من واحنا خمس سنين

أحمد قفل الرسالة وحط راسه بين إيديه وبكى بكاء مرير.. بكاء غسل كل الغضب والكره اللي كان جواه، واتبقى بس الحزن على أب عاش ومات وهو هربان من ذنبه.

أمي قربت من الترابيزة، مسكت عقد الأرض وبصت له، ودموعها نزلت لأول مرة من بداية الحكاية.. دموع نصر، ودموع راحة. بصت لنا وقالت:

ـ “ربنا جاب الحق يا ولاد.. جابه لغد عند رجلينا. الأرض دي هتبقوا تبيعوها، وتأسسوا بيها حياتكم.. هو أفضى لما قدم، وحسابه عند ربنا خلاص خلص.”

عدى ست شهور على اليوم ده.

الحياة بدأت تفتح أبوابها لينا من جديد. أحمد أخذ نصيبه من الفلوس وبدأ يؤسس شركته الخاصة للمقاولات، وأنا جهزت عيادتي وبقت من أكبر العيادات في المنطقة. وأمي.. أمي أخذت كفايتها من الراحة، وبقت تقعد في بلكونتنا الكبيرة وهي ماسكة سبحتها وبتدعي لنا والضحكة مش بتفارق وشها.

وفي يوم.. وأنا قاعدة مع أحمد في مكتبه الجديد، لقيت تليفونه بيرن. بص على الشاشة، ولقيت وش ملامحه هديت تماماً لما شاف الاسم: “ضحى”.

أحمد فتح الخط، وجالي صوت ضحى هادي ومستقر:

ـ “البشمهندس أحمد؟ أنا بكلمك بصفتي مهندسة ديكور.. عرفت إن شركتك الجديدة محتاجة مهندسين لتصميم المشروعات الجديدة، وحبيت أقدم السي في بتاعي.. لو لسه فيه مكان ليا في حياتك.. أقصد في شركتك.”

أحمد ابتسم ابتسامة صافية طلعت من قلبه، وبصلي وقال في التليفون:

ـ “أهلاً يا بشمهندسة.. المكتب صاحب المكتب مستنيكي بكره الساعة 10 الصبح.. عشان نبدأ سوا، بس المرة دي.. على نظافة ومن غير أي ماضي يلاحقنا.”

قفل أحمد الخط، وبصيت له وأنا حاسة إن الدنيا أخيراً دارت دورتها الصح. الوجع بيمشي، والكسرة بتداوى، والبيوت اللي بتتبني على الصبر والأصول.. هي بس اللي بتعيش وتكبر وبتفضل راسها مرفوعة في السماء.

**تمت..**

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *