بعد سبع سنين

​بعد 7 سنين من الشغل في شغلانتين، وبيع دهب شبكتي، وتسليم مرتبتي بالقرش عشان نبني “بيت العمر”، سمعته بيضحك مع والدته في التليفون ويقول: “منى دي مكنة فلوس ببلاش.. فاكرة إنها شريكة في العمارة، بس كل حاجة باسمي ومتقدرش تفتح بقها”
​في اليوم ده.. أنا معيطتش، ولا صرخت، ولا واجهته.. أنا بس قررت أهد المعبد اللي بنيته فوق دماغه، ومن غير ما يحس بنقطة دم واحدة.
​البداية.. حلم “شقا العمر”
​اسمي منى، مهندسة ديكور وعندي 34 سنة. لما اتجوزت طارق، كان موظف بسيط وعنده طموح، وأنا كان عندي حب أعمى.
​بعت دهبي كله عشان نشتري أرض العمارة.
​كنت بشتغل الصبح في شركة، وبالليل “فري لانس” عشان نطلع بالدور الأول والتاني.
​كنت بسترخص اللقمة واللبس على نفسي، وأقول “مش مهم.. بكره نكبر سوا ونسلّط عيالنا في ملكنا”.
​الكل كان بيقولي: “يا منى إنتي ست أصيلة وبمية راجل”.. وكنت بفرح بكلمة “أصيلة” ومكنتش فاهمة إن في مجتمعنا ساعات، “الأصل الزايد عن حده بيتحول لـ سذاجة”.
​اللحظة اللي فوقتني
​في يوم كنت راجعة من الشغل بدري عشان تعبانة، ومكنش يعرف إني في البيت. دخلت المطبخ بهدوء أعمل كوباية شاي، وسمعته بيتكلم في الصالة مع والدته على السبيكر.
​قالت له أمه:
— “يا طارق، إنت مش خايف منى تطلب تكتب نص العمارة باسمها؟ دي دافعة معاك دم قلبها.”
​رد طارق بضحكة عالية، ضحكة فيها كمية سخرية عمري ما سمعتها منه:
— “تطلب إيه يا أمي؟ منى دي ممرورة في حبي.. دي مكنة فلوس بتضخ ومبتفكرش. الست لما بتحب بتبقى عميا. أنا كاتب كل العقود والرخص باسمي وباسمك إنتي كمان عشان أأمن نفسي. هي آخرها شقة تقعد فيها، ولو زعلت.. الباب يفوت جمل!”
​حسيت إن المطبخ بيلف بيا. الشاي اطلق على إيدي ومحستش بالوجع.. الوجع الحقيقي كان في قلبي اللي اتكسر ميت حتة. طارق اللي كنت بشوفه سندي، شايفني مجرد “تمويل مجاني” لمشاريعه وأحلامه، ومأمن نفسه قانونياً عشان يرميني في أي وقت.
​
​مسحت دموعي بسرعة قبل ما يشوفني، وخرجت من المطبخ بابتسامة هادية وقلت له: “مساء الخير يا حبيبي”.
ارتبك وقفل التليفون، وقال لي: “حمد الله على السلامة يا قلبي.. جهزتي فلوس القسط بتاع الشهر ده؟”
بصيت في عينه وقلت له بكل برود: “طبعاً يا طارق.. عيوني ليك.”
​من اللحظة دي، منى القديمة ماتت. وبدأت منى المهندسة اللي بتعرف تحسب كل سنتيمتر وكل قرش:
​أولاً: عرفت إن القانون لا يحمي المغفلين، وإن التحويلات البنكية اللي كنت بعملها له كان بيكتب في خانة سبب التحويل “مساعدة عائلية” أو “هبة” عشان ميبقاش عليا إثبات قانوني.
​ثانياً: استشرت محامي شاطر جداً في قضايا الأموال، وقالي: “لازم يوقع على ورق يثبت إن الفلوس دي ديون أو شراكة، وإلا حقك ضاع”.
​اللعبة الذكية
​بعد أسبوعين، دخلت عليه وأنا متباكية وعاملة نفسي منهارة، وقلت له:
— “طارق.. أنا في مصيبة، الشركة عندي بتعمل تفتيش وضرايب، وفي مبالغ دخلت وخرجت من حسابي ليك، وممكن أتحبس بتهمة غسيل أموال أو تهرب ضريبي لو مأثبتناش إن الفلوس دي كانت (قرض مستحق) لشراء عقار!”
​وشه جاب ألوان وخاف على نفسه وعلى العمارة، وقال لي: “طب نعمل إيه؟”
طلعت له عقود مجهزها المحامي، وقلت له: “هتمضي هنا إنك واخد مني المبالغ دي كقرض بضمان العمارة، أو تكتب لي نص العمارة بيع وشراء عشان نقفل بوق الضرايب.. والمحامي بتاعي هيخلص كل حاجة في السر.”
