في الصباحية 2

— “إنتي مين.. إنتي مين إيه بالضبط؟!”
​صرخ بيها وهو بيمد إيده بغريزة اليأس عشان يمسك فيا كأننا في مركب بتغرق، بس أستاذ رمزي كان أسرع، وخطوتين بالظبط كانوا فاصلين بينه وبين كريم، ورفع الملف الجلدي في وشهم ببرود تام:
— “محضر ضبط رسمي، وكل محاولات التوقيع اللي تمت من دقيقة باطلة قانونياً، ومصنفة تحت بند التهديد والإكراه الجنائي لمالكة الحصة الحاكمة.”
​سهير فضلت واقفة مكانها، عيونها بتبرق وشفايفها بتترعش، وفجأة صرخت صرخة عالية وهي بتلطم على وشها:
— “دمرتنا! البت دي دمرتنا! كنت حاسة إنها حرباية ومش ساهلة!”
​فؤاد اتقدم خطوة وعايز يهجم على أستاذ رمزي، بس اتفاجئ باتنين من الحراس الضخام بيقفوا في وشدّه بحركة سريعة وثابتة خلت فؤاد يرجع لورا وهو بيتنفس بصعوبة كأن حد كتم نفسه.
​بصيت لكريم اللي كان واقف مذهول، الكرسي اللي زقه من دقايق لسه واقع على الأرض والقهوة بتنقط منه ببطء على السجاد. قربت منه لحد ما بقت مسافة خطوة واحدة، وطيت شوية عشان أكون قد عينه المصدومة، وبصوت هادئ جداً مكنش فيه أي نبرة انفعال، همست:
— “كنت فاكر لما تلبّسني دور الطيبة الهبلة اللي مش بتفهم في البزنس، إني هنسى مين جدي ومين جدتي؟ بابا الله يرحمه كان دايماً بيقول لي.. اللي يفرط في حق أبوه وأصله، يستاهل ينزل الشارع حافي.”
​كريم بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مكسور ومبحوح:
— “ليلى.. دي.. دي كانت غلطة.. أهلي.. أهلي هم اللي ضغطوا عليا.. أنا بحب….”
​قاطعت إيديه برفع كفي بهدوء، وابتسمت ابتسامة خفيفة وباردة:
— “ما تخلصش الجملة.. عشان كلمة حب دي خسارة في واحد زيك بينام على السرير ويخطط يسرق تعب ست سنين من عمري في نفس اليوم.”
​في اللحظة دي، صوت صفارات سيارات الشرطة بدأ يقرب ويزأر برة القصر، وأنوار البوكسات الحمرا والزرقا انعكست على حوائط الصالة الواسعة ورسمت ظلال طويلة على وشوشهم المرعوبة.
​أستاذ رمزي فتح باب القصر الرئيسي، ودخل ضابط الشرطة برتبة كبيرة وورا أمناء الشرطة، وبص في الورق اللي في إيد المحامي وبعدين وجه كلامه لكريم وفؤاد:
— “كريم فؤاد السيوفي؟ وفؤاد محمود السيوفي؟ متهمين بقضايا نصب وتزوير أوراق مالية ومحاولة إكراه على توقيع عقود استحواذ بطرق غير مشروعة.. اتفضلوا معانا بهدوء.”
​سهير وقعت على الكرسي وهي منهارة تماماً، وفؤاد اتمسك بإيد الكرسي ووشه أصفر تماماً، أما كريم فبصلي نظرة أخيرة كلها رجاء وذل.. بس عيني كانت أثبت من الجبل.
​لفيت ظهري ببطء، ظهري مفرود وروب الحرير الأبيض بيتحرك مع كل خطوة بخفة وثقة، وطلعت السلم بتاعه طابق طابق لحد ما وصلت لأوضتي اللي فوق، وقفت قدام المرايا، وعدلت حلق الألماس بتاعي وأنا باصية لنفسي برضا تام، وعرفت وقتها إن الجواز عمره ما كان أمان مزيف.. الأمان الحقيقي هو إن الست تعرف تاخد حقها بدراعها من غير ما تنزل دمعة واحدة.فتحت باب الأوضة، ودخلت وقفلت ورايا بهدوء تام، وسحبت مفتاح القصر الإضافي اللي كان في شنطتي وحطيته على التسريحة جنب عقد الألماس.
​قعدت على الكرسي القديم اللي جدتي أمينة كانت قاعدة عليه وهي بتدير أول صفقة ليها، وبصيت من البلكونة على عربيات الشرطة وهي بتتحرك بالناس اللي كانت فاكرة إن الإمبراطورية دي بقت ليهم بكلمتين وباسكتة فطار مزيفة.
​الموبايل اللي كان على التسريحة نور برسالة من أستاذ رمزي مكتوب فيها: “تم التحفظ على كل الحسابات والمصانع، والمحضر اتحول للنيابة الكلية بصفة مستعجلة، والكل في التوقيف.”
​قفلت الموبايل، وابتسمت وأنا بفتكر كلام جدتي وهي بتقول لي: “الست القوية مش اللي بتستحمل الضربة، دي اللي بتخلي اللي ضربها يندم على اللحظة اللي مد فيها إيده.”
​رفعت راسي وبصيت لنفسي في المرايا، ولقيت نفسي مستعدة أبدأ الفصل الجديد من غير ما أنزل نقطة دموع واحدة على اللي باعوا رخيص.فتحت الدرج السري اللي تحت التسريحة، وطلعت منه المفتاح القديم الخاص بالمكتب الرئيسي لمصانع المنشاوي في الإسكندرية. مسكته في إيدي، ولقيت حديدته الباردة بتفكرني بكل نقطة عرق نزلت من جبين جدتي وهي بتأسس الكيان ده حجر بحجر.
​سمعت صوت عربيات الشرطة وهي بتتحرك مبتعدة عن القصر، والسكون رجع يسيطر على المكان تاني، بس إحساس الهدوء المره ده كان مختلف.. كان إحساس ملكة قاعدة على عرشها بعد ما طردت اللصوص برة الأسوار.
​دخلت الحمام، غسلت وشي بماء بارد، وبدلت روب الحرير الأبيض بطقم خروج عملي وأنيق منقوش عليه تفاصيل كلاسيكية، ونزلت السلم بخطوات ثابتة ومسموعة.
​لقيت الخدامين واقفين في الصالة في حالة ذهول وخوف، بيبصوا لبعض بترقب. وقفت في نص الصالة، وبصيت لهم نظرة واحدة حاسمة خلت الكل ينزل راسه باحترام:
— “البيت ده هيفضل هادي ونضيف زي ما كان.. واللي كانو هنا انتهوا ومش هيدخلوه تاني أبدًا.”
​سيبتهم وخرجت بره القصر، ركبت عربيتي الخاصة، ودوّرت الموتور، وطلعت ع الطريج السريع متجهة للمصنع الرئيسي.. عشان ورايا إمبراطورية كاملة لازملها إيد تمسك مقودها بجد، ومش هسمح لمخلوق إنه يفتكر في يوم إن توب الست الضعيفة كان مقاسي الحقيقي.عربيتي انطلقت على طريق الإسكندرية الصحراوي، والهواء البارد كان بيخبط في زجاج العربية بينما شريط الذكريات بيمر قدام عيني كأنه شريط سينما. افتكرت كل كلمة قالتها جدتي أمينة وهي بتعلمني إزות أقف قدام أي عاصفة من غير ما أنحني.
بعد ساعة ونص، كانت أسوار مصانع المنشاوي الكبيرة ظاهرة قدامي.. بوابات الضخمة الحديدية اللي بيعتليها اسم العيلة بحروف بارزة.
أول ما عربيتي قربت، البوابة فتحت فورًا بفضل الحارس القديم “عم متولي” اللي كان بيشتغل مع بابا من أكتر من عشرين سنة. أول ما شاف عربيتي، فتح الباب وجرى عليّ وعيونه مليانة دموع الفرح والارتياح، وانحنى باحترام وهو بينظم نفسه:
— “حمد الله على سلامتك يا ست ليلى.. الخبر انتشر في المصنع كله زي البرق.. الكل هنا فرحان إن الحق رجع لصاحبه وإن إمبراطورية المرحوم المنشاوي رجعت لأصلها.”
نزلت من العربية، ورفعت راسي بثقة وأنا بظبط جلبابي الراقي، وبصيت للمصانع اللي الشغالين فيها بدأوا يطلعوا من العنابر ويصفقوا بحرارة وأصوات الزغاريد بتملى المكان.
— “تسلم يا عم متولي.. وقول للكل.. الشغل هيرجع أضعاف، والورقة اللي حاولت تسرق تعبكم اتداس عليها بالجزمة.”
مشيت بخطوات واسعة بين عمال المصنع اللي كانوا بيبصوا لي بنظرة فخر واحترام، وطلعت السلم المؤدي لمكتب الإدارة الرئيسي، فتحت الباب بالمفتاح القديم، وقعدت على كرسي الجلد الكبير.. فتحت اللابتوب قدامي، وابتسمت وأنا بشوف إشعارات الحسابات وهي بترجع تتصلح وتتأمن.. دي كانت البداية الحقيقية لعودة الملكة على عرشها، ومفيش كائن في الدنيا يقدر يكسر ست عارفة قيمة إرثها كويس.رفعت السماعة الداخلية الموصلة بغرفة العمليات والإنتاج، وبصوت هادئ وحازم وجهت كلامي لمدير الحسابات والإنتاج المهندس هشام اللي كان واقف برة بيراقب الوضع:
— “يا بشمهندس هشام.. ابدأ فورًا في جرد كل خطوط الإنتاج، وراجع عقود التصدير المعلقة من شهر فات، وعايز تقرير شامل على مكتبي خلال ساعة واحدة بكل الشحنات اللي كانت موقوفة بسبب ألاعيب العيلة دي.”
المهندس هشام رد بصوت كله حماس وفخر:
— “أوامرك يا فندم.. تحت أمرك، المصنع كله رجع يشتغل بطاقة كاملة أول ما سمعنا إنك مسكتي الزمام.”
قفلت الخط، وسحبت ملف العقود المفتوحة قدامي، وبدأت أراجع الأرقام والبند تلو الآخر بعقلانية وتركيز شديد. تليفوني الشخصي رن برقم غريب.. بصيت على الشاشة ورفعت الحاجب ببرود.. كان محامي كريم بيحاول يتصل عشان يساوم أو يطلب تسوية ودية.
ضغطت على زر “رفض المكالمة”، وعملت حظر للرقم نهائي.
معكتش إيدي بندم ولا لحظة ضعف، بالعكس.. كل رقم كنت براجعه كان بيثبت لي إن الكرسي ده مكانش مفروض أبدًا يكون لأي حد غيري. رفعت راسي وبصيت من شباك المكتب الكبير على العمال وهم شغالين بجهد، وابتسمت وأنا بحط قلمي بختم المصنع على أول عقد جديد يعلن انطلاق عصر جديد لشركات المنشاوي.الباب اتفتح بهدوء، ودخل المهندس هشام وفي إيده تابلت صغير بيعرض أحدث تقارير الجرد، وبص لي بابتسامة عملية:
— “خلصنا جرد القسم الأول يا ليلى هانم، وكل خطوط الإنتاج شغالة بكفاءة أعلى من الأول، والشحنات الجديدة جاهزة للخروج لميناء الإسكندرية في ميعادها.”
هزيت راسي برضا وأنا بوقع على آخر أوراق الشحن:
— “تمام يا هشام، بلغ فريق التسويق إننا هنزل خط إنتاج جديد باسم جدتي أمينة، وعايز التصاميم تكون جاهزة على مكتب الصبح بدري.”
سابني وخرج عشان يبدأ التنفيذ، وفضلت قاعدة لوحدي في المكتب الكبير، باصة للأفق من الشباك الواسع، وعارفة كويس إن القصة لسه أولها، وكل خطوة جايّة هتثبت أكتر إن الإمبراطورية دي عمرها ما كانت مجرد شركة.. دي كانت روح حاربنا عشانها للآخر.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *