نجلاء بصت لأخويا بقلق، وحاولت تضحك وهي بتقول: ـ تفسير لإيه؟ هو في إيه تاني؟ أخويا حط الكشكول على الترابيزة، وبص لها نظرة هادية، لكن اللي يعرفه كويس كان هيعرف إنه غضبان جدًا. قال: ـ من أسبوعين قولتيلي إن الحضانة طلبت مصاريف زيادة، وإنك محتاجة فلوس عشان تكملي الشهر. هزت راسها بسرعة. ـ أيوه... وماله؟ قال: ـ وأنا حولتلك المبلغ كامل. سكت لحظة، وكمل: ـ ودلوقتي عرفت إن العيال أصلًا كانوا طول النهار عند أمي، يعني مكنوش بيروحوا الحضانة غير يومين أو تلاتة في الأسبوع. الأنفاس اتحبست في المكان. نجلاء بدأت تتلخبط. ـ أصل... أصل كانوا بيتعبوا، فكنت بخليهم يقعدوا عند طنط. رد أخويا: ـ يبقى الفلوس راحت فين؟ ماعرفتش ترد. بصت يمين وشمال، وكل اللي في القعدة مستني كلمة. بعد ثواني قالت بصوت واطي: ـ صرفتها في حاجات للبيت. قال: ـ أي حاجات؟ أنا اللي بجيب طلبات البيت، والكهربا والمياه والإيجار عليا. فضلت ساكتة. لأول مرة، كانت مش لاقية أي رد. خالتي قالت بهدوء: ـ يا بنتي، الغلط كلنا بنغلطه... لكن الكذب هو اللي بيكبر الغلط. نجلاء نزلت عينيها في الأرض. أما أمي، فقامت وقربت منها، وقالت: ـ والله يا بنتي، أنا عمري ما زعلت منك عشان العيال. أنا زعلت لأنك اعتبرتيني واجب، مش إنسانة بتتعب وتحتاج كلمة شكر. الكلمة دي كانت كأنها كسرت حاجة جوا نجلاء. بدأت دموعها تنزل. قالت وهي بتمسح وشها: ـ أنا... أنا فعلًا اتعودت. كل مرة أقول هسيبهم ساعة، ألاقي نفسي اتأخرت، وبعدين بقيت أحس إن ده حق طبيعي. رديت عليها بهدوء: ـ المشكلة مش إنك طلبتي مساعدة. المشكلة إنك اعتبرتي تعب أمي حاجة مالهاش قيمة. بصت لأمي وقالت وهي بتبكي: ـ حقك عليا يا طنط... سامحيني. أمي ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: ـ مسامحاكي... بس أوعي تكرريها. العمر لما بيكبر، القوة بتقل، واللي باين واقف قدامك ممكن يكون بيتوجع وهو ساكت. أخويا سحب نفس طويل، وقال: ـ من النهارده هننظم حياتنا. لو احتجنا مساعدة هنطلبها باحترام، ولو ماما وافقت يبقى بمزاجها، ولو قالت لأ يبقى حقها. ومش هيتكرر اللي حصل. العيلة كلها ارتاحت بعد ما التوتر بدأ يهدأ. أما نجلاء، فقامت من مكانها، ومشت ناحية أمي، وباست إيديها قدام الكل. وقالت: ـ أول مرتب هقبضه، هاجيبلك هدية من اختياري... مش عشان أصلح اللي فات، لأن ده مايتصلحش، لكن عشان أقولك شكرًا على كل مرة شيلتي فيها عيالي وأنا مقدرتش تعبك. ابتسمت أمي وربتت على كتفها، وقالت: ـ أحلى هدية إنك تعرفي قيمة الناس وهي لسه معاك. ومن اليوم ده، ماحدش بقى يسيب الأطفال عند أمي إلا لو هي بنفسها قالت إنها حابة تقعد معاهم، وكانت الزيارة تبقى ساعات قليلة وهي مرتاحة، مش عبء عليها. وساعتها فهمت إن أوقات كتير، الدرس الحقيقي مش بيكون بالصوت العالي أو الانتقام... لكنه بيكون لما تخلي الشخص يشوف الحقيقة بعينيه، ومايقدرش ينكرها.بعد حوالي شهر... كنت رايحة أزور أمي، وأنا متوقعة ألاقي البيت هادي أخيرًا. وفعلًا، أول ما دخلت، لقيتها قاعدة في البلكونة بتشرب شاي وبتقرا قرآن، ووشها رجع فيه الراحة اللي كانت مختفية بقالها شهور. حضنتها وقلت: ـ أخيرًا بقيتي ترتاحي. ابتسمت وقالت: ـ الحمد لله... بقيت أشوف العيال وأنا مشتاقة لهم، مش وأنا خلاص هقع من التعب. قعدنا نتكلم شوية، وفجأة جرس الباب رن. فتحت أمي. كانت نجلاء. لكن المرة دي شكلها مختلف تمامًا. شايلة صينية أكل كبيرة، وفي إيدها التانية شنطة فيها فاكهة وحاجات لأمي. أول ما دخلت قالت: ـ السلام عليكم يا طنط... عملتلك المحشي اللي بتحبيه. أمي ابتسمت وقالت: ـ يا بنتي تعبتي نفسك ليه؟ قالت: ـ ده أقل واجب. كنت واقفة ببص عليها، ولسه جوايا شك إن اللي حصل ده هيفضل كام يوم وترجع لطبعها. لكن اللي عملته بعدها فاجأني. طلعت ظرف صغير من شنطتها، وحطته قدام أمي. أمي قالت باستغراب: ـ إيه ده؟ قالت نجلاء: ـ ده مبلغ بسيط كل شهر... مش أجرة، لأنك عمرك ما هتبقي حضانة، لكن مشاركة مني في أي طلبات أو دوا تحتاجيه. أمي رفضت على طول. ـ لا يا بنتي، أنا مش هاخد منك فلوس. لكن نجلاء مسكت إيدها وقالت: ـ لو رفضتي، هزعل. زمان كنت فاكرة إن تعبك واجب، دلوقتي عرفت إن الواجب عليا أنا. لأول مرة، حسيت إن الاعتذار اللي قالته يوم العزومة ماكنش مجرد كلام قدام الناس. كان تغيير حقيقي. وأخويا دخل بعدها بدقايق، وهو شايل شنطة أدوية. قال: ـ ماما، دي الأدوية اللي الدكتور كتبها، وأنا عملتلك ميعاد علاج طبيعي لركبتك. أمي بصتله بعين مليانة دموع. وقالت: ـ كل ده ليه يا ابني؟ قال: ـ لأني قصرت في حقك سنين، وده أقل حاجة أعملها. قعدنا كلنا على السفرة. العيال كانوا بيلعبوا بهدوء، وكل شوية نجلاء تقوم تشوفهم بنفسها، وماتسيبهمش يزعجوا أمي. وأنا كنت ببص للمشهد ومصدقش إن دي نفس الست اللي كانت بتقول: "ما هي قاعدة في البيت ومش وراها حاجة." لكن الحياة ساعات بتدي الإنسان فرصة يراجع نفسه... ولو استغلها، بيتغير للأحسن. ومن يومها، بقى بيت أمي مكان للزيارة والمحبة، مش مكان لتحميلها فوق طاقتها. وده كان أكبر درس اتعلمناه كلنا: إن احترام الكبير مش بالكلام، لكن بالفعل، وتقدير تعبه قبل ما ييجي يوم ونتمنى وجوده ومينفعش الندم ساعتها.عدى حوالي ست شهور... والحياة فعلاً اتغيرت. أمي بقت صحتها أحسن، وبقت تنزل تتمشى كل عصر مع جارتها، وترجع وهي مبسوطة. أما نجلاء، فبقت كل ما تيجي تزور أمي، تخبط الباب الأول وتقول: ـ طنط... ينفع تلعبي مع العيال ساعة؟ ولو تعبانة خلاص، ولا يهمك. وأمي ساعات توافق، وساعات تعتذر. والغريب إن نجلاء بقت تحترم كلمة "لأ" من غير ما تزعل. في يوم الجمعة، كنا متجمعين كلنا على الغدا. وأثناء الأكل، أمي قالت وهي مبتسمة: ـ نفسي أعمل عمرة قبل رمضان الجاي. كلنا فرحنا بالفكرة. أخويا قال على طول: ـ وأنا هتكفل بكل المصاريف. لكن أمي رفضت. ـ لأ يا ابني... معايا جزء من الفلوس. ضحكت وقلت: ـ وإحنا كمان هنشارك. وفجأة نجلاء قالت: ـ وأنا أول واحدة هشارك. أخويا بص لها باستغراب. قالت: ـ دي أقل حاجة أقدر أعملها. أمي دمعت عينيها، وربتت على إيدها. افتكرنا إن اليوم هيعدي على خير... لكن بعد الغدا، وإحنا بنشرب الشاي، سمعنا خبط جامد على الباب. أخويا قام يفتح. بعد دقيقة رجع، ووشه متغير. قلت: ـ في إيه؟ قال: ـ في واحدة برا... بتقول إنها جاية تدور على نجلاء. نجلاء اتوترت فجأة. وشها اصفر، والكوباية وقعت من إيدها على الأرض واتكسرت. بصتلها باستغراب وقلت: ـ تعرفيها؟ بلعت ريقها وقالت بصوت مهزوز: ـ أيوه... للأسف أعرفها. في اللحظة دي، دخلت الست من غير ما تستنى حد يعزمها. كانت في الخمسينات من عمرها، ملامحها حادة، وفي إيديها ملف مليان أوراق. بصت مباشرة على نجلاء وقالت بصوت عالي قدام كل اللي قاعدين: ـ أخيرًا لقيتك... بقالك سبعة شهور بتهربي مني. البيت كله سكت. وأخويا قام وقف قدام مراته وقال: ـ حضرتك مين؟ الست فتحت الملف، وطلعت ورقة، ومدتها لأخويا وهي بتقول: ـ أنا جاية عشان الفلوس اللي مراتك استلفتها... واللي كتبت عليها إيصالات أمانة باسمي. أخويا خد الورقة... وأول ما قرا الاسم والمبلغ... وشه شحب، وبص لنجلاء وهو بيقول: ـ نجلاء... يعني إيه مية وتمانين ألف جنيه؟! يتبع...