​من خوفه على “العمارة” اللي بناها بشقايا، ومن ثقته إني هبلة ومبفهمش في القانون.. مضى! مضى على عقد بيع وشراء لنص العمارة، ومضى على وصولات أمانة بالمبالغ التانية عشان “التمويه” قدام الضرايب (زي ما فهمته).
​
​يوم الجمعة، كانت العمارة خلصت، وكان عازم أمه وأهله عشان يحتفلوا. قعدت معاهم وأنا لابسة أشيك لبس عندي، وحاطة العطر اللي بقالي سنين مأخرة أشريه عشان أوفر الفلوس.
​طارق قال بفخر وسط أهله: “الحمد لله.. العمارة بقت جاهزة، وباسم العيلة.”
وقفت بكل هدوء، وطلعت من شنطتي حافظة أوراق، وحطيتها على الترابيزة قدامهم..
​الجزء الثاني.. اللحظة اللي طارق فتح فيها الورق ولقى نفسه مديون بـ 3 مليون جنيه، ونص العمارة اتنقل باسمي رسمي في الشهر العقاري.. ووش أمه اللي اتقلب ألوان..
#الكاتبه_نور_محمد
​الجزء الثاني.. “كش ملك”
​الكل سكت.. الصمت كان تقيل لدرجة إن صوت أنفاس طارق وهو بيفتح الحافظة كان مسموع. عينه نزلت على الورق، ووشه اللي كان منور بفرحة الانتصار، اتحول للون الرمادي في ثواني. إيده بدأت تترعش وهو بيقلب في الصفحات، وبصلي بصدمة كأنه بيشوفني لأول مرة.
​أمه لاحظت رعبته، شدت منه الورق بلهفة وقالت:
— “في إيه يا واد؟ ورق إيه ده؟”
طارق بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مهزوز: “دي.. دي عقود متسجلة في الشهر العقاري.. نص العمارة اتنقل باسم منى.. ودي.. دي وصولات أمانة بـ 3 مليون جنيه أنا ماضي عليها!”
​حماتي صرخت كأن عقرب لدغها:
— “يا لهوي! 3 مليون جنيه إيه؟ إنتي نصبتي على ابني يا حرامية؟ استغليتي طيبته وسرقتيه في ضهره؟”
​ابتسمت بكل برود، ورجعت ضهري لورا، وحطيت رجل على رجل، وقلت لها بصوت هادي جداً وسط صريخها:
— “حرامية؟ الحرامي يا حماتي هو اللي يمص دم مراته وشقاها 7 سنين، ويستخسر فيها اللقمة، عشان في الآخر يبني عمارة يكتبها باسمه واسم أمه، ويقول عليها ‘مكنة فلوس عميا’.”
​طارق قام وقف بسرعة، وعينه كانت بتطق شرار:
— “إنتي.. إنتي سمعتيني؟”
— “سمعتك.. وسمعت كل كلمة سخرية طلعت منك ومن والدتك. اللحظة اللي كنتوا بتضحكوا فيها عليا، أنا كنت بجهز لكم الكفن القانوني اللي هتدفنوا فيه طمعكم. فاكر الضرايب والتفتيش؟ كله كان مسرحية عشان تمضي يا طارق.. وأنت من جشعك وخوفك على العمارة مضيت على بياض وأنت مش دريان.”
​مسك الورق وكان هيقطعه، ضحكت بصوت عالي وقلت له:
— “اقطع براحتك يا حبيبي.. دي صور. الأصول في خزنة في البنك، والمحامي بتاعي معاه تعليمات واضحة.. قدامك 48 ساعة بالظبط، يا تدفع الـ 3 مليون جنيه اللي عليك، يا إما وصولات الأمانة هتتقدم للنيابة، وساعتها مش هتلحق تتهنى حتى بباقي العمارة لأنك هتكون ببدلة السجن.”
​أمه مسكت قلبها ووقعت على الكرسي بتنهج: “يا ابني مستقبلك.. يا ابني العمارة هتروح.”
طارق نزل على ركبه قدامي، الغرور اللي كان فيه اتبخر، وبدأ يعيط زي العيال:
— “يا منى أبوس إيدك.. أنا جوزك! شيطان ودخل بيننا.. حقك عليا، العمارة كلها بتاعتك بس بلاش السجن.. أنا هضيع!”
​بصيت له بقرف وسحبت شنطتي وقمت وقفت:
— “شيطان؟ الشيطان نفسه يتعلم منكم. أنا مش بس أخدت نص العمارة، أنا رفعت دعوى ‘فرز وتجنيب’ عشان العمارة كلها تتباع في المزاد العلني، وبفلوس الوصولات اللي عليك، أنا اللي هشتري نصك بتراب الفلوس.. يعني هطردك إنت وأمك منها بالقانون.”
​سبتهم في حالة انهيار تام؛ أمه بتصوت، وطارق بيخبط على دماغه. طلعت من باب الشقة، وأنا حاسة إن جبل انزاح من على صدري. أخدت حقي تالت ومتلت، ودوقتهم من نفس الكاس.
​النهاية الصادمة..
​وصلت شقتي القديمة اللي كنت مأجراها، قفلت الباب ورايا وسندت عليه وأنا باخد نفسي بانتصار. بدأت أطلع هدومي من الشنطة عشان أرصها، وأنا بطلع ملف أوراقي الخاصة، لقيت ظرف مقفول بالشمع الأحمر واقع في قاع الشنطة.. ظرف مش بتاعي!
​شكل طارق كان حاطه في شنطة اللاب توب بتاعتي بالغلط وهو بيرتب ورقه من يومين.
فتحت الظرف بفضول.. وكانت الصدمة اللي شلت حركتي!
​الظرف كان فيه “بوليصة تأمين على حياتي” بمبلغ 10 مليون جنيه، المستفيد الوحيد منها هو طارق!
لكن دي مكنتش المصيبة.. المصيبة كانت في الورقة اللي تحت البوليصة..
“تقرير طبي” من معمل تحاليل سري، بيأكد إن عينة الدم بتاعتي فيها نسبة من مادة سامة بطيئة المفعول، بتأدي لسكتة قلبية مفاجئة خلال شهور، ومفيش أي أثر ليها بيبان في التشريح العادي!
​في اللحظة دي.. افتكرت “الفيتامينات الغالية” اللي طارق كان بيصر أبلعها كل يوم بليل من ست شهور بحجة إني مجهدة من الشغل، وافتكرت الدوخة ووجع القلب اللي كان بيجيلي الأيام اللي فاتت.
​فجأة.. حسيت بوجع رهيب بيعصر قلبي، الدنيا لفت بيا، التليفون وقع من إيدي، وقبل ما أقع على الأرض.. سمعت صوت مفتاح بيلف في باب الشقة.. وباب الشقة بيتفتح ببطء!
​#الكاتبه_نور_محمد
**الجزء الثاني والأخير.. “الضربة القاضية ودرس الحياة”**
الباب اتفتح ببطء شديد.. وخطوات تقيلة دخلت الشقة. كنت واقعة على الأرض، بكافح عشان أتنفس، الرؤية قدامي مشوشة، والوجع في قلبي بيزيد مع كل ثانية. رفعت عيني بضعف، قدرت أميز الجزمة السودا اللي واقفة قدامي.. كان طارق!
بصلي ببرود تام، مفيش في عينه ذرة ندم أو رعب عليا. وطى جاب الظرف اللي وقع مني، وابتسم ابتسامة شيطانية وقال:
— “تؤ تؤ.. كده بوظتي المفاجأة يا منى. كنت عامل حسابي إنك تقعي في شقتنا وتتفاجئي هناك، مش هنا. بس مش مهم.. النتيجة واحدة.”
حاولت أتكلم، صوتي كان طالع بالعافية، كأنه طالع من بير غويط:
— “إنت.. إنت بتقتلني يا طارق؟”
قعد على ركبه قدامي، ومسح على شعري بإيده اللي بقت بالنسبالي ملمس الموت وقال:
— “أنا مكنتش عايز أوصل لكده، بس إنتي اللي غبية ومتمردة! كنتي فاكرة إني هسيبلك العمارة بجد؟ ولا هدفع 3 مليون جنيه؟ البوليصة دي كانت خطة (ب)، لو فكرتي تلعبي بديلك. الفيتامينات اللي كنتي بتاخديها بحب، كانت بتدمر عضلة القلب بالبطيء. مفيش دكتور هيشك في حاجة.. كلها دقايق وتبقى مجرد (أزمة قلبية حادة) بسبب الزعل والصدمة.. وأنا أورث الـ 10 مليون، والعمارة ترجعلي.”
كان بيتكلم بغرور، مفكرني خلاص بموت ومش هقدر أعمل حاجة، بيعترف بكل فخر بجريمته. بس هو نسي حاجة مهمة جداً.. نسي إن “منى المهندسة” اللي بتعرف تحسب كل سنتيمتر، مستحيل تسيب نهايتها للصدفة.
لما التليفون وقع من إيدي قبل ما يدخل.. مكنش وقع صدفة. أنا كنت دايسة على زرار “الاتصال السريع” ومكلمة المحامي بتاعي “أستاذ كمال”، واللي كان على الخط، سامع ومسجل كل حرف طارق قاله!
