذهول يلجم لساني. أحمد لم يتزوجني عن حب كما كنت أتوهم طوال خمس سنوات! أحمد عندما تقدم لي زمان، كان يعلم مسبقًا بفصيلتي النادرة من الفحوصات الطبية التي أجريتها في المستشفى الجامعي حيث كان يعمل شقيقه الأصغر! أحمد استخدم “حب خمس سنين” كستار ليحصل على الشرط الوحيد الذي يجعله يضع يده على مبنى وسط البلد التجاري الذي تتجاوز قيمته ملايين الجنيهات! حسيت بمرارة شديدة تغلي في حلقي. تذكرت يوم طردني… يوم رمى الورقة في وجهي بعدما اتبرعت بدمي لأخته… كان يعلم أنني أملك نصف مبنى وسط البلد بموجب هذه الوصية المسجلة، وكان يمارس عليّ الضغط النفسي وقوانين البيت الجافة ليجبرني على العيش ذليلة ومستسلمة، حتى لا أبحث وراء حقوقي أو أكتشف هذا السر الرهيب! سألتُ سلمى بصوت يرتجف من الغضب: — وأحمد عمل إيه بالمبنى ده طول السنين دي؟! ردت سلمى وهي تهز رأسها بأسف: — أحمد كان مؤجر المبنى بالكامل لشركات ومحلات تجارية ضخمة، وكان بياخد الإيجارات الشهرية اللي بتوصل لشهريًا مئات الآلاف، ويحطها في حسابه الشخصي! ولما الشركة بتاعته أفلست قبل شهور، حاول يبيع المبنى، بس المحامي بتاعه قاله إن البيع باطل ولا يمكن إتمامه في الشهر العقاري إلا بحضور “الزوجة التي تحمل الفصيلة النادرة” والتوقيع بنفسها! وده السبب الحقيقي اللي خلاه يتجنن لما سبت البيت، وده السبب اللي خلاه يضغط عليكي يوم المستشفى عشان ترجعي له! ماكنش خايف على أخته بس… كان خايف إن السر ينكشف والملايين تطير من إيده! نزلت دمعة حارة على خدي، لكنها لم تكن دمعة ضعف… كانت دمعة الحقيقة التي انجلت تمامًا. كل قطعة في المتالمة اكتملت الآن. قوانين البيت… خصم المصروف… المعاملة ببرود… الادعاء بـ “العدالة والمبادئ”… كل هذا كان مسرحية هزلية حقيرة لإبقائي تحت سيطرته، ولإرهابي حتى لا أطالب بشيء أو أكتشف أنني المالك الحقيقي والأصلي لثروته التي بني عليها كبرياءه! مسحتُ الدمعة بثبات حاسم، وبصيت لسلمى وقلت: — سلمى… أنتِ متأكدة إن الورق ده حقيقي ومسجل في الشهر العقاري؟ سلمى أخرجت من الجيب الداخلي للملف ورقة رسمية عليها ختم النسر المذهب: — دي الشهادة الرسمية للوصية المؤرخة، واستخرجتها الصبح بنفسي بصفتي وريثة من الدرجة الأولى من دفتر خانة الشهر العقاري. الورق حقيقي 100% يا مريم. وأحمد دلوقتي مزنوق في أخر مرحلة؛ المحلات في المبنى رفعت عليه قضايا عشان بيحاول يطردها أو يجدد العقود بأسماء وهمية، ولو أنتِ دخلتِ القضية دي بصفتك المالك الشرعي لنصف المبنى والمستفيدة الأولى من الوصية… أنتِ مش بس هتاخدي المبنى، أنتِ هتحاسبيه على كل أرجاء الإيجارات اللي أكلها طوال السنين اللي فاتت! في هذه اللحظة، رن هاتف السنتر الداخلي. أمسكتُ السماعة، وجاءني صوت الموظفة في الاستقبال متوترًا: — مدام مريم… فيه ست كبيرة بره ومعاها راجل شكله متبهدل جدًا، ومصرين يدخلوا لسيادتك. الست بتقول إن اسمها “نوال” والراجل بيقول إنه “أحمد”… ورافضين يمشوا وبيعيطوا في الصالة قدام الطلاب! نظرتُ إلى سلمى، وابتسمت ابتسامة باردة تحمل كل معاني التحدي والانتصار المرتقب. قلت للموظفة في السماعة: — خليهم يدخلوا يا سمر. أدخليهم فورًا. بعد دقيقتين… فتح باب المكتب. دخلت نوال… لكن لم تكن نوال التي أعرفها. كانت تسير ببطء شديد، متكئة على ذراع ابنها أحمد. ثيابها كانت بسيطة وقديمة، ووجهها شاحب تجعدت فيه كل علامات القسوة القديمة ليحل محلها الانكسار والتوسل. أما أحمد… فكان شكله يرثى له. قميصه مجعد، شعره غير مرتب، وعيناه ممتلئتان بالخوف والرعب وهو ينظر إلى المكتب الفاخر وإلى أخته سلمى الجالسة بجواري. أول ما أحمد شاف الملف الأسود المفتوح قدامي على الترابيزة… وشف الأوراق الصفراء وختم النسر… وشه اتغير 180 درجة. رجليه خانته، واضطر يمسك في حرف الباب عشان ما يقعش. قال أحمد بصوت خافض يرتجف، وكأنه يرى كابوسًا مرعبًا: — مريم… الأوراق دي… أنتِ… أنتِ جبتِ الأوراق دي منين؟! قمتُ من على كرسيي ببطء شديد. مشيت بثبات حتى وقفت أمامهما تمامًا. نوال نظرت إليّ ودموعها تسيل على خديها المترهلين، وقالت بنبرة خاضعة: — مريم يا بنتي… سامحينا… إحنا مطرودين من الشقة الإيجار النهارة لأن أحمد معندوش يدفع الإيجار… والمحلات في المبنى حجزت على حسابه في البنك… إحنا ملناش غير ربنا وثم أنتِ يا بنتي… أستحلفك بدمك اللي أنقذ بنتي سلمى إنك تتنازلي عن القضية وتخلي أحمد يجدد العقود عشان نلاقي لقمة نأكلها! بصيت لنوال بهدوء، ثم التفتُّ إلى أحمد الذي كان ينظر للأرض بعجز كامل. قلت بصوت صارم، يسمعه كل من في المكتب: — “البند السابع من قوانين البيت بيقول إيه يا أحمد؟” نسيت؟ العدل لازم يطبق على الكل! والقواعد مينفعش تتكسر، صح؟! أحمد رفع رأسه وهو يبكي بكسرة، وصوته يخرج مخنوقًا: — مريم… أرجوكي… أنا اعترفت إني ظلمتك وشيلت ذنبك… بس بلاش دمار شامل! المبنى ده هو الأمل الأخير ليا ولأمي عشان نعيش! لو أخدتِ المبنى أو بلّغتِ عن الإيجارات القديمة… أنا هدخل السجن بجد بتهمة خيانة الأمانة والتزوير في عقود التأسيس! قربت منه خطوة واحدة، وصوتي أصلب من الحديد: — أنت ما ظلمتنيش بس يا أحمد… أنت خدعتني من أول يوم! أنت اتجوزتني عشان فصيلة دمي النادرة! اتجوزتني عشان الوصية اللي سابها أبوك! عيشتني 3 سنين في سجن نفساني، وبتقنعني إني ولا حاجة ومن غيرك هموت من الجوع، وأنت قاعد بتاكل ملايين الإيجارات اللي هي حقي الشامل والقانوني بموجب الوصية! نوال صرخت بذهول ونظرت لأحمد: — إيه؟! أنت كنت عارف بالوصية يا أحمد؟! أنت عملت كل ده في البنت وهي ليها نصف المبنى؟! أحمد لم يستطع الرد. أطرق رأسه في الأرض، ودموعه تسقط على الحذاء القديم الذي يرتديه. أخرجتُ من محفظتي كارت المحامي الخاص بي، وحطّيته في جيب قميص أحمد المجعد: — المحامي بتاعي هيستناك بكرة الساعة 9 الصبح في الشهر العقاري ومحكمة الأحوال المالية. قدامك 24 ساعة يا أحمد… إما تسلمني إدارة مبنى وسط البلد بالكامل، مع عقد تنازل نهائي عن حصتك، وتدفع لي التعويض عن الإيجارات اللي اختلستها طوال السنين اللي فاتت بجدولة زمنية… وإما البلاغ للنيابة العامة بتهمة التزوير والاستيلاء على أموال الوصية المشروطة هينزل بكرة الساعة 10 الصبح! نوال ألقَت بنفسها عند قدمي تبكي وتترجى: — يا بنتي يرضيكي أحمد يدخل السجن؟! يرضيكي أم تموت بكسرتها على ابنها؟! رفعتُ نوال ببطء من على الأرض، ونظرت في عينيها بثبات ونضج أخير: — يا طنط نوال… أنا اتبرعت بدمي لبنتك مرتين، وأنقذت حياتها من الموت المحقق بدون ما أستنى منكم كلمة شكر. الإنسانية والرحمة أنا قدمتها بالكامل… لكن الحقوق والكرامة ملهاش معلش. أحمد هو اللي اختار طريق “القوانين الصارمة”، ودلوقتي القوانين دي بتمسكه من رقابته. أشرتُ لهما بيدي نحو الباب: — اتفضلوا بره… المحامي مستنيك بكرة. ومفيش كلام تاني هيتقال هنا. أحمد أخذ أمه المنهارة من يدها، وخرجوا بخطوات ثقيلة ومكسورة من باب السنتر. كان يمشون كالأشباح في وسط أضواء المركز وضحكات الطلاب، وكأن الحياة كشفت عورتهما وعاقبتهما بأقسى طريقة ممكنة. مقالات ذات صلة جلستُ على كرسيي مرة أخرى، وتنفسْتُ الصُّعُداء. سلمى اقتربت مني، ووضعت يدها على كتفي بابتسامة مليئة بالحب والدعم: — أنتِ أخدتِ حقك يا مريم… والحق دائمًا بيمشي في النور. ابتسمتُ لسلمى ونظرتُ من النافذة إلى أفق المدينة المشرق. كنت أعلم أن الغد يحمل الفصل الأخير والنهائي من هذه القصة… الفصل الذي سأغلق فيه كل الملفات القديمة، وأبدأ فيه حياتي الملكية والكاملة، ليس فقط كإنسانة نجحت واستقلت، بل كمالكة حقيقية لمستقبلها وثروتها وكرامتها التي لا تُقدَّر بثمن. في تمام الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، كنتُ أقف أمام مجمع المحاكم بالمدينة. كان الجو صافيًا، والهواء المحمل برائحة الصباح يبعث في نفسي طمأنينة غير مسبوقة. لم أعد أسرع الخُطى بقلب مرتجف كما كنتُ أفعل زمان، ولم يعد يطاردني شعور الخوف من كسر “بند” أو ارتكاب “مخالفة”. كنتُ أدخل الساحة بخطوات واثقة، أرتدي بدلة رسمية أنيقة، وإلى جواري نهى والمحامي، بينما كانت سلمى تنتظرنا في الداخل بابتسامة تشجيع صادقة. عند باب مكتب التوثيق والشهر العقاري، كان أحمد ونوال يتكئان على أحد المقاعد الحجرية. كان أحمد يبدو كمن كَبُر عشرين عامًا في ليلة واحدة. وجهه شاحب، عيناه غائرتان، وثيابه تفوح منها رائحة الانكسار والعدم. أما نوال، فكانت تجلس صامتة تمامًا، تنظر إلى الأرض بذهول وكأنها أخيرًا استوعبت حجم الهاوية التي حفرتها بيدها. أول ما رآني أحمد، وقف ببطء شديد. لم يجرؤ على التقدم نحوي، ولا على رفع عينيه لتلتقي بعيني. تقدم محاميه الخاص ونظر إلى محاميّ بنبرة استسلام تام: — أستاذنا… الأستاذ أحمد جاهز للتوقيع على كل الشروط. التنازل النهائي عن حصته في مبنى وسط البلد، ونقل الإدارة المالية والتجارية بالكامل للمدام مريم، مع جدولة المبالغ المستحقة للتعويض عن إيجارات السنوات السابقة على أقساط بنكية معتمدة باسم أخته سلمى لتضمن استكمال دراستها وتأمين حياتها. أخرج المحامي الأوراق الرسمية المجهزة مسبقًا، ووضعها على الترابيزة العريضة. نظر المحامي إلى أحمد وقال بصوت جاد: — اتفضل اقرأ البنود يا أستاذ أحمد قبل التوقيع. أحمد أخذ القلم بيده التي كانت ترتعش بوضوح شديد. لم يقرأ البنود، ولم ينظر حتى إلى السطور. كان يعلم أن كل حرف في هذه الأوراق هو النتيجة المباشرة والمنطقية لقسوته، وغروره، واللعبة الخبيثة التي أدارها لسنوات. وقع أحمد على النسخة الأولى… ثم الثانية… ثم الثالثة. نفس القلم الذي وقع به قبل شهور على خصم مصروفي وعقابي ليلة التبرع بالدم، كان اليوم يوقع به على تجريد نفسه من كل ما يملك، وعلى تسليم زمام أموره بالكامل لمن استهان بها يومًا. عندما انتهى من التوقيع، وضع القلم ببطء، ورفع عينيه المليئتين بالدموع والتوسل وقال بصوت خافت: — كده القواعد اتطبقت يا مريم؟ كده العدل اكتمل؟ نظرتُ إليه بثبات، وسحبتُ أوراق التنازل المعتمدة بخاتم الدولة المذهب، وضعتها في حقيبتي، وقلت بصوت هادئ ونبرة بالغة النضج: — العدل بتاعك أنت كان قسوة ومساومة يا أحمد… لكن عدل ربنا هو اللي حط كل حاجة في مكانها الصح. أنت ما خسرتش أملاكك بس… أنت خسرت نفسك، وخسرت أختك، وخسرت إنسانيتك يوم ما فكرت إن الفلوس والتحكم أعمق من الرحمة. التفتُّ إلى سلمى وأخذتها في حضني، وشددت على يدها: — نصيبك وحقك في المبنى محفوظ يا سلمى، ومصاريف دراستك وعلاجك أصبحت مأمنة للأبد. أنتِ أختي الحقيقية. سلمى بكت بحرارة وقالت: — أنتِ اللي علمتيني يعني إيه قوة ويعني إيه كرامة يا مريم. تركت أحمد ونوال واقفين في طرقة المحكمة يواجهون مصيرهم الجديد؛ شقة صغيرة بالإيجار، وديونًا متبقية للبنك، وحياة خاوية من الحب والرحمة والاحترام. أما نوال، فقد أدركت في أواخر أيامها أن البيت الذي يُبنى على الظلم والتحكم لا يمكن أن يصمد أمام أول اختبار حقيقي للحياة. خرجتُ من أبواب المحكمة إلى الشارع المضيء بنور الشمس الشديد. بعد مرور عام كامل على ذلك اليوم… أصبح مركزنا التعليمي من أكبر المراكز الشاملة في المدينة، وتم افتتاح فرع جديد يخصص جزءًا كبيرًا من أرباحه للأعمال الخيرية ودعم الحالات الطبية الحرجة والتبرع بالدم. كما استلمتُ إدارة مبنى وسط البلد بالكامل، وقمتُ بتطويره وتأجيره لشركات عالمية، ليتحول إلى مصدر دخل وثبات مالي مستدام. في عصر أحد الأيام، كنتُ أقوم بجولة في قسم التبرع بالدم التابع للجمعية الخيرية التي أسستها. وقفتُ أمام إحدى الأسرة، حيث كانت هناك فتاة تتبرع بدمها، والممرضة تضع لها القطنة والضمادة على ذراعها. ابتسمتُ لها وقربت منها، وقدمتُ لها كباية عصير دافية بنفسي. قالت لي الفتاة بامتنان: — شكراً لحضرتك يا مدام مريم… الإحساس بالتطوع والمساعدة ده جميّل أوي. مسكتُ إيدها برفق وقلت لها بابتسامة صافية طالعة من أعماق قلبي: — أصل العطاء والتضحية هما الشيء الوحيد اللي بيدي للحياة قيمة حقيقية يا بنتي… بس افتكري دايماً: اعطي بحب ورحمة، بس أوعي تسمحي لحد يستغل طيبتك أو يكسر كرامتك. لأن اللي بيحترم نفسه ويدافع عن حقه، ربنا دايماً بيكتب له النهاية اللي يستحقها. نظرتُ إلى دراعي، حيث أثر الإبرة القديم الذي أصلح سبباً في حريتي وقوتي. لم يعد الأثر يذكرني بالوجع ولا بالنظرة الباردة التي جابهتني بها العائلة القاسية، بل كان يذكرني باليوم الذي خرجتُ فيه من العتمة إلى النور، واليوم الذي أثبتُّ فيه للعالم أن الرحمة قد تصبر… لكن الحق والكرامة لا يموتان أبداً. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”