انت اللي عزمتهم 2

أحمد فضِل واقف مكانه، الموبايل على ودنه، وصوت أمه طالع من السماعة زي السواطير. كانت بتصرخ بنبرة حادة، كلماتها طالعة متقطعة من كتر الغل، وكأن اللي حصل في الصالة ما كانش مجرد خناقة زوجية، لا ده كان اعتداء مباشر على كرامتها هي شخصياً وعلى هيبة ابنها الكبير.
سامعني يا أحمد؟! الست دي ما تقعدش في بيتك ليلة واحدة كمان! دي جَرّستك قدام الناس، ونزلت كلمتك الأرض! يا تطلقها وتجيبها تربيها في بيت أبوها، يا إما لا أنت ابني ولا أعرفك ليوم الدين!
أنا كنت واقفة ساندة ضهري على حلق باب الأوضة. ملامح وشي كانت هادية على غير العادة. الهدوء ده ما كانش ضعف ولا استسلام، ده كان الهدوء اللي بييجي بعد العاصفة لما كل حاجة تتهدم خلاص وميبقاش فاضل حاجة تخاف عليها. كنت بصلة أحمد، مستنية أشوف رد فعله. هل هيصرخ؟ هل هيرمي التليفون؟ ولا هيسكت زي ما كان بيعمل دايماً لما أمه تتدخل بيننا؟
أحمد بلع ريقه ببطء، وشه بقى شاحب، وإيده اللي ماسكة الموبايل كانت بترعش خفيف. بصلي بعيون مكسورة ومتلخبطة، وفي لحظة تردد طولت شوية، قال بصوت وطي ومحشرج يا أمي كبري عقلك بس… الحساب مش كده،نتكلم بكرة لما تروحي وتهدي…
أهدى إيه يا ابن بطني?! أمه قطعت كلامه بزعيق

أعلى، أنت بتدافع عنها بعد اللي عملته؟! بتديك الأوامر قدام عمك جابر ومراته؟! بقى أحمد المهندس يمسح البلاط ويغسل الحلل وهي قاعدة جوة حاطة رجل على رجل؟! لو ما خدتش موقف راجل بكرة الصبح، اعتبر أمك ماتت!
السماعة اتفلتت في وشه. صوت الصفارة الرتيبة بتاعة خط التليفون المقطوع كانت هي الصوت الوحيد اللي مالي الممر.
أحمد نزل إيده ببطء، وبص للموبايل كأنه مش مصدق إن أمه قفلت السكة في وشه. وبعدين رفع عينه ليا. الشرار اللي كان في عينه من شوية انقلب لخليط عجيب من القهر والارتباك.
عاجبك كده؟ قالها بصوت طالع بالعافية، كأنه بيتخنق. عاجبك إن أمي تقولي الكلام ده؟ مبسوطة لما البيت بيتخرب؟
رديت عليه ببرود تام، وصوتي كان أهدى من أي وقت فات أنا ما خربتش البيت يا أحمد. أنت اللي سبت بيتك ينخر فيه السوس من 12 سنة. أمك مش زعلانة عشان كرامتك، أمك زعلانة عشان الخادمة اللي أنت جايبها البيت قررت تطالب بأبسط حقوقها كبني آدمة. زعلانة عشان ابنها اضطر يغسل كام طبق في ليلة واحدة، في حين إنها كانت شايفاني بغسل جبال مواعين بقالي سنين ومقالتيش حتى كلمة يعطيكي العافية.
أحمد خطى خطوة ناحيتي، وعروق رقبته كانت مشدودة، بس المرة دي ما كانش فيه غضب، كان فيه اندفاع عاجز أنتِ عايزه إيه يا سعاد؟! عايزه تطلقي بجد؟ عايزه تهدّي 12 سنة جواز عشان عزومة وشوية مواعين؟!
لأ يا أحمد… قربت منه لحد ما بقيت واقفة قصاده بالظبط، وبصيت في عينه بمباشرة شديدة. أنا مش بهدّ عشان عزومة وشوية مواعين. أنا بهدّ عشان إحساسي إني مش منظورة. عشان العمر اللي بيجري مني في حسابات الشغل الصبح، وحسابات المطبخ بالليل، وأنت واقف تتفرج عليا وكأني مكنة شغالة بالكهربا مالهاش حق تتعب ولا تشتكي. أنا مش عايشة معاك عشان أكون واجهة اجتماعية قدام صحابك وأهلك، أنا عايشة عشان أكون شريكة. وأنت عمرك ما عاملتني كشريكة.
سكت أحمد. الكلمات نزلت عليه زي المطبات الثقيلة. كان متعود على سعاد اللي بتعيط، سعاد اللي بتتقوقع على نفسها لما يزعق، سعاد اللي تروح تشتكي لأختها في التليفون وترجع الصبح
تعمل الفطار. بس سعاد اللي واقفة قدامه دلوقتي كانت ست تانية خالص… ست بوزن مهندسة حصر كميات، بتقل وتوزن كل كلمة قبل ما تطلعها، وبتواجهه بالحقيقة الجافة اللي كان بيهرب منها طول السنين دي.
سحب نفس طويل، وقعد على أقرب كرسي في الصالة، وحط وشه بين إيديه. إيديه اللي كان لسه فيها ريحة الصابون والزفر.
أنا تعبان يا سعاد… قالها بكسرة مكتومة من بين صوابعه. أنا طول عمري متربي إن الست هي اللي بتشيل البيت، إن راجل البيت ضيف في بيته بيكرم ضيوفه… أنا ما قصدتش أظلمك.
وقفت فوقه وبصيتله بعين فيها مزيج من الشفقة والعتاب التربية مش حجة يا أحمد لما تكبر وتبني بيت. أنت شايفني بشتغل زيي زيك، بدفع في مصاريف البيت زيي زيك، بس لما بنيجي عند الراحة والتعب، بتفتكر فجأة إنك الراجل وأنا الست اللي مفروض تشيل القرف كله لوحدها. العرف اللي يظلم البني آدم ميبقاش عرف، يبقى استغلال.
رفع وشه وبصلي بقلة حيلة طب وأمي؟ أنتِ سمعتِ قالت إيه… أمي مش هترضى عني لو ما خدتش موقف.
بتسمت ابتسامة خفيفة، فيها كمية مرار لا توصف وأنت راجل عندك 56 سنة يا أحمد… بتحدد حياتك ومستقبل بيتك على حسب رضا أمك عن حركة غسيل المواعين؟ لو أنت شايف إن رضا أمك متوقف على إنك تظلمني وتخليني خادمة، يبقى أنت فعلاً ما تستاهلش تكون جوزي.
الكلمة نزلِت عليه زي المية الساقعة. وقفت أنا لفيت ضهري، ودخلت الأوضة، وطلعت شنطة سفر كبيرة من فوق الدولاب. فتحتها على السرير وبدأت ألم هدومي.
أحمد دخل الأوضة بسرعة لما سمع صوت السوستة بتفتح. وشه اتغير تماماً لما شاف الشنطة. أنتِ بتعملي إيه؟ أنتِ رايحة فين في نص الليل؟
أنا ماشية
لمحة نيوز

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *