حماتي

حماتي كانت كل ما أمد إيدي على قطعة لحمة، تقول سيبيها لابني إنتِ كفاية عليكي الرز. كنت بسكت وأقول كبيرة في السن، لحد اليوم اللي قالتها قدام ابني، وهو رد عليها بجملة فضحت كل اللي كانت بتعمله من سنين.
من أول يوم جواز، كنت كل ما نروح نتغدى عند حماتي أحاول أساعدها في المطبخ، وأجهز السفرة، وأعتبر نفسي في بيتها.
لكن كان فيه حاجة غريبة بتتكرر كل مرة.
أول ما الأكل يتحط، كانت تملّي طبق جوزي بأحسن قطع اللحمة والفراخ، وتقول وهي مبتسمة
كل يا حبيبي إنت طول اليوم في الشغل.
وبعدين تبصلي وأنا بمد إيدي على قطعة لحمة وتقول بسرعة
سيبيها لابني إنتِ كفاية عليكي الرز والسلطة.
الناس كانت تضحك، وأنا أضحك معاهم كإني أخدت الموضوع بهزار.
لكن الحقيقة إن الكلمة كانت بتوجعني كل مرة.
قولت يمكن بتحب ابنها زيادة.
لكن مع الوقت اكتشفت إنها مش بتعملها معايا بس.
كانت كل ما أحاول آخد حاجة كويسة، تمنعني.
ولو جوزي قام يجيبلي قطعة من طبقه، تقول
سيبها يا ابني هي مش ناقصها أكل.
وجوزي كان يضحك ويعديها، ومكنش شايف إني باكل أقل واحد على السفرة.
مرة كنت حامل في الشهر الخامس، والدكتور موصيني بالبروتين عشان نسبة الحديد عندي كانت نازلة.
روحت عندها، وأول ما مديت إيدي على قطعة

لحمة، قالت قدام الكل
إيه يا بنتي؟ هو الرز خلص؟ سيبي اللحمة للرجالة.
بصيت لجوزي مستنية يقول أي كلمة.
لكنه سكت.
رجعت إيدي، وكملت أكلي من الرز.
ومن يومها، بطلت أروح عندها وأنا جعانة.
كنت آكل قبل ما أنزل.
ولما يسألوني ليه مش باكل، أقول شبعت.
عدت سنين على الحال ده.
لحد ما ابني كبر وبقى عنده سبع سنين.
وفي يوم كنا كلنا متجمعين على الغدا.
مديت إيدي على قطعة لحمة صغيرة.
كالعادة، حماتي قالت وهي بتضحك
سيبيها لابني إنتِ كفاية عليكي الرز.
قبل ما أرد
ابني وقف الأكل، وبصلها باستغراب وقال
بس يا تيتة ماما في بيتنا هي اللي بتدينا اللحمة الأول، وبتاخد هي آخر قطعة.
السفرة كلها سكتت.
حماتي حاولت تضحك وقالت
أنا بهزر.
لكن ابني كمل بمنتهى البراءة
لا إنتِ كل مرة بتقولي لماما متاكليش اللحمة. عشان كده هي بقت بتاكل قبل ما نيجي عندك.
حسيت إن الأرض اتسحبت من تحت رجلي.
أول مرة حد غيري ينطق بالحقيقة.
بصيت لجوزي.
لقيته بيبصلي بصدمة، كأنه أول مرة ياخد باله.
قاللي بهدوء
إنتِ فعلًا كنتي بتاكلي قبل ما نيجي؟
هزيت راسي.
وقلت
من سنتين عشان مبقاش جعانة وأنا بتفرج عليكم.
وشه اتغير.
ولأول مرة، سحب الطبق من قدام أمه، وحط أكبر قطعة لحمة في طبقي.
وقال قدام الكل
من النهارده، مراتي تاكل قبلي.
حماتي قامت من مكانها وهي متضايقة، وقالت
هو أنا عملت إيه يعني؟
لكن جوزي مردش عليها.
فضل ساكت شوية، وبعدين قال
لا فيه حاجة أنا لازم أفهمها الأول.
قام دخل أوضتها، وبعد دقايق رجع وهو ماسك دفتر صغير قديم كان فوق الدولاب.
وقال لأمه
هو الدفتر ده إيه؟
لون وشها اتغير في ثانية.
لأن الدفتر ده
كان مكتوب فيه كل عزومة عملتها من يوم جوازنا، وكل اسم جنب الأكل اللي اتقدمله، ومع كل صفحة ملاحظة بخط إيدها
مرات ابني متتاخدش أحسن من ولادي عشان متتعودش.
السفرة كلها سكتت.. صمت ما كان فيه ولا نفس، والدنيا كأنها وقفت في مكانها. كنت واقفة بقلبي بيدق جامد، وعيني مش قادرة تتبعد عن الدفتر اللي في إيد جوزي، والكلام اللي قراه كان بيتردد في وداني زي الصاعقة مرات ابني متتاخدش أحسن من ولادي عشان متتعودش.
بصيت لحماتي.. لقيت وشها صار لون واحد، وعيناها تلمع بالخوف والذهول، وشفايفها بترتجف كأنها مش قادرة تخرج أي كلمة. كل اللي كانت تعمله من سنين، كل كلمة وجعتني، كل مرة سحبت فيها إيدي من على الأكل، كل مرة كنت أجوع وأكتم صوتي جوايا، كل ده كان مخطط ومكتوب ومحسوب! مش حب لابنها زي ما كنت أقول لنفسي.. لا.. ده كان قرار خذته من أول يوم دخلت فيه بيتهم إن ما أكونش أحسن منهم، إن ما أتعودش على الخير، إن أبقى دايماً في المؤخرة، رز وسلطة، وما ليش في اللحمة ولا في الخير نصيب.
جوزي كان ماسك الدفتر بإيد مرتجفة، بيقلب الصفحات واحدة ورا التانية، وكل صفحة تمر عليه كان وشه يزيد غمق. كلامها كان واضح، بخط إيدها اللي عرفته من سنين، مؤرخ بيوم وتاريخ يوم جوازنا، أول عزومة، كل زيارة، كل مناسبة.. مكتوب جنب اسمي رز وسلطة فقط، لا تقدم لها لحم ولا فراخ ولا أي صنف طيب. وتحتها كلام تاني لا ترفض طلبها بصراحة، قولي لها كلام يريحها وهي تسكت.. اللي يهم إنها ما تاخدش أحسن من ولادي.
يعني كل ده كان مُتَعَمَّد؟! جوزي قالها بصوت مخنوق، مش عارف أكون غاضب ولا مصدوم كل مرة كنت أشوفك بتمنعيها قطعة لحمة، كنت أصدقك إنك بتضحكي وإنها مش محتاجة؟ كنت أعديها وأقول نفسي حب الأم زيادة؟!
حماتي صوتها طلع ضعيف، بتتكلم بتتعلثم
يا ولدي.. أنا.. ما قصدتش.. أنا خايفة عليها تتعود وتصير تطلب كل حاجة.. البنت لما تاخد كل حاجة من أول يوم، ما تبقاش تقدر تعيش من غيرها.. وأنت غالي عليّ.. حبيتك تفضل أنت الأول..
وأنا؟! صوتي طلع من غير ما أحس، دموعي نزلت ومش قادرة أوقفها وأنا يا سيدتي؟ أنا كنت إيه بالنسبالك؟ شغالة؟ ضيفة ما ليش حق؟ أنا كنت حامل وكنت محتاجة أكل! كنت بجوع وأكتم جوعي عشان خاطر خاطرك! كنت
لمحة نيوز

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *