امي محتجزة ابني 2
وقفت في مكاني على الباب، ساند بإيدي على الحلق، وباصص للمنظر اللي قدامي ببرود تام. اللوجستيات وإدارة الأزمات علمتني حاجة مهمة أوي: “لما الخصم يرمي بكل كروته في أول الجولة، يبقى هو داخل على طمع وخايف من السير العكسي”.
أمي كانت بتعيط بحرقة مصطنعة، حاطة إيدها على قلبها وبتترعش، وخالي محمد واقف وفارد صدره وعينيه بتطلع شرار، وجوز منى، عصام، واقف وراهم حاطط إيده في جيبه وبيبص لي بنظرة لؤم، والراجلين الكبار من العيلة اللي جايبينهم معاهم عشان يعملوا “قعدة حق” واقفين بيهزوا رؤوسهم بقلة حيلة وكأنهم جايين يربوا عيل صغير غلط في الأصول.
خالي محمد زعق تاني وصوته صدى في السلم:
* “أنت متمسمر مكانك كده ليه يا واد؟ أنا بكلمك! عاجبك المنظر ده؟ أمك الحاجة نادية، اللي لفت بيك السبع لفات، واقفة على بابك مكسورة وخاطرها مكسور بعد ما فضحتها وخليت اللي يسوى واللي ما يسواش يتكلم عليها؟ فين رجولتك؟ فين تربيتنا ليك؟”
في اللحظة دي، منى خرجت من جوه على صوت الزعيق، وشها اصفر أول ما شافت جوعها عصام وخالها. عصام أول ما شافها برطم:
* “تعالي يا هانم.. تعالي شوفي أخوكي وعمايله، وأنتِ واقفة معاه وسايبة بيتك وعيالك وجاية تشاركيه في عقوق الوالدين؟”
منى اتملت رعب، لسه هترجع لورا، بس أنا مسكت إيدها وثبتها جنبي. بصيت لخالي محمد وقلت له بنبرة هادية جداً، النبرة اللي بتعصب أي حد منفعل:
* “اتفضلوا ادخلوا.. البيوت ليها حرمة، والزعيق في وسط السلم ده مش بتاع ناس أصول يا خال.”
خالي محمد بص لأمي وقال لها: “ادخلي يا ختي، ادخلي وراسك مرفوعة، ده بيت ابنك غصب عنه.”
دخلوا الصالة. أمي قعدت على الكنبة الكبيرة، وراحت منهارة في العياط زيادة، والرجالة قعدوا، وعصام وقف جنب خالي. أنا قفلت الباب وراهم بالترباس، ووقفت في نص الصالة، مربع إيدي.
خالي محمد بص لي وقال:
* “شوف يا كريم، إحنا مش جايين نطبطب عليك. اللي أنت عملته ده قلة أدب وفضيحة للعيلة كلها. تفتح لايف على الفيسبوك وتفرج علينا أصحابنا وجيراننا ونسايبنا؟ أنت هبلت يا ابني؟ أمك مهما عملت، تشيل جزمتها فوق راسك. لو كانت ضربت سارة ولا زعقت لها، سارة تستحمل، دي في مقام أمها. إنما توصل بيك الدناءة إنك تطردها بالليل وتهددها بالشرطة؟”
بصيت لأمي، لقيت عينها صبّت في عيني، ومسحت دموعها بسرعة من ورا المنديل ورمت لي نظرة تشفي.. كانت مفكرة إن بلمة الرجالة دي هأكش وأبوس على إيدها ورجلها وأطلب السماح.
قلت لخالي محمد بكل هدوء:
* “خلصت كلامك يا خال؟”
خالي خبط بعصايته على الأرض:
* “خلصت وزفت! رد عليا هتعمل إيه؟ أنت هتقوم دلوقتي تبوس على إيد أمك ورأسها، وتلغي الفيديوهات الزفت دي من موبايلك، وتعتذر لعصام جوز أختك عشان أخدت مراته من وراه، وسارة دي تروح بيت أهلها لحد ما تتربى وتعرف إزاي تحترم حماتها، وبعدين نشوف ه نصالحها إزاي.”
ضحكت بصوت عالي.. ضحكة سخرية هزت الأوضة كلها.
عصام اتنرفز وقال:
* “أنت بتضحك على إيه يا كريم؟ أنت شايفنا بنهزر؟”
نزلت إيدي، وقربت من خالي محمد، وقعدت على الكرسي اللي قباله. بصيت للراجلين الكبار من العيلة وقلت لهم:
* “يا حاج قاسم، يا حاج عبد الله.. أنتوا رجالة أصول وأصحاب كلمة حق، وعمركم ما ترضوا بالظلم. وأنا هحكيلكم اللي حصل بالظبط، بس مش بلساني.. بالأدلة.”
أمي أول ما سمعت كلمة “الأدلة”، ملامح وشها اتهزت. صرخت بسرعة:
* “أدلة إيه وكدب إيه! ده ركب كاميرات في بيتي عشان يتجسس عليا وعلى مراته، ولفق لي الفيديوهات دي.. أنت بتصدق الكاميرات وتكدب أمك يا كريم؟”
طلعت موبايلي من جيبي. وفتحته. خالي محمد قال بعصبية:
* “شيل الزفت ده من قدامنا، إحنا مش جايين نتفرج على تليفونات.”
قلت له:
* “لا يا خال.. هتشوف. عشان أنت راجل صعيدي وبتعرف الأصول، والست الصعيدية لما تدخل بيت جوزها بتبقى أمانة في رقبة راجلها.”
شغلت الفيديو الأولاني.. الفيديو اللي مدته عشر دقايق قبل ما أنا أوصل البيت. حطيت الموبايل على التربيزة في النص وعليت الصوت لآخر حاجة.
في الأول، ظهر صوت آدم وهو بيصرخ صريخ يقطع القلب. وبعدين ظهرت أمي وهي ماسكة علبة المسكن بتاعة سارة، وبتحدفها في الأرض بكل غل، وتدوس عليها بجزمتها لحد ما الإزاز اتملا فتافيت وحتت حامية. وظهر صوت أمي الواضح والنقي وهي بتقول لسارة:
* “انزلي على إيديكي ورجليكي لمي الإزاز ده فتوفتة فتوفتة.. ولو لقيت فتكوتة واحدة، مش هتشوفي الواد ده تاني، وهسيبه يصرخ لحد ما يقطع النفس.”
وبعدين الكاميرا جابت سارة.. وهي نايمة على بطنها، بتزحف، والدم نازل من جرح عمليتها مغرق الهدوم، وإيديها متجرحة من الإزاز وهي بتلم وتعيط وتتوسل: “بوس إيدك يا حاجة نادية.. سيبيني أرضعه الواد هيموت في إيدك”.. وأمي بتبعد عنها وبترفسها برجليها خفيف وتقول لها: “أحسن.. عشان تموتي ونخلص من صنفك الوخس”.
الأوضة فجأة بقى فيها صمت رهيب.. صمت الموت.
الحاج قاسم والحاج عبد الله عينيهم وسعت من الصدمة، وبصوا لأمي بنظرات قرف وذهول. خالي محمد الكلام وقف في زوره، وبص للشاشة وهو مش مصدق إن الست اللي ظاهرة دي هي أخته “الحاجة نادية” الست المتدينة اللي بتروح الجمعيات الخيرية وتوزع شنط رمضان.
أمي وشها جاب ألوان.. من الأصفر للأزرق للأحمر. حاولت تقوم تقفل الموبايل، بس أنا سحبت التليفون بسرعة وقلت لها:
* “لسه يا حاجة.. لسه مخلصناش.”
شغلت الفيديو التاني.. فيديو من يومين فاتوا، وأنا مش موجود في البيت. أمي كانت واقفة في المطبخ، وسارة تعبانة وبتنهج، وأمي مسكت حلة الشوربة السخنة ودلقتها على الأرض وقالت لها: “امسحي ده دلوقتي حالا.. إحنا مش جايبين ست هانم تقعد في السرير”.
قفل تليفوني وحطيته في جيبي. وبصيت لخالي محمد اللي كان وشه اسود من الكسوف والخزي.
قلت له بصوت حاد وزي الس/كينة:
* “ها يا خال؟ هي دي الأصول؟ هي دي الست الصعيدية اللي بتصون بيوت العيلة؟ مراتي كانت بتموت جوه، والدكتور قال لي الخياطة الداخلية اتفكت والنزيف رجع تاني بسبب الضغط والمجهود اللي الست الوالدة عملته فيها! دخلت العمليات ساعتين بين الحيا والموت.. بسبب مين؟ بسبب أمي!”
التفتّ للراجلين الكبار:
* “يا حاج قاسم.. لو دي بنتك وجوزها ساب أمه تعمل فيها كده، كنت هتقول عليه راجل ولا نص راجل؟”
الحاج قاسم هز رأسه وبص في الأرض وقال بنبرة مليانة خزي:
* “لا حول ولا قوة إلا بالله.. ده يرضي ربنا فين بس يا أم كريم؟ ده افترا.. ده افترا وعاقبته وحشة أوي عند ربنا.”
الحاج عبد الله وقف وقال:
* “يا حاج محمد.. إحنا جينا معاك على أساس إن ابن عاق طرد أمه وشهر بيها. لكن اللي شفناه ده لا يرضي الله ولا رسوله. البنت دي لو كانت ماتت، كان كريم دلوقتي واقف في قفص الاتهام هو وأمه بتهمة الق/تل. إحنا مالناش قعاد هنا.. السلام عليكم.”
الراجلين سابوا الأوضة وخرجوا، وباب الشقة اتقفل وراهم.
أمي قعدت تصرخ وتلطم على وشها وتعمل عيانة:
* “آه يا قلبي.. الحقني يا محمد، الواد ده هيموتني، بيلفق لي تهم ويمشي كلام الغرب عليا.. آه يا ناري!”
خالي محمد، لأول مرة، ما اتقدمش خطوة واحدة ناحيتها. بص لها بنظرة كلها قرف وعتاب وقال لها:
* “اسكتي يا نادية! اسكتي خالص واكتمي! أنتِ لسه ليكي عين تتكلمي؟ الفيديوهات دي لو طلعت للناس، إحنا مش هنعرف نمشي في الشارع وراوسنا مرفوعة. أنتِ مريضة؟ أنتِ إيه اللي جوه قلبك ده من ناحية الغلبانة دي؟”
التفتّ لعصام جوز منى، اللي كان واقف مبرق وساكت تماماً بعد ما شاف الفيديوهات وعرف إن مراته منى كانت ضحية برضه وهي صغيرة. قربت منه وقلت له:
* “وأنت يا عصام.. كنت بتقول لمنى إيه بره؟ سايبة بيتها وعيالها؟ منى هنا عشان بتنقذ حياة مراتي وابني، وعشان بتعمل اللي ضميرها وبشريتها بيقولوا عليه. لو عندك كلمة عدلة تقولها لأختي أهلاً وسهلاً.. لو جاي تاخدها بالدراع عشان ترضي الحاجة نادية، الباب يفوت جمل.”
عصام بلع ريقه وبص لمنى اللي كانت واقفة بتبص له بتحدي لأول مرة في حياتها. عصام قال بنبرة هادية:
* “لا يا كريم.. أنا ماكنتش أعرف حاجة. منى تفضل هنا لحد ما سارة تقوم بالسلامة، وبيتها مفتوح لها في أي وقت.”
خالي محمد وقف، وبص لأمي وقال لها بحسم:
* “قومي يا نادية.. لِمّي فضيحتك وقومي معايا. مالكيش قعاد هنا، ولا ليكي كلام مع كريم تاني لحد ما تعقلي وتعرفي ربنا.”
أمي بصت لي بنظرة حقد عمري ما هنساه. وقفت وعدلت إسدالها، وقبل ما تخرج من الباب، قربت مني وقالت بصوت واطي ومسموع ليا أنا بس:
* “فاكر إنك كسبت يا كريم؟ الفيديوهات دي لو نزلت، أنا هرفع عليك قضية عقوق وحجر، وهخلي سيرتك على كل لسان في شركتك.. أنا اللي عملتك، وأنا اللي ههدك.”
خرجت ورقعت الباب وراها هي وخالي ومشيوا.
الصالة رجعت هادية تاني، بس الهدوء المرة دي كان تقيل ومخيف.
منى قعدت على الكنبة وغطت وشها وعيطت:
* “أنا خايفة يا كريم.. أمي مش هتسكت. أمي لما بتتحط في كورنر وبتتفضح، بتبقى زي الذئب الجريح، ممكن تحرق البيت باللي فيه بس ما تطلعش خسرانة.”
حطيت إيدي على كتف منى وقلت لها:
* “متخافيش يا منى.. أنا شغال في اللوجستيات، وعارف إزاي مأمن خطوطي كويس. التهديد بتاعها ده أنا عامل حسابه.”
دخلت الأوضة لسارة. كانت صاحية وسامعة كل حاجة بره. عينيها كانت مليانة دموع بس مكنتش دموع قهر، كانت دموع خوف عليا.
* “كريم.. أنت خسرت أهلك وعيلتك بسببي. أنا السبب في كل المشاكل دي.”
قعدت جنبها على السرير وأخدت إيدها المجروحة وبستها:
* “أنتِ مش السبب في حاجة يا سارة. أمي هي اللي اختارت الطريق ده. وأنا ما خسرتش أهلي، أنا حميت بيتي وابني. الراجل اللي ما يحميش مراته وهي في أضعف حالاتها، ما يستاهلش يتقال عليه راجل.”
عدى أسبوع.. الأسبوع ده كان هادي جداً في البيت. منى كانت بتهتم بسارة وآدم، وسارة بدأت صحتها تتحسن ووشها يرد فيه الدم تاني، وآدم بدأ ينام بانتظام. كنت فاكر إن العاصفة هديت، وإن أمي بعد كلام خالها وجوز منى هتكش وتداري خيبتها.
لكن الظاهر إن منى كانت صح.. الحاجة نادية ما بتستسلمش بسهولة.
في يوم الصبح، كنت قاعد براجع إيميلات الشغل على اللاب توب، لما جالي تليفون من مدير الموارد البشرية (HR) في الشركة عندي.
رديت:
* “أهلاً يا فندم، صباح الخير.”
صوت المدير كان غريب وجاد جداً:
* “صباح النور يا كريم. كريم.. أنت لازم تيجي الشركة حالا، ومعاك محامي لو تقدر.”
قلبي انقبض وقلت:
* “خير يا فندم؟ في مشكلة في الشغل ولا في الشحنات؟”
المدير قال بنبرة مليانة أسف وصدمة:
* “لا يا كريم.. المشكلة مش في الشغل. فيه ست جت الصبح الشركة، ومعاها محامي ومجموعة من الستات بتوع الجمعيات الأهلية، وعاملين وش في الشئون القانونية. الست دي بتقدم بلاغ رسمي ضدك، ومعاها شهادات موثقة وصور وبتقول إنك بتستغل منصبك في الشركة لتهريب بضائع، وإنك بتعتدي عليها وبتطردها من شقتها اللي أنت قاعد فيها، وإنك شخص غير سوي نفسياً وبتشكل خطر على سمعة الشركة.. الست دي بتقول إنها أمك يا كريم، وجايبة معاها قرايب ليكم بيشهدوا على كلامها!”
وقفت في مكاني، واللاب توب كان هيقع من إيدي. أمي راحت طعنتني في شغلي.. في مصدر رزقي الوحيد اللي بصرف بيه على مراتي وابني! ومش بس كده، دي مجمعة ناس وجايبة محامي عشان تدمر حياتي المهنية تماماً وتخليني أترمي في الشارع!
بصيت لورقة صغيرة كانت على المكتب، فيها رقم المحامي بتاعي.
وقلت لنفسي بابتسامة غل: “أنتِ اللي بدأتي الحرب القذرة دي يا نادية هانم.. واستحملي بقى اللي هيجرالك.”
يتبع…
قفلت مع مدير الموارد البشرية، والدم كان بيغلي في عروقي، بس عقلي كان شغال زي الساعة. أمي قررت تلعب اللعبة لأخرها، والمرة دي مش في الصالة عندنا، دي طالعة على المسرح بره وعايزة تكسر ضهري في مصدر رزقي.
بصيت لمنى وسارة اللي كانوا باصين لي بقلق بعد ما شافوا وشي اتغير.
سارة سألتني بخوف:
* “في إيه يا كريم؟ وشك عامل كده ليه؟”
حاولت أبتسم وأطمنها:
* “مفيش حاجة يا حبيبتي، شوية كركبة في الشغل بسبب شحنة متأخرة، ولازم أنزل الشركة حالا. منى، خليكي جنب سارة وما تفتحيش الباب لأي حد مهما كان.”
منى هزت رأسها وهي فاهمة إن فيه مصيبة، بس سكتت عشان سارة ما تتعبش.
نزلت جري على العربية، وأنا في الطريق اتصلت بأستاذ مدحت، المحامي بتاعي وصديق عمري. حكيت له كل حاجة في السريع، من أول الكاميرا السرية واللايف لحد تليفون الـ HR.
مدحت صفر وقال لي:
* “يا نهار أبيض يا كريم! أمك مش سهلة، دي داخلة بقلب جامد وجايبة معاها شهود ومحامي عشان تعمل قضية تشهير وضغط على الشركة عشان تفصلك. الشركات الكبيرة دي بتخاف على سمعتها أوي، ولو حسوا إن فيه شوشرة حواليك ممكن يضحوا بيك لمجرد يشتوا دماغهم.”
قلت له بحدة:
* “أنا مش هسيبها تهد اللي بنيته في سنين يا مدحت. الفيديوهات الأصلية كلها معايا على الموبايل وعلى اللاب توب ومرفوعة على الكلاود. أنت معاك التوكيل بتاعي؟”
مدحت رد بحسم:
* “معايا طبعاً. اطلب أوبر وتحصلني على الشركة حالا، أنا هسبقك على هناك وجايب معايا اللاب توب والملفات القانونية. الحرب دي محتاجة نفس طويل وأدلة تخرس أي لسان.”
وصلت الشركة بعد نص ساعة. الأجواء كانت مشحونة، والموظفين في الطرقات بيبصوا لي بنظرات غريبة.. نظرات خلطة بين الشماتة والفضول والشفقة. ما اهتمتش بحد، رفعت راسي ومشيت بثقة لحد أوضة الاجتماعات الكبيرة في الدور الأخير.
أول ما فتحت الباب، شفت المشهد اللي عمري ما كنت أتخيل أشوفه في مكان شغلي.
أمي كانت قاعدة في صدر التربيزة، لافة طرحة بيضا وعاملة دور الست العجوزة المظلومة المكسورة، وجنبها محامي لابس بدلة شيك وماسك في إيده ملفات، ووراها تلات ستات من بتوع الجمعية الخيرية اللي بتديرها، واقفين يشهدوا بزور ويقولوا: “حرام.. ده ابن عاق، ده بيسرق بضاعة الشركة ورمى أمه!”، وعلى الناحية التانية كان قاعد مدير الـ HR ومدير الشئون القانونية ووشوشهم ما تبشرش بالخير خالص.
أول ما دخلت، المحامي بتاع أمي وقف وزعق:
* “أهو.. أهو المشكو في حقه جه! الأستاذ كريم عبد الرحمن، مدير العمليات اللي مالي السمع والبصر، وهو جوه بيته وحش كاسر بيطرد أمه اللي ربيته وسهرت عليه، ومش بس كده، ده مستغل منصب اللوجستيات هنا عشان يمرر حاجات من ورا الشركة!”
أمي بدأت تعيط بنحيب عالي:
* “شقا عمري ضاع فيك يا كريم.. تطردني بالليل عشان خاطر مراتها؟ وتتهمني بالباطل وتعمل لي فيديوهات متفبركة بالذكاء الاصطناعي؟”
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح ودخل مدحت المحامي بتاعي. سلم على مدير الشئون القانونية وقعد جنبي بكل هدوء، وطلع اللاب توب بتاعه وحطه على التربيزة.
مدير الشئون القانونية بص لي وقال بجفاء:
* “أستاذ كريم، إحنا هنا في شركة عالمية، وسمعتنا فوق كل شيء. البلاغ اللي متقدم ضدك من والدتك والمحامي بتاعها خطير جداً. بيتهموك بالاعتداء بالضرب والطرد، وكمان بتقديم تسهيلات غير قانونية في عمليات النقل لشحنات خاصة بيك بره علم الشركة، ومعاهم شهود من قرايبكم والجمعية. لو الكلام ده صحيح، إحنا مش بس هنفصلك، إحنا هنحيلك للنيابة.”
أمي بصت لي بابتسامة انتصار خبيثة جداً من تحت المنديل، كأنها خلاص ضَمنت رقبتي.
مدحت المحامي بتاعي ابتسم وبص لمدير القانونية وقال:
* “سيادة المستشار، إحنا بنحترم الشركة جداً وبنحترم حرصكم على السمعة. وعشان كده، إحنا مش هنتكلم كتير.. إحنا هنسيب الأدلة المادية هي اللي تتكلم. الست الوالدة بتقول إن الفيديوهات متفبركة بالذكاء الاصطناعي، وإن الأستاذ كريم بيعتدي عليها. طيب، إيه رأيكم نشوف الفيديوهات الخام اللي متسجلة من كاميرات المراقبة الموثقة بالساعة والتاريخ، ونشوف تقرير المستشفى الحكومي عن حالة زوجة الأستاذ كريم؟”
مدحت فتح اللاب توب ووجه الشاشة لمدير الشئون القانونية والـ HR.
شغّل الفيديو. الأوضة كلها سكتت. صوت صريخ آدم وهو رضيع مالي المكان، وصوت أمي وهي بتكسر علبة الدوا الحيوية لمراتي اللي لسه خارجة من نزيف حاد، وصوتها وهي بتقول لها بكل غل: “انزلي على إيديكي ورجليكي لمي الإزاز..”، واللقطة الواضحة وهي بترفص سارة برجلها وسارة بتنزف على الأرض.
الستات بتوع الجمعية اللي كانوا جايين يشهدوا مع أمي، وشوشهم جابت ألوان، وبدأوا يرجعوا لورا ويبصوا لبعض بذهول.
مدير الشئون القانونية عينه وسعت وصك على سنانه من كتر البشاعة اللي شايفها في الفيديو. بص لأمي ونظرة الاحترام اللي كانت في عينه اتحولت لقرف تام.
المحامي بتاع أمي حاول يتدخل بسرعة ويتلعثم في الكلام:
* “يا فندم.. ده.. ده خلاف عائلي ملوش علاقة بالشغل! إحنا بنتكلم عن استغلال المنصب والسرقة والتهريب!”
مدحت قفل الفيديو الأولاني، وفتح ملف تاني خالص على اللاب توب وقال بنبرة حاسمة زي السيف:
* “بما إن الأستاذ المحامي بيتكلم عن الشغل والسرقة والتهريب.. اتفضل يا فندم. دي فواتير وتقارير حركة الشاحنات كلها اللي أشرف عليها الأستاذ كريم في أخر خمس سنين، ومطابقة بالملّيم مع حسابات الشركة. مفيش كرتونة واحدة طلعت بره المسار. لكن المفاجأة هنا..”
مدحت طلع ورقة رسمية تانية وعرضها:
* “المفاجأة إننا عملنا تحري بخصوص الجمعية الخيرية اللي بتديرها الحاجة نادية، واكتشفنا إن المحامي المحترم ده والستات دول، كانوا بيستغلوا اسم كريم وصورته وعلاقته بشركتكم عشان ياخدوا تبرعات وتسهيلات من شركات تانية باسم كريم ومن غير علمه! يعني هما اللي كانوا بيستغلوا اسمه في أعمال مشبوهة، ولما كريم كشف حقيقتهم جوه البيت وطرد أمها بعد ما كادت تق/تل مراته، جابوها هنا عشان يهددوه ويضغطوا عليه يسحب الفيديوهات وما يبلغش النيابة!”
مدير الشئون القانونية وقف على حيله، وبص لأمي ولمحاميها وقال بصوت جهوري:
* “أظن اللعبة كدة وضحت تماماً. أنتوا جايين تتبلوا على مدير من أكفأ المديرين عندنا، وجايين تستخدموا شركتنا كوسيلة ضغط وتصفية حسابات عائلية وجرائم جنائية! أستاذ مدحت، كأ ممثل قانوني لكريم، أنت طالب إيه دلوقتي؟”
مدحت وقف بكل ثقة وقال:
* “إحنا بنطلب إثبات الحالة دي في محضر رسمي هنا في الشركة، وبنطلب استدعاء أمن الشركة للتحفظ على الستات دول والمحامي والحاجة نادية، لأننا حالاً هنتحرك على قسم الشرطة لتقديم بلاغ رسمي بالشروع في الق/تل، والابتزاز، والشهادة الزور، والتشهير بموظف عام وتدمير مستقبله المهني!”
أمي أول ما سمعت كلمة “التحفظ” و”القسم”، الوش الخشب اتقلب تماماً. قامت وقفت على حيلها وفقدت أعصابها، وبدأت تصرخ في المحامي بتاعها:
* “إتصرف يا فاشل! أنت مش قلت لي هنيجي هنا نلوي دراعه وهيوافق على طول ويمسح الفيديوهات؟ أنت وديتني في داهية!”
الستات بتوع الجمعية جيروا على الباب وفتحوه وهربوا في الممر وهما بيقولوا: “إحنا مالناش دعوة.. يا فندم إحنا كنا جايين نعمل خير وهي اللي ضحكت علينا!”
مدير الشئون القانونية طلب الأمن في التليفون: “هاتوا لي أربعة من الأمن على أوضة الاجتماعات حالا، يمنعوا الست دي ومحاميها من الخروج لحد ما البوليس يوصل.”
أمي بصت لي، وعينيها كانت طالعة منها شرار الكره كله. قربت مني وهي بتترعش من الخوف والغضب وقالت بصوت مخنوق:
* “هتحبس أمك يا كريم؟ هترمي الست اللي ولدتك في السجن عشان خاطر حتة بت لا راحت ولا جت؟ مش هسامحك ليوم الدين!”
بصيت لها بكل برود، النظرة اللي كانت محوشها طول السنين اللي فاتت وأنا شايفها بتكسر فينا واحد ورا التاني.
وقلت لها:
* “أنتِ اللي اخترتي يا نادية هانم. أنتِ اللي ما صنتيش البيوت، ولا صنتي حفيدك، ولا صنتي ابنك. أنتِ عيشتي طول عمرك تدمري في الناس وتظهري قدام المجتمع إنك الملاك البريء. السجن بره أرحم بكتير من السجن اللي كنتِ عايشة فيه جوه قلبك المليان غل. القانون هو اللي هيحكم بيننا.”
الأمن دخل، وأخدوا أمي والمحامي بتاعها وسط فضيحة جلاجل في الشركة كلها. الموظفين اللي كانوا بيبصوا لي بنظرات شماتة، دلوقتي واقفين مبرقين ومنكسرين ومش قادرين يحطوا عينهم في عيني.
مدير الـ HR قرب مني وحط إيده على كتفي:
* “كريم.. أنا بعتذر لك بالنيابة عن الإدارة. إحنا ماكنّاش نعرف حجم المأساة اللي أنت عايش فيها. أنت ليك إجازة شهر مدفوعة الأجر بالكامل، روح اطمن على بيتك ومراتك، ومكانك هنا محفوظ وراسك مرفوعة.”
شكرتهم، وخرجت أنا ومدحت ورحنا على القسم. قفلنا المحضر بالدليل القاطع، وبشهادة الفيديوهات وتقرير المستشفى وشهادة خالي محمد وجوز أختي عصام اللي لما عرفوا باللي حصل في الشركة، جوم القسم بنفسهم وشهدوا مع الصدق وضد الافترا بتاع أمي. خالي محمد قال في المحضر: “أنا أختي نادية مريضة نرجسية، واللي عملته في مرات ابنها ج/ريمة، وإحنا بنتبرأ من عمايلها.”
صدر قرار بحبس أمي والمحامي بتاعها 4 أيام على ذمة التحقيق بتهمة الابتزاز والشروع في الق/تل والإهمال الجسيم في حق رضيع.
بعد يومين، كنت قاعد في الصالة عندي في البيت. الشمس كانت داخلة من الشباك منورة المكان كله. الشقة اللي كانت مليانة كوابيس وخوف، فجأة بقى فيها دفا غريب ونفس نقي.
سارة كانت قاعدة على الكنبة، سانده ظهرها على المخدات، ووشها ردت فيه الروح وضحكتها الجميلة رجعت تنور وشها من تاني. منى كانت واقفة في المطبخ بتعمل لنا غدا، وصوت ضحكها مع سارة كان مالي البيت.
شيلت آدم في حضني. بصيت في عينيه الصغيرين وبست رأسه.
وقلت له بالراحة:
* “خلاص يا قلب بابا.. مفيش خوف تاني. مفيش حد هيقدر يؤذيك ولا يؤذي مامتك طول ما أنا عايش. البيت ده اتقفل عليه بالحب والأمان، والكابوس انتهى للأبد.”
سارة بصت لي وعينيها مدمعة من الفرحة وقالت:
* “ربنا يخليك لينا يا كريم.. أنت صنت الأمانة.”
ابتسمت وأنا حاسس بسلام داخلي عمري ما حسيته من يوم ما اتولدت. عرفت إن إدارة الأزمات مش بس في الشغل والشاحنات.. إدارة الأزمات الحقيقية هي إنك تحمي بيتك، وتطهر حياتك من أي شخص سام ومريض، حتى لو كان أقرب الناس ليك، عشان تعيش برأس مرفوعة وضمير مرتاح.
تمت.