فجأة.. صوت التليفون اللي مرمي جنبي على الأرض طلع منه صوت أستاذ كمال العالي والحازم:
— “البوليس في الطريق يا طارق، والإسعاف كمان.. لو لمست شعرة واحدة منها، إعدامك هيبقى على إيدي وبالقانون!”
طارق اتنفض كأن سلك كهربا لمسه. وشه اللي كان بيضحك من ثواني جاب ألوان، بص للتليفون وبصلي برعب حقيقي. حاول يجري على الباب عشان يهرب، بس في اللحظة دي.. صوت سارينة البوليس كانت بترج الشارع تحت العمارة. المحامي كان مبلغهم من اللحظة اللي حس فيها إن في حاجة غلط.
طارق من كتر الرعب حاول ينط من بلكونة الدور الأول، بس كان خلاص.. كسروا الباب، والشقة اتملت عساكر وضباط، واتقبض عليه متلبس وهو بيحاول يهرب والظرف في إيده.
### **العناية المركزة.. ميلاد جديد**
الإسعاف نقلتني فوراً. الدكاترة عملوا غسيل معدة فوري وبدأوا يدوني أدوية مضادة للسموم. قعدت في العناية المركزة 5 أيام بين الحياة والموت. الأجهزة متوصلة بجسمي، بس عقلي كان صاحي. إرادتي في إني أعيش وأشوف نهايته كانت أقوى من أي سم في دمي. كنت بكلم نفسي وأقول: “مش هتموتي يا منى.. مش هتديلهم متعة الانتصار.”
وبالفعل، جسمي استجاب للعلاج، وتجاوزت مرحلة الخطر.
### **يوم الحساب**
بعد 6 شهور.. وقفت في قاعة المحكمة، بس المرة دي وأنا في كامل قوتي، لابسة أحسن ما عندي، وراسي مرفوعة لفوق.
طارق كان واقف في القفص، مكسور، خاسس، وذليل. التسجيل الصوتي، والتقرير الطبي السري اللي كان في شنطته، وتحاليل المستشفى، وشهادة المحامي.. كلها كانت حبال لفت حوالين رقبته.
القاضي نطق بالحكم: **”السجن المشدد 15 عاماً بتهمة الشروع في القتل مع سبق الإصرار والترصد”**.. ده غير قضايا النصب وخيانة الأمانة اللي متستنياه بعدين.
أمه اللي كانت حاضرة الجلسة، لما سمعت الحكم صرخت ووقعت من طولها. جاتلها جلطة أفقدتها النطق والحركة.. خسرت ابنها، وخسرت العمارة، وخسرت صحتها اللي استغلتها في أذية بنت الناس.
أما العمارة.. فبموجب العقود ووصولات الأمانة، اتباعت في المزاد العلني. أخدت حقي تالت ومتلت، واشتريت شقة أحلامي في مكان راقي، وعملت وديعة في البنك تأمن مستقبلي.
### **النهاية.. والدرس المستفاد**
فتحت شركة ديكور صغيرة باسمي، وكبرتها بسرعة. بقيت بشتغل وأنا مرتاحة، والأهم من ده.. خصصت جزء من أرباح شركتي لدعم الستات اللي بيتعرضوا للنصب الزوجي أو العنف المادي، بوفرلهم استشارات قانونية مجانية عشان مفيش واحدة تقع في الفخ اللي أنا وقعت فيه.
**اتعلمت من التجربة دي دروس محفرة في قلبي:**
1. **الأصل مش سذاجة:** الست الأصيلة مش هي اللي تلغي وجودها، وتتنازل عن ذمتها المالية عشان تبني راجل. الست الأصيلة هي اللي تبني نفسها الأول، وتكون شريكة بالعدل، مش “بنك تسليف مجاني”.
2. **القانون لا يحمي المغفلين:** الحب والثقة مكانهم القلب، لكن المعاملات المادية مكانها الورق والعقود. توثيق حقك مش تخوين لجوزك، ده حماية ليكي ولعيالك من تقلبات الزمن والنفوس.
3. **مفيش عطاء من غير حدود:** اللي يستخسر فيكي اللقمة واللبس والراحة بحجة “بنبني مستقبلنا”، غالباً بيبني مستقبله هو، ولما يخلص بنا.. إنتي أول طوبة هيستغنى عنها.
الحياة ادتني فرصة تانية.. منى الساذجة ماتت في اليوم اللي سمعت فيه المكالمة، ومنى الجديدة اتولدت قوية، ذكية، وعارفة قيمة نفسها كويس أوي.
**النهاية.**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *